حملة اعتقالات في تونس.. ملف التسفير للقتال في سوريا يعود إلى الواجهة

يطغى على الساحة التونسية مشهد الاعتقالات لعدد من الشخصيات المتهمة بالضلوع في شبكات تسفير لعديد الشباب التونسي للقتال في تونس.. ملف يعود إلى واجهة الأحداث على خلفية مجموعة من الاعتقالات شملت شخصيات سياسية وأمنية، مثل النائب السابق بالبرلمان التونسي عن حركة النهضة ورئيس جمعية الدعوة والإصلاح الحبيب اللوز، ووضعه على ذمة التحقيقات المتعلقة بشبهات التورّط في شبكات تسفير تونسيين إلى بؤر التوتر خارج البلاد التونسية.

وسبق أن أذنت النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب في تونس الإثنين 12 أيلول/سبتمبر 2022، لأعوان الوحدة المركزية لمكافحة الإرهاب والجرائم الماسّة بسلامة التراب الوطني، بالاحتفاظ برجل الأعمال والنائب السابق محمد فريخة، وذلك على ذمّة التحقيقات المتعلقة بشبهات التورّط في شبكات التسفير، وتم قرار الاحتفاظ بمحمد فريخة على خلفيّة امتلاكه سابقا شركة طيران.

كما أذنت النيابة العمومية بقطب مكافحة الإرهاب في تونس، بالتمديد في الاحتفاظ بالإطارين الأمنيين السابقين فتحي البلدي وعبد الكريم العبيدي.

ويعود ملف القضية إلى شكاية تقدمت بها منذ سنة 2021، النائبة السابقة بالبرلمان التونسي، فاطمة المسدي، حول شبكات التسفير.

حرب صهيونية أمريكية بالوكالة

يقول محسن النابتي، الناطق الرسمي باسم التيار الشعبي، لـ “الأيام نيوز”، لقد بدأ تسفير الشباب التونسي على نطاق واسع إلى بؤر التوتر، مباشرة بعد مؤتمر أصدقاء سوريا الذي كان مؤتمرا دوليا للعدوان على سوريا والمنطقة ككل، وعقد للأسف على أرض تونس،  ومؤتمر أصدقاء سوريا هو البداية وإشارة الانطلاق لاستعمال تونس منصّة لإطلاق أكبر مشروع إرهابي في التاريخ، يتم بمقتضاه خوض حرب بالوكالة عن الإمبريالية والحركة الصهيونية، حيث لا تدخل أمريكا والكيان الصهيوني الحرب مباشرة لتدمير الدول الوطنية وتقسيم المنطقة، وإنما تقرر استعمال الجماعات الدينية الإرهابية التكفيرية، والإخوان المسلمون كانوا القوة المركزية في هذه الجماعات، وبما أن تونس كانت تحت حكمهم بالكامل، فقد اشتغلت أجهزتهم بقوة على أرضها.”

ويؤكد النابتي، “إنه تم الاشتغال على المستوى التعبوي العقائدي، من خلال حملات التحريض والتكفير والاستيلاء على المساجد وتركيز الخيمات الدعوية، وتم إرساء جهاز كامل واجِهتُه جمعيات فتحت البلاد لشيوخ الإرهاب لغزو البلاد، فتلك الزيارات ومن موّلها وحضّر لها، كانوا جميعا في إطار التعبئة لدفع الشباب للقتال، والأموال التي صرفت في هذا المجال مهولة، وسياسيا تكفّلت النهضة وإعلامها وعملاؤها، بالاشتغال كجهاز سياسي لتغطية الجريمة والتسويق لها وتمكينها من كل أسباب القوة في تونس”.

ويعتبر النابتي، أن “الأخطر هو تكفّل الجهاز السري باختراق جهاز الدولة وتوريطه كجهاز في جريمة دولية يمكن أن تدفع تونس ثمنها باهظا، فالدول والشعوب التي تضرّرت لن تسكت في المستقبل، كذلك عمليات التجنيد احتاجت اختراق استخباراتي كبير، فغرف العمليات لدول العدوان على سوريا وليبيا والأمة العربية عموما، هي من كانت تشرف على إدارة الحرب فعليا، والإرهابيون ما هم سوى مرتزقة “.

وبالنسبة لمصادر التمويل يقول النابتي، لقد تمّت عبر تبييض الأموال، لأن عمليات التجنيد والتسفير احتاجت أموالا طائلة دخلت بطرق غير شرعية، وهو ما ساهم في فساد شامل في البلاد وتحويل بلادنا إلى وكر للجريمة المنظمة، لأن مثل هذه العمليات القذرة من اتجار بالبشر وتهريب وتبييض أموال لا تنفّذها فقط أجهزة الاستخبارات والجماعات الدينية، وإنما أكيد هناك تعاون مع كبار المجرمين الدوليين في التهريب وغسيل الأموال وتجارة البشر، فالتسفير هو تجارة بالبشر بشكل أو بآخر.”

