الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

حوار مع “إرنست همنغواي”

Author
وحيد حمود 31 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

– ليست الكتابة بالأمر الصعب، كل ما عليك فعله هو أن تجلس أمام الآلة الكاتبة وتبدأ بالنزيف. قال.

– هل تقصد أنّها الشعور بالألم وكتابته؟ قلت.

– ربّما، لأنّنا لا نستطيع أن نكتب عن شيء ما لم نشعر به؛ الألم شيء محسوس لا يمكنك تخطّيه بسهولة إن لم تمتلك القدرة على تحويله إلى كلمات، والشعور بالحب أو بالسعادة أيضًا، فكّر معي، هل تستطيع أن تكتب كلماتٍ محسوسة من دون أن تكون قد عشت الحب بكامل تفاصيله؟

– هذا الأمر لا مفرّ منه، ولكن يا سيّد همنغواي أنت تتحدّث عن الكتابة وكأنّ كل الناس كتّاب، وأنا أفكّر في الذين لا يكتبون، الذين يمرّون بكلّ هذه المشاعر ولكنّهم غير قادرين أو مؤهّلين للكتابة عنها، أتفهم قصدي؟

أمسك من أمامه سيجارًا كوبيًّا، وضعه بين شفتيه وراح يشعله حتى اشتعل قليلًا، أخذ يمجّ السيجار وينفخ دخانه في الهواء ثمّ رفع سبّابته عاليًا وقال:

– انظر إلى هذا الدخان المتصاعد، هل كان دخانًا قبل ثانيتين؟

– كلا!

– ألم يكن شيئًا صلبًا متكدّسًا في لفافة التبغ هذه؟

– بلى!

– ما الذي حدث؟ سأخبرك، لا تستعجل ولا تجبني، الدخان المتصاعد هو ما كان صلبًا متجمّعًا في الداخل، ثمّ ما إن أشعلت هذه اللفافة الصلبة وأخذت بمجّها حتى تحوّلت إلى دخان.

– لم أفهم تمامًا ما ترمي إليه.

– الشعور في داخلنا صلبٌ ككتلةٍ متجمّعة في القلب، الحبّ مثلًا، الألم، الخيبة، وما إلى هنالك من مشاعر تكتظّ. ما إن قمنا بإضرام النار فيها حتّى تخرج فتتناثر أجزاؤها في الفضاء، والكتابة يا عزيزي هكذا، تقوم بإحراق مشاعرك الصلبة حتى تخرج فتختلط بالهواء في فضائك الذي من حولك. هل فهمت الآن؟

– نعم، ربّما، ولكنّك لم تُجبني عن سؤالي، أنت تكتفي بمن يستطيعون أن يعبّروا عمّا بداخلهم عبر الكتابة، ماذا عن الذين لا يستطيعون ذلك؟

– دعني أسألك قبل أن أجيب. هل تعرف نظريّة الجبل الجليدي؟

– أعرف أنّها ما تتّسم به كتاباتك سيّدي.

– أحسنت. وهل تعرف ما الذي ترمي إليه هذه النظرية؟

– كلا، إلى حد الآن.

– إنها ببساطة أن تكتب ما يكفي، من دون أن تفسّر، ومن دون أن تغوص لكي تُخبر القارئ كلّ شيء، دعه يكتشف، فما يبدو على السطح اكتبه ولكن اترك العمق ليُكتَشف، كما حدث مع سفينة التايتانيك في 14 نيسان/ أفريل من عام 1912، اصطدمت بكتلة جليدية صغيرة على السطح، ولكنّ هذه الكتلة كانت تخفي جبلًا جليديًّا عظيمًا في الأعماق أدّى إلى تحطيم هذه السفينة العظيمة. هل اتضحت الفكرة الآن؟

– اتّضحت نعم. والآن هل ستجيب عن سؤالي أم أتركه معلّقًا؟

– علينا أن نعود في البدء إلى النزيف الذي يحدث حتى تكتب، هو نفسه المتشكّل من الألم، والألم هو أن تصرخ موجوعًا جرّاء أمرٍ ما عبر كلمتين “إي” أو “آي”. وأنا أرى أنّه مع الوقت ستجد كتّابًا لم تسمع بهم من قبل، بل سترى الكتابة تصبح فعل خيانة إذ سيتجرّأ عليها الجميع وربّما سيبتكرون نظريّةً جديدة من هاتين الكلمتين.

– إِيْ – آيْ.

– نعم لمَ لا؟ هل هذا أمرٌ صعب؟

– في ظلّ ما نشهده من تطوّر بعيد عن الأخلاق، ربّما تصبح الكتابة ضربًا من الخيانة أيضا.

– وهل تعلم ما المطلوب منك يا عزيزي؟

– أخبرني.

– المطلوب منك أن تجلس على آلة كاتبة، وتعتزل كلّ ما يمكنه أن يعلّبك أو يجعلك آلة، وأن تبقى إنسانًا، يحسّ، يشعر، يحبّ، يكره، يحقد، يشتاق، يبغِض، ويكتب ما تمليه عليه هذه المشاعر التي تخرج من داخله. أن تنفخ الدخان من الداخل إلى الخارج، لا العكس. هل وصلت الفكرة؟

– نعم وصلت.