الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

حين تتلاحم قصة فردية مع مشروع وطني.. هؤلاء أبطال الذكاء الصناعي في الجزائر

Author
الأيام نيوز 01 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

على بعد أكثر من 1700 كيلومتر من مسقط رأسيهما في تندوف، التقى الشقيقان خلود وأيمن بوغنامة، يوم الاثنين 29 جوان، في مدرّج المدرسة الوطنية العليا للصحافة بالعاصمة، لإعلان ميلاد مشروع مبتكر يحمل اسم “STUSTEP”، وهو مشروع ناقشته خلود لنيل شهادة الماستر في الصحافة الرقمية يقوم على صيغة تجمع بين الإعلام وصناعة المحتوى من جهة، والبرمجة والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليقدّم الشقيقان حلا رقميا يربط في مرحلته الأولى، متخرجي المدارس العليا ثم جميع الطلبة التابعين لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالشركات الاقتصادية، غير أن هذه القصة، رغم رمزيتها، لا تستنفد ملامح المشهد الجامعي الجديد، حيث تتجاور مبادرات الأفراد مع مسارات مؤسسية أوسع أعادت رسم علاقة الجامعة بالتكنولوجيا والاقتصاد، انطلاقا من تحول بدأ عام 2021، مع إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي والمدرسة الوطنية العليا للرياضيات، في سياق استراتيجي استهدف إعداد كفاءات في تخصصات ترتبط باقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، وهي الرؤية التي برزت نتائجها في حفل تخرج آخر، جرت فعالياته بالقطب العلمي والتكنولوجي بسيدي عبد الله بالجزائر العاصمة.

تكشف كواليس مشروع “STUSTEP”، عن توزيع واضح للأدوار بين الشقيقين. فقد أوضح أيمن بوغنامة، مطوّر التطبيق والمنصة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أنه انضم إلى المشروع منذ أن عرضت عليه شقيقته الفكرة، بعدما رأى فيها “مشروعا قابلا للتجسيد يجمع بين الابتكار والاحتياج الفعلي للسوق”. وانطلاقا من هذا التصور، تولى تطوير الجانب التقني للتطبيق والمنصة الإلكترونية وكل ما يتعلق بالخدمات البرمجية والأمن السيبراني والخوارزميات، مستثمرا معارفه في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما تكفلت خلود بتسيير المشروع والتصور الإعلامي ودراسة السوق وبناء نموذج العمل وإعداد الخطة المالية.

وفي تناوله لنتائج هذه التجربة، يرى أيمن بوغنامة أن نجاح مشروع التخرج لم يكن حصيلة تقاسم للمهام بين شقيقين فقط، بل ثمرة “تكامل بين تخصصين مختلفين بقدر ما كان ثمرة تعاون بين شقيقين”، وهي تجربة يعتقد أنها برهنت على أن “الشراكات العابرة للتخصصات قادرة على تحويل مشاريع التخرج إلى مبادرات ريادية، متى توفرت الفكرة الواضحة وتكاملت المهارات اللازمة لتجسيدها”.

وتبرز تجربة “STUSTEP” اتجاها جديدا داخل الجامعة الجزائرية، حيث لم تعد مذكرات التخرج تنحصر في الدراسات النظرية التي تنتهي بإيداع نسخة في مكتبة الجامعة، بل أخذت تتجه في مختلف التخصصات نحو تقديم حلول عملية قابلة للتطبيق وربط البحث الأكاديمي بعالم المقاولاتية وريادة الأعمال.

ويزداد هذا التوجه حضورا مع تنامي الشراكات بين المدارس العليا، إذ بات طلبة من تخصصات مختلفة ينجزون مشاريع مشتركة تجمع بين الرؤية الإعلامية والخبرة التقنية، أو بين الإدارة والهندسة، استجابة لمتطلبات اقتصاد يقوم على تعدد المهارات وتكامل التخصصات.

الجامعة تراهن على تكامل التخصصات

لا تنفصل مبادرات من قبيل مشروع “STUSTEP” عن التحولات التي تشهدها منظومة التعليم العالي في الجزائر، حيث تتجه الجامعة بصورة متزايدة نحو تشجيع الطلبة على توجيه مشاريع التخرج إلى مجالات الابتكار وإنشاء المؤسسات الناشئة وربط التكوين الجامعي باحتياجات السوق، في إطار رؤية تعتبر المشروع الجامعي بداية لمسار مهني وليس نهايته. ويضع هذا التوجه التعاون بين التخصصات المختلفة في صلب المقاربة الجديدة التي تسعى الجامعة إلى ترسيخها، مع تعزيز ثقافة العمل الجماعي داخل الفضاءات الأكاديمية.

وفي تصريح خاص لـ”الأيام نيوز”، يرى البروفيسور ربعين أعمر، الأستاذ المكون في حاضنة أعمال جامعة الجزائر 2، أن تجربة “STUSTEP” تمثل “نموذجا لما تسعى إليه الجامعة الجزائرية في الأعوام الأخيرة”، انطلاقا من أن التعاون بين تخصصات مختلفة “أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد الرقمي”. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل تنامي الحاجة إلى مشاريع تجمع بين مهارات متنوعة وتستجيب لمتطلبات الاقتصاد الجديد، مع قدرة أكبر على التكيف مع التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وفي تحليله لهذا التحول، يلفت البروفيسور ربعين أعمر الانتباه إلى أن “صناعة المحتوى والإعلام الرقمي أصبحت بحاجة ماسة إلى أدوات تكنولوجية متعددة ومتطورة قادرة على تحويل الأفكار إلى تطبيقات ومنصات وخدمات قابلة للتسويق”. ويضع هذا الواقع التعاون بين طلبة الإعلام والذكاء الاصطناعي في موقع متقدم، باعتباره “نموذجا عمليا لهذا التوجه” الذي يربط المعرفة النظرية بالحلول الرقمية القابلة للتجسيد، مع إبراز دور المهارات الرقمية في دعم قابلية المشاريع للاستمرار.

ولا يقتصر هذا المسار على تشجيع الأفكار المبتكرة، بل يشمل أيضا توفير بيئة مرافقة لها منذ المراحل الأولى. وفي هذا الإطار، يشير الأستاذ المكون في حاضنة أعمال جامعة الجزائر 2 إلى أن حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار داخل المدارس العليا “أصبحت ترافق مثل هذه المشاريع منذ مراحلها الأولى، من خلال توفير التأطير والتوجيه وربط أصحاب الأفكار بالجهات الممولة”. وتسمح هذه المرافقة بتحويل مشاريع التخرج إلى مؤسسات ناشئة قادرة على دخول السوق بدل بقائها أعمالا أكاديمية تنتهي عند مناقشة المذكرة، مع دعم فرص تحويل الفكرة إلى منتج اقتصادي.

وتنسجم هذه الرؤية مع تجربة صاحبة المشروع نفسها. فقد أوضحت الطالبة خلود بوغنامة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن فكرة “STUSTEP” انطلقت من ملاحظة واقع يعيشه كثير من الطلبة، حيث تبقى العديد من الأفكار والبحوث الجامعية حبيسة الجانب النظري ولا تجد طريقها إلى التطبيق. وانطلاقا من هذه الملاحظة، اتجه التفكير نحو تصميم مشروع يربط الجامعة بالفضاء الاقتصادي ويمنح الأفكار المبتكرة فرصة أكبر للتحول إلى حلول عملية، قابلة للتطوير داخل السوق.

وفي استعراضها لمتطلبات المشاريع الرقمية، ترى خلود بوغنامة أن دراستها للإعلام جعلتها تدرك أن أي مشروع رقمي يحتاج إلى تكامل بين الرؤية الإعلامية والتسويقية والخبرة التقنية، وهو ما دفعها إلى إشراك شقيقها، الطالب بالمدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، من أجل تجسيد الفكرة. وتعكس هذه الخطوة قناعة متزايدة لدى عدد من الطلبة بأن المشروعات الرقمية الناجحة تنمو في بيئات تجمع تخصصات مختلفة داخل فريق واحد، بما يضمن توازنا بين الفكرة والتنفيذ.

وتذهب خلود بوغنامة إلى أن التجربة تؤكد أن “اختلاف التخصصات أو البعد الجغرافي، حتى وإن انطلقت من تندوف، لا يشكل عائقا أمام إنجاز مشاريع مبتكرة عندما تتكامل المهارات وتتوافر الإرادة”. وتبرز هذه الفكرة بعدا آخر من أبعاد التحول الذي تعرفه الجامعة الجزائرية، حيث لم تعد الجغرافيا أو الحدود التقليدية بين التخصصات عائقا أمام إنجاز مشاريع مشتركة، بل عنصرا ثانويا أمام قوة الفكرة وتكامل الكفاءات.

الجامعة الجزائرية تتجه نحو ربط التكوين بالمؤسسات الناشئة

ويأتي هذا التوجه في سياق حركية أوسع تقودها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي منذ أعوام، بهدف تعزيز مساهمة الجامعة في التنمية الاقتصادية، مع الدفع نحو تحويل المعرفة الأكاديمية إلى قيمة مضافة قابلة للاستثمار. وتندرج ضمن هذه الرؤية جملة من الآليات التي شجعت الطلبة على التفكير في مشاريعهم بوصفها فرصا للابتكار والاستثمار، بدل التعامل معها باعتبارها محطة أخيرة في المسار الجامعي، بما يرسخ ثقافة المقاولاتية داخل الوسط الجامعي.

