الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

حين تتحول الراية إلى دبابة.. تفكيك المعنى العميق لـ”مسيرة الأعلام” الصهيونية

Author
رائد ناجي 15 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

ليست “مسيرة الأعلام” حدثا احتفاليا عابرا كما تحاول آلة الدعاية الصهيونية أن تسوقه للعالم، وليست مجرد تظاهرة قومية يرفع فيها المستوطنون راياتهم في شوارع مدينة محتلة؛ بل هي ـ في جوهرها العميق ـ عملية إعادة إنتاج رمزية للعنف، واستعراض مكثف لفكرة السيادة القسرية، ومحاولة دائمة لترميم الشرعية النفسية لكيان يدرك في أعماقه أنه يعيش أزمة وجود لا أزمة حدود.

إن الكيان الصهيوني لا ينظم هذه المسيرة لأنه واثق من نفسه، بل لأنه خائف من التاريخ. والخائف من التاريخ يلجأ دائما إلى الضجيج البصري، وإلى استعراض الرموز، وإلى صناعة مشاهد جماعية تحاول أن تقنع الذات المرتبكة بأنها ما تزال قادرة على فرض المعنى بالقوة.

ولهذا؛ فإن “مسيرة الأعلام” ليست مسيرة رايات، بل مسيرة رواية. الرواية هنا أخطر من الرصاصة؛ لأنها تحاول احتلال الوعي قبل احتلال الأرض. فالاحتلال العسكري يستطيع أن يهدم بيتا، لكنه لا يستطيع وحده أن يقنع أصحاب البيت بأنهم غرباء عنه. ومن هنا يبدأ الدور الوظيفي للرمز الصهيوني؛ إذ تتحول الراية إلى أداة هندسة نفسية، ويتحول الشارع المقدسي إلى مسرح لإعادة تمثيل السيطرة، ويتحول المستوطن إلى ممثل عقائدي يؤدي طقسا سياسيا ذا أبعاد توراتية وأمنية ونفسية في آن واحد.

إن المسيرة، في بعدها العقائدي، ليست منفصلة عن فكرة “استعادة الهيكل” في المخيال الصهيوني الديني؛ فالكثير من الجماعات المشاركة لا ترى القدس مدينة سياسية فقط، بل تعتبرها مركزا ميتافيزيقيا لفكرة الخلاص اليهودي. ولذلك يصبح اقتحام القدس القديمة، والهتاف داخل أحيائها العربية، والمرور الاستفزازي قرب المسجد الأقصى، نوعا من إعادة ترسيم “الهوية اليهودية للمدينة” بالقوة الرمزية.

لكن المثير هنا أن هذا السلوك يكشف عن قلق عميق لا عن ثقة. فالهوية المستقرة لا تحتاج كل عام إلى استعراض عضلاتها داخل مدينة محاصرة بالحواجز والسلاح والكراهية. والدول الواثقة من شرعيتها لا تضطر إلى تحويل الأعلام إلى أدوات اقتحام نفسي.

إن “مسيرة الأعلام” في حقيقتها تشبه كثيرا الطقوس الإمبراطورية القديمة؛ حين كانت الجيوش الرومانية تدخل المدن المحتلة وهي ترفع راياتها لتعلن أن القوة أصبحت قانونا، وأن المهزوم يجب أن يتعلم العيش داخل سردية المنتصر. غير أن الفارق الجوهري هنا أن الفلسطيني ـ رغم كل شيء ـ لم يتحول إلى مهزوم ثقافيا، وهذا ما يفسر الهوس الصهيوني المتكرر بإعادة إنتاج مشهد السيطرة.

فالاحتلال حين يفشل في كسر الوعي، يبدأ بتكرار المشهد. ومن هنا نفهم لماذا تتحول المسيرة كل عام إلى حالة هستيرية داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية؛ آلاف الجنود، وإغلاق للقدس، واستنفار شامل، ورعب من أي اشتباك رمزي أو ميداني. لأن الكيان يعلم أن المشكلة ليست في رفع العلم، بل في السؤال الذي يطارده منذ عقود: لماذا لا يعترف الفلسطيني بانتصارنا النهائي؟ ذلك أن الصراع في فلسطين لم يعد صراعا على الجغرافيا فقط، بل على المعنى. والمعنى أخطر من الخرائط.

إن الفلسطيني الذي ما يزال يربط وجوده بالقدس، ويورث أبناءه أسماء القرى المدمرة، ويحمل ذاكرته كهوية مقاومة؛ يمثل تهديدا وجوديا للرواية الصهيونية مهما امتلك الاحتلال من تفوق عسكري. ولذلك تأتي “مسيرة الأعلام” كمحاولة سنوية لفرض معنى بديل: القدس لنا، والشارع لنا، والرواية لنا، والمستقبل لنا.

لكن المفارقة العميقة أن كثافة الرموز غالبا ما تكشف هشاشة البنية النفسية التي تقف خلفها. فالكيانات المستقرة لا تصرخ كثيرا. أما الكيانات القلقة؛ فإنها ترفع صوتها كلما ارتفع منسوب الخوف الداخلي.

ولهذا تبدو “مسيرة الأعلام” ـ من زاوية التحليل النفسي السياسي ـ محاولة جماعية لإخفاء الشك الوجودي داخل الوعي “الإسرائيلي”. فالمجتمع الصهيوني يعيش انقسامات حادة: دينية، وعلمانية، وعرقية، وأيديولوجية، بل وحتى أخلاقية بعد التحولات الكبرى في صورة إسرائيل عالميا. ومن هنا تصبح الراية وسيلة توحيد مؤقتة، ويصبح الفلسطيني “العدو الضروري” لإعادة إنتاج التماسك الداخلي.

إن كثيرا من الإمبراطوريات عبر التاريخ احتاجت إلى “عدو رمزي” حتى تستمر. والكيان الصهيوني ليس استثناء، بل إن جزءا كبيرا من بنيته النفسية قائم على استدامة التهديد، لأن انتهاء التهديد يعني بداية الأسئلة الداخلية: من نحن؟ ولماذا جئنا؟ وما الذي يوحد هذا الخليط البشري القادم من عشرات الثقافات والأعراق؟

ومن هنا نفهم أيضا لماذا تتحول القدس دائما إلى مركز اشتعال. فالقدس ليست مجرد مدينة؛ إنها امتحان سرديات. وفي كل مرة تمر فيها “مسيرة الأعلام” داخل القدس العربية، فإنها تحاول أن تقول: نحن أصحاب السيادة الرمزية هنا.

غير أن الرد الفلسطيني ـ حتى بصموده الصامت أحيانا ـ يحمل رسالة مضادة أكثر عمقا: يمكنكم احتلال الحجر، لكنكم لن تحتلوا المعنى. وهذا ما يجعل الصراع مفتوحا إلى ما هو أبعد من السياسة. إنه صراع بين ذاكرة تريد البقاء، وقوة تريد فرض النسيان. وبين شعب يرى القدس جزءا من عقيدته ووجدانه وتاريخه، ومشروع استيطاني يحاول تحويل المدينة إلى شعار أيديولوجي مسلح.

ولعل أخطر ما في “مسيرة الأعلام” ليس ما يظهر فيها من تطرف وعنصرية وهتافات كراهية فقط، بل ما تكشفه من تحولات داخل المجتمع “الإسرائيلي” نفسه؛ إذ لم تعد الظواهر المتطرفة هامشا سياسيا، بل أصبحت جزءا من المركز، وصار الخطاب الديني القومي أكثر حضورا من أي وقت مضى، حتى بات كثير من الساسة الإسرائيليين يتعاملون مع الاستفزاز باعتباره أداة حكم لا مجرد انفعال جماهيري.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، حين تتحول الدولة من إدارة الصراع إلى الاستثمار فيه. وحين تصبح الاستفزازات جزءا من هندسة المشهد السياسي الداخلي. فإن المنطقة كلها تدخل مرحلة أكثر توترا، لأن الرموز حين تفشل في إنتاج الشرعية، تبدأ بالبحث عن الدم كي تحتمي به.

وفي النهاية؛ تبقى “مسيرة الأعلام” مشهدا مكثفا لفكرة الاحتلال وهو يحاول أن يبدو أبديا. لكن التاريخ يعلمنا أن كل قوة استعمارية رفعت راياتها فوق المدن المحتلة كانت تعتقد أن الزمن يعمل لصالحها، ثم اكتشفت متأخرة أن الشعوب قد تخسر المعارك أحيانا، لكنها حين تحافظ على روايتها؛ فإنها تؤجل الهزيمة حتى تتحول إلى انتصار مؤجل. فالرايات قد تملأ السماء يوما، لكن الذاكرة أعمق من القماش، وأبقى من الضجيج، وأقوى من كل المسيرات.

Author رائد ناجي
أكاديمي ومحلل سياسي فلسطيني