ويختم النابتي بقوله لـ “الأيام نيوز “، ” إن ملف التسفير ملف أمن قومي ويجب على الدولة أن تتعامل معه بحزم ووضوح لتبرئة ساحتها وتطهير نفسها، وهذا يتطلب تعاونا دوليا وإقليميا مع الأشقاء والأصدقاء لكشف كل خيوط الجريمة، كما أن ملف التسفير هو مفتاح لبقية الملفات الإرهابية”.

التكتّم على ملف التسفير

تؤكد فاطمة المسدي، النائبة السابقة بمجلس نواب الشعب وعضو لجنة التحقيق البرلمانية في شبكات التسفير، لـ “الأيام نيوز”، “إنه لأول مرة يفتح فيها ملف التسفير للقتال في سوريا قضائيا، ولا أثر سابقا يؤكد أنه تم العودة إليه، رغم الحديث والجدل الذي أثير حوله والدعوات المتتالية للتحقيق فيه”.

وتقول المسدي، ” لقد تمّ فتح الملف عندما قدّمتُ شكاية في ديسمبر/كانون الأول 2021 للمحكمة العسكرية التونسية، وتمّت إحالته إلى قطب الإرهاب لوجود عديد الشخصيات السياسية المتورطة في شبكات التسفير إلى سوريا، كما استمع لي قطب الإرهاب في شهر فيفري/شباط 2022، لأكثر من 12 ساعة بخصوص حيثياّت الملف المتكوّن من أربعة فصول”.

وتعتبر المسدي، أن الفصل الأول من الملف، “يتعلّق بالجانب الدعوي الذي يرتبط بالتحضير للأرضية الفكرية والإيديولوجية من مساجد ومنابر إعلامية، وهو يضم العديد من المتورطين من أئمة وسياسيين وجمعيات، ونوعية الأشخاص الذين طالتهم الاعتقالات الأخيرة تؤكد ذلك”.

وتمّ في 14 من أيلول/سبتمبر الحالي، إيقاف النائب السابق والقيادي في حركة النهضة الحبيب اللوز، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في قضية التسفير، حيث قامت قوة أمنية تابعة لفرقة البحث في جرائم الإرهاب، بالتحول إلى منزل اللوز في مدينة صفاقس بالجنوب التونسي وقامت بإيقافه، وذلك على خلفيّة تصريحات سابقة للحبيب اللوز حول تسفير الشباب إلى سوريا.

وأسفرت التحقيقات الجارية في ملف التسفير، عن عديد الاعتقالات من بينها الاحتفاظ برجل الأعمال والعضو السابق بالبرلمان التونسي عن حركة النهضة وصاحب شركة “سيفاكس ارلاينز “، محمد فريخة، وذلك على ذمّة التحقيقات المتعلّقة بشبُهات التورّط في شبكات تسفير.

وعلى مستوى تأمين عمليات التسفير وكيفية إدخال الإرهابيين إلى سوريا، تقول المسدي لـ “الأيام نيوز”، ” إن الشكاية التي تقدّمتُ بها، تضمنت جانبا أمنيا يثبت تورّط عديد الأسماء في تأمين عمليات التسفير، من خلال عديد التقنيات لإرسال الشباب التونسي للقتال في سوريا، وإعادة البعض منهم إلى تونس للقيام بعمليات إرهابية، مثل العملية الإرهابية بمتحف باردو التاريخي في 18 من شهر آذار/مارس 2015، وذلك عبر منحهم جوازات سفر مُدلّسة”.

وتضيف المسدي، “إن الشكاية تضمّنت كذلك مصادر التمويل وضلوع بعض الشخصيات المنتمية للإسلام السياسي وبعض الجمعيات في تلقي تمويلات أجنبية لتمويل الإرهاب، أما الفصل الرابع فقد ارتبط بعمليات التسفير وعلاقتها بالاغتيالات السياسية”.

وتؤكد المسدي، “إنها بعد 25 يوليو/جويلية 2021 قدّمت شكايتها، لأنه تم رفع الغطاء السياسي عن القضاء التونسي بعد عزل القاضي البشير العكرمي المحسوب على حركة النهضة الإسلامية، والذي كان يتستّر عن عديد الملفات ذات العلاقة بقضايا الإرهاب”.

