الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

حيث ينهزم الأعداء قبل المعركة.. هنا بنت جبيل

Author
الأيام نيوز 30 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في بنت جبيل، حيث يتسع التاريخ بمقدار ما تضيق الجغرافيا، تتحوّل البلدة الصغيرة – في جنوب لبنان – إلى مساحة تختزن دلالات تتجاوز حدودها الميدانية. هناك يتجلى الاسم مشحونا بأثر المسمى، محمّلا بصدى حدث مفصلي أنهك الوعي الصهيوني، بعبارة انطلقت عام 2000: “أوهن من بيت العنكبوت”، لتصبح لاحقا رصاصة رمزية تخترق عقول جحافل الإجرام، وهُم يحاولون التقدم نحو “بنت جبيل” التي مثّلت رمز لصمود لجنوب لبنان ورمز الهزيمة لـ”إسرائيل”.

ومع تكثيف الهجمات الصهيونية في محيط المدينة منذ منتصف أفريل، في ظل حصار وضربات متواصلة ومعارك كرّ وفرّ مع عناصر “حزب الله”، تعود بنت جبيل إلى واجهة الحدث بوصفها مساحة اختبار مركّبة، تتقاطع فيها الجغرافيا المحدودة مع ثقل رمزي واسع، بما يجعل كل تطور ميداني فيها يتجاوز طابعه الاشتباكي المحلي.

وتعزّز المعطيات الميدانية هذا البعد، من ضيق المساحة الجغرافية التي لا تتجاوز 9 كيلومترات، إلى حجم الدمار المتراكم بفعل سياسة الضغط العسكري، ما يطرح أسئلة تتجاوز الطابع العملياتي المباشر: لماذا يتركّز الثقل العسكري الصهيوني على هذه البقعة تحديدا؟ وكيف تحوّلت إلى عقدة تجمع بين الحسابات الميدانية والهواجس الرمزية؟ وهل يتعلق الأمر بمحاولة تفكيك إرث معنوي ترسّخ منذ أكثر من ربع قرن، أم بإعادة اختبار معادلة استنزاف لا تزال مفتوحة؟

بنت جبيل تصنع معادلة “بيت العنكبوت”

انطلقت عبارة “أوهن من بيت العنكبوت” من بنت جبيل عام 2000 في خطاب للأمين العام الأسبق لحزب الله حسن نصر الله، عقب انسحاب “الجيش” الصهيوني من جنوب لبنان، حيث استُخدمت للإشارة إلى هشاشة صورة الردع الصهيوني رغم التفوق العسكري، قبل أن تتحول لاحقا في الوعي الصهيوني إلى مرجعية صادمة يُعاد استدعاؤها في كل مواجهة داخل المدينة، باعتبارها لحظة كسر رمزي لهيبة تراكمت لعقود.

وقد أعلن “الجيش” الصهيوني خلال الحرب الحالية استهداف ملعب المدينة الذي أُلقي منه خطاب التحرير قبل 26 عاما، كما تباهى مسؤولون صهاينة، من بينهم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، باستهدافه. وتقع المدينة عند تقاطع طرق حيوي، إذ تشكل نقطة وصل بين طريق تبنين–بنت جبيل الذي يربط القطاع الغربي للحدود بالقطاع الأوسط، وبين طريق (عيناتا–مارون الراس–بنت جبيل) الذي يربط القرى الجبلية ببلدات رميش وعيتا الشعب، في محاولة من قوات الاحتلال لإيجاد منافذ للتحرك عبر عدة محاور وتأمين ممرات ربط بين وحداته الميدانية.

وتكشف المعطيات الميدانية عن تدمير كامل لملعب بنت جبيل، غير أن المدينة، رغم ما لحق بها من أضرار واسعة، لا تزال خارج نطاق الحسم العسكري السريع. إذ تبدو المواجهة الجارية حولها أوسع من مساحتها الجغرافية، باعتبارها محاولة إسرائيلية لإعادة بناء صورة الردع التي تكسرت منذ أكثر من ربع قرن في الموقع ذاته.

العميد المتقاعد في “الجيش” اللبناني منير شحادة

في هذا السياق، يوضح العميد المتقاعد في “الجيش” اللبناني منير شحادة لـ”الأيام نيوز” أن العبارة لم تُطرح كتوصيف عسكري تقليدي، بل كقراءة لبنية الكيان من الداخل، الذي يجمع بين قوة نارية عالية ومكامن هشاشة نفسية داخل مجتمعه وجنوده. ومع مرور الوقت، ترسخت ضمن معادلة ردع غير مكتوبة تقوم على أن الحسم لا يتوقف على السلاح وحده، بل على القدرة على تحمّل الخسائر وإدارة الاستنزاف، وهو ما برز بوضوح في حرب لبنان 2006.

وحول مدينة بنت جبيل، يوضح شحادة أنها تتجاوز صفتها كبلدة حدودية لتأخذ طابعا جغرافيا قتاليا خاصا، بفعل موقعها القريب من الحدود وتضاريسها المعقدة التي تجمع بين التلال والأحياء المتداخلة، إضافة إلى بيئة حاضنة للمقاومة. هذه الخصائص تجعلها ساحة ملائمة لحرب الكمائن والاشتباك القريب، حيث يتراجع أثر التفوق التكنولوجي أمام طبيعة الأرض، وتتحول إلى مساحة استنزاف تفرض شروطها على الخصم.

ويضيف أن “عقدة بنت جبيل” داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية يتوزع على مستويين: عسكري يرتبط بالعجز عن حسم مواجهة محدودة رغم التفوق، ورمزي يتعلق بتآكل صورة “الجيش” الذي لا يُقهر. لذلك فإن إعادة طرح اسمها في كل تصعيد يعكس محاولة لاستعادة التوازن المعنوي، مع احتمال إعادة إنتاج التجربة نفسها.

ويشير إلى أن تطورات محيط بنت جبيل تعكس استمرار تعثر “إسرائيل” في تجاوز نتائج 2006، رغم التقدم التكنولوجي في مجالات الطائرات المسيّرة والاستخبارات، إذ لا يزال التحدي مرتبطا بإدارة حرب برية داخل بيئة معادية دون الانزلاق إلى استنزاف طويل. ويرى أن ارتفاع الخسائر في جبهة ضيقة يكشف قدرة المقاومة على تحويل الجغرافيا المحدودة إلى عامل ضغط، ويعيد تثبيت معادلة مفادها أن التفوق التقني لا يلغي كلفة الاشتباك البري، بل يضع حدودا له.

تبعد بنت جبيل نحو 3 كيلومترات فقط عن “الخط الأزرق”، ما يجعلها مطلة مباشرة على الحدود ومستوطنات الجليل الأعلى. كما أن ارتفاعها يمنح قوات الاحتلال قدرة على الإشراف الناري على المناطق المحيطة، بما يتيح مراقبة واستهداف أي تحرك في نطاق واسع.

وتمنح السيطرة على طرق المدينة “جيش” الاحتلال القدرة على قطع الإمدادات القادمة من المدن والبلدات المجاورة أو المتجهة غربا نحو مدينة صور. كما تشكل التلال والوديان المحيطة ببنت جبيل ميزة دفاعية طبيعية، وكانت تُستخدم تاريخيا كمناطق دعم وإسناد لوجستي وتخزين.

وتقع المدينة في منتصف ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” الصهيوني الجديد، ما يجعل السيطرة عليها مدخلا لفرض شريط أمني عازل يهدف إلى تقييد الحركة ومنع العودة المستقبلية للسكان. وبعد أسابيع من الغارات والحصار والتوغل، تكشف معطيات الميدان أن قطعان “جيش” الاحتلال صبّت تركيزه الناري على مدينة بنت جبيل، متعاملا معها وفق سياسة الأرض المحروقة.

تحولات المعنى من خطاب الانسحاب إلى معادلات الردع

وفي ما يتعلق ببنت جبيل، يوضح أنها مركز قضاء في محافظة النبطية، وتكتسب أهمية جيوسياسية بسبب موقعها الحدودي وتضاريسها الجبلية وارتباطها التاريخي بمنطقة جبل عامل. هذه العوامل أسهمت في تشكيل بيئة قادرة على الصمود في المواجهات. ويضيف أن المدينة تحولت إلى رمز في الذاكرة السياسية، خاصة مع ارتباطها بخطاب عام 2000، ما جعلها حاضرة في أي مواجهة لاحقة باعتبارها موقعا يحمل دلالات معنوية تتجاوز بعدها الجغرافي.

الدكتور في العلاقات الدولية جمال واكيم

ومن جانبه، يوضح الدكتور في العلاقات الدولية جمال واكيم أن العبارة صدرت في سياق توصيف سياسي بعد انسحاب “إسرائيل” من جنوب لبنان، حيث استُخدمت كأداة تعبير رمزي عن تراجع صورة القوة المطلقة. ويرى أنها وظفت لاحقا في الخطاب السياسي والإعلامي ضمن سياقات تعبئة نفسية.

ويشدد واكيم – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – على ضرورة الفصل بين الاستخدام الرمزي والقراءة العسكرية، لأن العبارات السياسية لا تعكس وحدها ميزان القوة الفعلي أو نتائج الحروب اللاحقة، التي تبقى محل خلاف في الروايات والمعطيات. ويؤكد أن العبارة بقيت جزءا من خطاب سياسي نشأ في سياق محدد، ثم أعيد توظيفه في مراحل مختلفة، ما يستدعي فهمه ضمن ظروفه الزمنية.

خبير القانون الدولي ميخائيل ماهر

أما خبير القانون الدولي ميخائيل ماهر فيرى أن عبارة “أوهن من بيت العنكبوت” تحولت منذ إطلاقها إلى عنصر مؤثر في تحليل الصراع في جنوب لبنان. ويشير إلى أنها قدمت صورة عن “إسرائيل” بوصفها كيانا يمتلك قوة خارجية مقابل هشاشة داخلية.

ويلفت إلى أن بنت جبيل انتقلت من كونها موقع إطلاق الخطاب إلى ساحة ميدانية في حرب 2006، حيث أظهرت المعارك حدود التفوق التكنولوجي أمام طبيعة الأرض وحرب الاستنزاف. ويضيف أنه مع عودة العمليات في محيط بنت جبيل عام 2026، يطرح مجددا سؤال استمرار أثر تلك المعادلة، في ظل تطور أدوات الحرب.

ويؤكد أن المدينة تمثل معضلة عسكرية وجغرافية في آن واحد، وأن بعدها الرمزي يجعل أي مواجهة فيها تحمل أبعادا تتجاوز البعد الميداني. ويختم بأن بنت جبيل ارتبطت بفكرة الاستنزاف وإعادة اختبار الإرادة، أكثر من ارتباطها بحسم عسكري مباشر، ما يجعلها حاضرة في كل جولة تصعيد.

وفي سياق ميداني، أظهرت صور أقمار صناعية حديثة تحولات جذرية في المشهد العمراني للمدينة، حيث تلاشت أحياء كاملة خلال أسابيع قليلة، وتحولت مساحات كانت مأهولة إلى فراغات مفتوحة نتيجة القصف المكثف والعمليات العسكرية في واحدة من أكثر جبهات الجنوب اللبناني عنفا.

وتوثق الصور اختفاء منشآت ومبان كانت قائمة حتى 20 فيفري الماضي، إذ تعرضت عشرات المواقع الحيوية لأضرار تراوحت بين المحو التام والدمار الجزئي الشديد. ومن أبرز المعالم التي طالها التدمير: مدرسة عبد اللطيف سعد، مجمع أهل البيت، مسجد الإمام الحسين، المكتب الحكومي لقضاء بنت جبيل، وسوق الخميس التاريخي، إضافة إلى المناطق المحيطة بالمقبرة والطريق الدائري للمدينة.