الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

حملات ميدانية تكشف “المرض الصامت”.. الوقاية تتقدم على العلاج

Author
إيمان عبروس 19 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد المنظومة الصحية في الجزائر، في السنوات الأخيرة، توجها متزايدا نحو ترسيخ ثقافة الوقاية، باعتبارها أحد أهم المحاور الأساسية في تقليل عبء الأمراض المزمنة على النظام الصحي. وفي هذا السياق، تبرز المبادرات الميدانية التي تستهدف المواطن في فضاءاته اليومية كأداة فعالة لتوسيع دائرة الوعي الصحي وتعزيز الكشف المبكر عن الأمراض.

وفي هذا الإطار، نظم الهلال الأحمر الجزائري، بالتعاون مع مخابر “فيتاكار” والشركة الوطنية لاستغلال مترو الجزائر، يوما تحسيسيا حول داء السكري بمحطة مترو تافورة (البريد المركزي) بالعاصمة، في خطوة تعكس توجها جديدا نحو “الصحة القريبة من المواطن” بدل الاكتفاء بالمؤسسات العلاجية التقليدية.

داء السكري.. مرض صامت يفرض منطق الكشف المبكر

يُعد داء السكري واحدا من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً في الجزائر والعالم، وتكمن خطورته في كونه يتطور في كثير من الحالات بشكل صامت دون أعراض واضحة في مراحله الأولى، ما يجعل المصاب يكتشف المرض في مراحل متقدمة غالباً ما تكون مرفقة بمضاعفات صحية معقدة.

وفي هذا السياق، تكتسي مبادرات التحسيس والكشف المبكر أهمية بالغة، باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية للحد من تطور المرض وتقليل مخاطره، خاصة ما يتعلق بالمضاعفات التي تمس العينين، الكلى، الأعصاب، والقلب.

محطة تافورة.. تحويل الفضاء العمومي إلى فضاء صحي وقائي

اختيار محطة مترو تافورة لم يكن اعتباطيا، بل يعكس توجها جديدا نحو استغلال الفضاءات العمومية ذات الكثافة البشرية العالية للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين.

وقد شهد هذا النشاط الصحي إقبالا لافتا من المواطنين، حيث تم تنظيم فحوصات طبية مجانية شملت قياس نسبة السكر في الدم، إضافة إلى إجراء تحليل HbA1c الذي يسمح بتقييم مستوى السكر التراكمي في الدم على المدى الطويل، وهو أحد أهم المؤشرات الطبية لتشخيص داء السكري ومتابعته.

كما تم تقديم شروحات طبية ونصائح وقائية للمواطنين من قبل طاقم صحي متخصص، ركزت على أهمية الكشف المبكر، والنظام الغذائي المتوازن، والنشاط البدني المنتظم كعوامل أساسية في الوقاية.

الهلال الأحمر الجزائري.. من العمل الإغاثي إلى المقاربة الوقائية

تعكس هذه المبادرة تحولا في دور الهلال الأحمر الجزائري، الذي لم يعد يقتصر على التدخلات الإغاثية والإنسانية فقط، بل أصبح فاعلا أساسيا في مجال الوقاية الصحية والتوعية المجتمعية.

وتندرج هذه العملية ضمن استراتيجية تهدف إلى تقريب الخدمات الصحية من المواطن، من خلال تنظيم حملات ميدانية في الفضاءات العامة، بما يتيح الوصول إلى فئات واسعة قد لا تكون لها فرصة القيام بالفحوصات الطبية بشكل منتظم.

بلعور محمد مهدي

اكتشاف حالات مبكرة يعكس أهمية المبادرة

وفي تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أوضح الدكتور بلعور محمد مهدي، مسؤول الصحة بالهلال الأحمر الجزائري، أن هذه المبادرة نُظّمت بالشراكة مع مخابر “فيتاكار” والشركة الوطنية لاستغلال مترو الجزائر، بهدف التحسيس بمخاطر داء السكري وتعزيز ثقافة الفحص الدوري لدى المواطنين.

وأضاف المتحدث أن الفريق الطبي قدّم إرشادات صحية وتوعوية، إلى جانب إجراء فحوصات مجانية لقياس نسبة السكر في الدم وتحليل HbA1c، مشيراً إلى أنه تم خلال الفترة الصباحية فحص أكثر من 200 شخص.

وكشف الدكتور بلعور أنه تم تسجيل 6 حالات إصابة بداء السكري لدى مواطنين لم يكونوا على علم مسبق بإصابتهم، وهو ما يعكس، حسبه، أهمية مثل هذه الحملات في الكشف المبكر عن المرض.

وأوضح أن بعض هذه الحالات كانت في مراحل مبكرة، ما يسمح بالتكفل الطبي المبكر وتفادي مضاعفات خطيرة محتملة، على غرار اعتلال شبكية العين ومضاعفات القدم السكري.

الكشف المبكر.. ركيزة أساسية لتفادي المضاعفات

كما تشير المعطيات الطبية إلى أن اكتشاف داء السكري في مراحله الأولى يسمح بالتحكم في المرض بشكل فعال، ويقلل بشكل كبير من خطر المضاعفات الخطيرة التي قد تؤثر على جودة حياة المريض.

وفي هذا الإطار، شدد الدكتور بلعور على أن الوعي الصحي يمثل الخط الدفاعي الأول ضد هذا المرض، مبرزاً أن العديد من الحالات التي تم اكتشافها خلال النشاط كانت في مرحلة يمكن التحكم فيها طبياً بسهولة.

ثقافة الوقاية.. نحو تغيير السلوك الصحي للمجتمع

كما تسعى مثل هذه المبادرات إلى إحداث تغيير تدريجي في السلوك الصحي للمواطن، من خلال الانتقال من منطق العلاج إلى منطق الوقاية، وهو ما يتطلب تراكما في التوعية الصحية المستمرة داخل المجتمع.

وتبرز أهمية إدماج الفضاءات الحضرية في العمل الصحي الوقائي، باعتبارها نقاط تقاطع يومية للمواطنين، ما يجعلها منصات فعالة لنشر الثقافة الصحية وتعزيز الفحص المبكر.

نحو نموذج صحي وقائي أكثر قربا من المواطن

كما تعكس مبادرة الهلال الأحمر الجزائري بمحطة مترو تافورة تحولا نوعيا في مقاربة العمل الصحي الوقائي، من خلال الانتقال إلى المواطن في فضاءاته اليومية، بدل انتظار قدومه إلى المؤسسات الصحية.

وفي ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالأمراض المزمنة، يبرز الكشف المبكر كخيار استراتيجي لا غنى عنه، فيما تظل مثل هذه الحملات التحسيسية رافعة أساسية لترسيخ ثقافة صحية جديدة قائمة على الوقاية والوعي والمسؤولية الفردية والجماعية.

ويُنتظر أن تتواصل هذه المبادرات في مختلف ولايات الوطن، بما يعزز من حضور العمل الصحي الميداني ويكرس مفهوم الصحة كأولوية مجتمعية شاملة.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي