حين انبعث طائر الفينيق من أرض الجزائر

تروي الأساطير القديمة أن طائرا خرافيا بحجم صقر عظيم ذا لون ذهبي ناري، وعلى رأسه طرّة من ريش مذهب كأنها تاج ملكي رفيع، يجر ذيلا طويلا من الريش الملون بالأحمر والأصفر والبرتقالي البديع.. كان قد عاش في الجنّة لألف عام، اكتسب خلالها معجزات السماء ومَلَكَاِتها من حكمة علوية وكرامات سماوية.. وحدث أن أصابه ملل الوحدة وغشيه فضول المعرفة، فقرر النزول إلى الأرض، لكي يشارك أهل العالم السفلي حياتهم التي يجهل عنها الكثير؛ يشاركهم الآلام والآمال، الأقراح والأفراح، الموت والفناء.. بعدما كان قد تذوق متعة الخلود في جنة السماء.

تقول الرواية؛ أنه شقَّ طريقه محلقا من الجنة إلى الأرض، بسرعة رهيبة يملأها الشوق ويغمرها الحنين.. حتى استوقفتْه رائحة اللبان والبخور الصنوبري، المنبعثة من جبال الأطلس التلي الجزائري.. فنزل وحط على قمة الخيزرانة الأزلية الوارفة، فبنى عشَّه من العنبر واللبان.. بات ليلته الأولى في عشه الأرضي، وفي صباح اليوم الموالي، أطلق العنان لحنجرته الذهبية وراح ينشد الأغاني السماوية، بصوت شجي ملائكي ساحر..

سرى صوت الطائر السحري عبر نسمات الصبح الساكنة الندية، حتى بلغ مسامع حارس الشمس الذي كان يتأهب لفتح بوابة الشرق لتشرق الشمس وتنير أرض ربها.. نزل الحارس من علِ على متن عربته التي تجرُّها أربعة أحصنة نارية، حتى وقف عند عش الطائر الخرافي، فطلب منه الطائر أن يأخذه في جولة يريه من خلالها آلام الناس وعذابهم.. وفعلا، كان له ذلك، فحمله بعشه وجعله يشاهد بأم عينيه ما يتعرض له المستضعفون في الأرض من ألم وعذاب.. وعند ذلك فقد رباطة جأشه فعلى صراخه من الغضب والألم لما اعتراه من الحسرة والأسى، وراح يضرب بجناحيه داخل العش، فاشتعل العنبر وصار يطلق أشعة وأنوارا في السماء.. أجفلت الأحصنة، وضربت بحوافرها بقوة، فطارت شرارات نارية إلى العش، فأحرقت الطائر داخل عشه، لم يحاول الهرب ولا مغادرة العش حتى احترق باختياره، ليشارك المعذبين في الأرض آلامهم وعذابهم.. احترق حتى صار رمادا.. لكن، لم تكن هذه نهاية الطائر الأسطورة، وإنما هنا مكمن البداية؛ فقد هبت الريح على العش وحملت الرماد وحلقت به.. إلا بيضة صغيرة لم تتطاير مع حبيبات الرماد، تخلفت في العش وصارت مع مطلع كل يوم تزداد حجما وتكبر.. إلى أن خرج منها جناحان فرجلان فرأس فذيل.. إنه الطائر، هو نفسه يعود حيا كما كان قبلا.. استوى قائما وحرك جناحيه ثم حمل عشَّه وطار به إلى المشرق إلى مدينة الشمس؛ بعل-بك أي بعلبك في أرض كنعان ومنشأ الفينيقيين الأوائل، وهناك تسمى الطائر بـ”طائر الفينيق الأسطوري”.. ثم طار من جديد وعاد إلى أرض الجزائر.. وصار مع كل موت يبعث من رماده حيا، وهكذا، إلى أن أورث شعب الجزائر هذه المعجزة الخارقة.. معجزة البعث من تحت الرماد.

كطائر “الفينيق” إذا، انبعث الشعب الجزائري وبعث نضاله من جديد، كجذوة جمر لا تزيدها ريح الظلم والغطرسة إلا توهجا وهياجا.. لقد حاولت فرنسا من خلال مجازر الثامن ماي، أن تسحق الوعي وتمحق الحس الوطني المتنامي لدى أغلبية نشطاء الحركة الوطنية، وبالخصوص مناضلي حزب الشعب الجزائري الذي تم حله، ذلك الوعي الذي انتشر بعيدا عن أعين الفرنسيس، وبصورة واسعة لدى الجماهير التواقة للحرية والاستقلال.. حتى أصبح فعلا يشكل خطورة داهمة لخرافة الجزائرية فرنسية.

وأمام صدمة العالم جراء المجازر الوحشية وغير الإنسانية، حاولت السلطات الاستعمارية تهدئة الوضع ومساومة الشعب الجزائري مرة أخرى لامتصاص غضب، وذلك باستصدار قانون العفو العام من قبل الجمعية التأسيسية الفرنسية، وتكليف الحاكم العام تطبيقه في الميدان، بداية بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، مع السماح لهم بمزاولة النشاط السياسي من جديد. كذلك، يمنح ذات القانون الجزائريين حق التمثيل في البرلمان الفرنسي بنفص الفرص الممنوحة للفرنسيين.. ولو أن هذا القانون لم يقدم حلا شاملا للقضية الجزائرية، إلا أنه فتح نافذة صغيرة، من حيث لا يحب الاستعمار، سمحت للطبقة السياسية الوطنية باستنشاق جرعة أكسيجين أعادت لها الحياة بكل ثقة وعنفوان، وذاك الذي ترجمته الساحة النضالية من خلال إعادة تأسيس أحزاب وتشكيلات سياسية جديدة ومتجددة؛