وعن أعداد التونسيين الذين تمّ تسفيرهم للقتال في سوريا تقول المسدي، “الأمر الغريب أثناء عملنا في اللجنة البرلمانية للتحقيق في شبكات التسفير، أن الأرقام التي تَرِدُنا في كل مرة حول أعداد التونسيين الذين تم تسفيرهم إلى سوريا للقتال مختلفة، فهناك جهات رسمية تقول إن أعدادهم 3 آلاف، بينما هناك من يُقدّر أن العدد أكثر بكثير من المصرّح به، وهذا يؤكد أن الدولة لم تكن قادرة على كشف الحقيقة للشعب التونسي”.

وتضيف المسدي، “الوثائق التي وردت إلينا في عملنا، صلب اللجنة المذكورة، تؤكد الارتباط الوثيق بين شركة “سيفاكس ايرلاينز” لمالكها رجل الأعمال، محمد فريخة، وعمليات التسفير، كما أن التحقيقات الجارية في الملف منذ 7 أشهر والاعتقالات الأخيرة لعدد من الأسماء السياسية البارزة، ستؤكد حقيقة استغلال بعض الدول لنفوذها، خلال العشر سنوات الفارطة في اختراق أمن الدولة”.

وتعتبر المسدي، أن “الوقت قد حان لإعادة العلاقات التونسية السورية، وهو مطلب كل التونسيين دون استثناء، كما أنه مهم لحماية الجالية التونسية في سوريا”.

توافق إقليمي تخريبي ضد سوريا

ويقول الدكتور رافع الطبيب، أستاذ محاضر في العلوم الجيوسياسية، لـ “الأيام نيوز”، “إنه بعد سنة 2011 كانت هناك فوضى على المستوى الدعائي في تونس، مما سمح للمجموعات الإرهابية والاستخباراتية أن تتحرّك بكل حرية، ولم يعد هناك معطى في التعامل اسمه أمن قومي، وبالتالي تم فتح المجال لأذرع الأجهزة الاستخباراتية التي تعمل ضد سوريا، والتي تقدّم نفسها على أنها صديقة لتونس، لعقد نوع من التوافق الإقليمي التخريبي يقود الحرب ضد سوريا، بأدوات متكوّنة من تمويل خليجي وسلاح غربي وتجنيد عناصر إرهابية من تونس بالأساس لأنها كانت دولة مخترقة، وقد تم تنفيذ هذا المخطط بنجاح، حيث قاموا بتسفير عديد الشباب التونسي للقتال في سوريا ولم يقتصر التسفير على الشباب، حيث شمل  كذلك العديد من الفتيات والنساء في إطار القيام بمهام أخرى كما يطلقون عليها، وكل هذا حصل بتسهيلات من بعض الحكومات السابقة”.

ويؤكد الطبيب، “إن هذا الملف لن يمر تحت الصمت لأن هناك مشكلا يتمثل في مسؤولية الدولة، وعلى تونس محاسبة الحزب أو الطرف السياسي المسئول على خلق شبكات التسفير، وإلا ستجد تونس نفسها مسئولة أمام الرأي العام الدولي، خاصة في ظل التقارب التركي السوري بدعم روسي مؤخرا، وقيام تركيا بتسليم عديد المعطيات الاستخباراتية إلى سوريا كنوع من تصفية الأجواء القديمة، وهنا بإمكان سوريا أن تُقدِّم قضايا دولية ضد من تورّط في تخريبها، وقد تربح هذه القضايا، وحينها قد تُصنّف دولتنا كدولة راعية للإرهاب”.

ويضيف الطبيب، “إذا كانت هناك إرادة حقيقية لكشف كل الحقائق حول عمليات التسفير للقتال في سوريا، على الدولة التونسية تحميل المسؤولية للأطراف المتورطة، وحتى العائلات التي تكتّمت على تورّط بعض أبنائها في هذا الملف لأسباب ربحية وأحيانا إيديولوجية يجب محاسبتها قضائيا”.

ويضيف الطبيب، لـ “الأيام نيوز”، “أصبح من الضروري إعادة فتح قنوات التواصل الدبلوماسية بين تونس والسلطات الشرعية السورية، لأنه يوجد لديها حقائق ومعطيات قد تساعد الدولة التونسية على الولوج إلى المحكومين هناك، لتقصي عديد الحقائق التي ستساعد في كشف الشبكات المتورطة في عمليات التسفير”.

ويقول الطبيب، “توجد دول غربية متورّطة في هذا الملف ولا تريد أن تكشف الدولة التونسية الحقيقة، وذلك في سياق التخلّص من المقاتلين الذين أرسلتهم هذه الدول في إطار عمليات استخباراتية كبرى، كما أن دولا غربية مثل أمريكا أعلنت صراحة أنها ستدفع في اتجاه إعادة الإرهابيين إلى دولهم الأصلية، مثل ما فعلت مع الإرهابيين في غوانتانامو، حيث أعادتهم إلى بلدانهم الفقيرة والضعيفة مثل روندا وغيرها من الدول الإفريقية الأخرى”.