أولها كان الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، والذي أسسه “فرحات عباس” ورفاقه النواب الذين كانوا نشطاء في حركة أحباب البيان والحرية، والذين بقي العديد منهم خارج السجون، إلا أنه لم يتلق نفس الاقبال الشعبي كما كان الشأن بالنسبة لأحباب البيان والحرية رغم أن برنامجه لم يكن مختلفا كثيرا، وكان هذا الحزب مختلطا حيث ضم في لجنته المركزية فرنسيا، إضافة إلى بعض الأوربيين والتجار الكبار، وعدد من الشبان المثقفين.. رغم ذلك شارك الحزب في انتخابات الجمعية التأسيسية الفرنسية الثانية؛ يوم 02جوان 1946م، وحقق فيها نجاحا باهرا حيث حصل على 11 مقعدا من أصل 13 مقعدا مخصصة للجزائريين.

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: عاودت نشاطها بعد الحرب برئاسة الشيخ البشير الإبراهيمي، وقد حافظت على مطالبها انطلاقا من اجتماعها في جويلية 1946، والذي حددت من خلاله أهدافها في:

  • رفض الإدماج.
  • اللغة العربية هي اللغة الرسمية
  • حرية الدين الإسلامي
  • اعادة فتح المدارس الإسلامية التي اغلقت بعد ماي 1945م.

حركة الانتصار من أجل الحريات الديمقراطية: تأسست العام 1946 من طرف الزعيم “مصالي الحاج” بعد عودته من المنفى. أعلنت فرنسا اجراء انتخابات محلية، فقبل المشاركة فيها، إلا أن بعض المناضلين في الحركة كانوا قد دعوا إلى الكفاح المسلح والعمل الثوري، وهنا ظهر جناحان؛ جناح مؤيد لقرار “مصالي الحاج” والذي اعتبر أن الانتخابات وسيلة من وسائل المقاومة السياسية.. وجناح معارض مثله سي “حسين لحول” وأنصاره، والذين كانوا يرون أن ما يدعو اليه “مصالي الحاج” يؤدي إلى قبول السياسة الاصلاحية الفرنسية.. وهنا بدأ يظهر الخلاف بين عناصر الحركة، فكان لا بد من عقد مؤتمر لمناقشة قضايا هامة وحاسمة.

انعقد المؤتمر العاشر للحركة يومي 15 و16 فيفري 1947م، في سرية تامة، وفي هذا المؤتمر تقرر تأسيس المنظمة الخاصة، وهي منظمة شبه عسكرية، يتمثل دورها في اقتناء السلاح وتدريب الأفراد الذين سيخوضون معركة التحرير في المستقبل.

ورغم معارضة مصالي الحاج للقيام بعمل عسكري في ذلك الوقت، إلا أنه رضخ لقرار الأغلبية ورغبتها، إلا أن المطالب لم تتغير:

  • الدفاع عن مصالح مسلمي شمال افريقيا المادية والاجتماعية.
  • تكوين وترقية مناضلي الحزب.
  • المطالبة باستقلال الشمال افريقي كله.
  • الجلاء التام للجيش الفرنسي عن الجزائر.
  • الدعوة لتكوين جيش وطني.
  • الغاء النظام الاستعماري واقامة سيادة وطنية.
  • اجراء انتخابات عامة دون اي تمييز بين الكولون والجزائريين.
  • اقامة جمهورية جزائرية مستقلة ديموقراطية اجتماعية، تتمتع بكامل الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتدعم العلاقات بالمجموعة العربية الاسلامية.

كما حدد الحزب مجموعة من المبادئ الأساسية الثابتة التي لا تتغير، تمثلت في:

  • الجزائر أمة.
  • تطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها على الجزائر.
  • انتخاب مجلس وطني ذو سيادة من قبل جميع الجزائريين بالاقتراع العام المباشر.
  • تأسيس دولة جمهورية ديموقراطية اجتماعية.

عادت الروح إلى الحركة الوطنية، وعاد معها النشاط إلى سابق عهده، رغم حالة اليأس والحزن التي ظلت تخيم على الأوجه منذ المجازر الدموية وكم الضحايا وبشاعة القتل والانتقام.. عاد هذه المرة مسلحا برصيد كبير من التجارب والمخاضات والمعارك، وبأكثر جرأة وشجاعة وانطلاق، على اعتبار أن الأسوأ قد وقع فلا يمكن توقع الأسوأ منه.

وعلى هذا الأساس، تميزت هذه المحطة بانطواء دعاة الادماج والمساواة والفرنسة وو.. فالأمر قد فُصل فيه من قبل السلطة الاستعمارية، وذلك من خلال المجازر المرتكبة وحجم المأساة التي قامت بها بحق الجزائريين، بما فيهم الأكثر تعاونا وقبولا للأطروحات الفرنسية. كما عرفت المرحلة تأسيس “المنظمة الخاصة”، والتي ستتحول إلى منظمة سرية بعدها، كجناح شبه عسكري لحركة الانتصار من اجل الحرية والديمقراطية.. المنظمة التي تعتبر النواة الأساسية لتفجير ثورة نوفمبر العظمى، تحت لواء جبهة التحرير الوطني فيما بعد.. ومن هنا بدأ العد العكسي لنهاية ليل الإستعمار.