وفي هذا السياق، برز القرار الوزاري رقم 1275 المتعلق بآلية “شهادة – مؤسسة ناشئة” و”شهادة – براءة اختراع” باعتباره إحدى الأدوات التي أعادت تشكيل فلسفة مشاريع التخرج داخل الجامعات الجزائرية. فالمذكرة التي كانت تمثل نهاية المسار الجامعي بالنسبة إلى كثير من الطلبة أصبحت قادرة على التحول إلى نقطة انطلاق لمشروع اقتصادي أو منتج تكنولوجي أو مؤسسة ناشئة. وأدى هذا التوجه إلى تشجيع ظهور فرق عمل تضم تخصصات مختلفة تسعى إلى إنجاز مشاريع أكثر ارتباطا باحتياجات السوق، وتستجيب لتحولات الاقتصاد الرقمي.

ورأت اللجنة المناقشة للمشروع أن هذه الآلية ساهمت في كسر الحواجز التقليدية بين الكليات والمدارس العليا، بعدما تحولت الحاضنات الجامعية ومراكز الابتكار إلى فضاءات يلتقي فيها طلبة الإعلام والبرمجة والهندسة وإدارة الأعمال وغيرهم، بهدف تطوير حلول مشتركة تجمع بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات الاستثمار، مع تعزيز روح المبادرة الفردية والجماعية.

وفي حالة مشروع “STUSTEP”، لم يقتصر التعاون بين الإعلام والذكاء الاصطناعي على الجانب التقني وحده، بل شمل بناء نموذج اقتصادي يستند إلى الإطار القانوني الذي وضعته الدولة لدعم الابتكار. وقد استلهم الفريق فكرته من المادة 119 من قانون المالية، التي تلزم المؤسسات الاقتصادية التي يتجاوز رقم أعمالها السنوي ملياري دينار جزائري بتخصيص نسبة واحد بالمائة من أرباحها الخاضعة للضريبة لتمويل البحث والتطوير والابتكار، بما يعزز ربط الاقتصاد بالجامعة.

وانطلاقا من هذا المعطى، اتجه صاحبا المشروع إلى تصميم تطبيق ومنصة رقمية مرافقة يعملان كحلقة وصل بين المؤسسات الاقتصادية والطلبة المبتكرين. وتستطيع الشركات، عبر هذه المنصة، طرح تحديات أو احتياجات حقيقية، بينما يقدم الطلبة حلولا ومشاريع قابلة للتطبيق، الأمر الذي يسمح للمؤسسات بالوفاء بالتزاماتها القانونية والاستفادة في الوقت نفسه من أفكار جديدة يمكن تطويرها وتحويلها إلى منتجات أو خدمات ذات قيمة سوقية.

أما الطلبة، فيحصلون على جملة من القيم والامتيازات، تشمل الجوائز المالية والتوثيق المهني لأعمالهم والحصول على تقييم داخل التطبيق بناء على مشاركاتهم ومبادراتهم وعدد المرات التي فازوا فيها. ويسعى المشروع، من خلال هذه الآلية، إلى جعل الكفاءة والإنجاز معيارا للفرص بالنسبة إلى الطرفين؛ الطلبة والمؤسسات، بما يعزز منطق الاستحقاق داخل الفضاء الجامعي والاقتصادي.

وتنسجم هذه الفكرة مع السياسة التي تبنتها الجزائر خلال الأعوام الأخيرة لتشجيع الاقتصاد المبني على المعرفة، عبر استحداث منظومة قانونية وتنظيمية خاصة بالمؤسسات الناشئة تمنح المشاريع المبتكرة إطارا قانونيا واضحا وفرصا أكبر للنمو في مراحلها الأولى، مع توفير بيئة حاضنة للابتكار.

وفي هذا الإطار، استفادت المؤسسات الحاصلة على علامة “مؤسسة ناشئة” من جملة من الامتيازات، تشمل تسهيلات إدارية وإعفاءات جبائية ومرافقة توفرها حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار. وتخفف هذه الآليات من الصعوبات التي واجهت الشباب خلال الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة إنشاء المؤسسة، وتقلص من مخاطر الفشل في المراحل الأولى.

ويشكل الصندوق الجزائري للمؤسسات الناشئة إحدى أدوات التمويل المهمة الموجهة لهذا النوع من المشاريع، إذ يعتمد على الاستثمار في رأس المال بدل القروض البنكية التقليدية. ويمنح هذا التوجه أصحاب المؤسسات الناشئة هامشا أكبر لتطوير منتجاتهم دون تحمل أعباء مالية كبيرة في المراحل الأولى، مع تسريع وتيرة النمو والتوسع.

وبالنسبة إلى أصحاب مشروع “STUSTEP”، شكلت هذه البيئة القانونية عنصرا أساسيا في إمكانية تحويل المشروع من نموذج أولي إلى مشروع رقمي كامل قابل للتوسع داخل السوق الجزائرية، خاصة مع تزايد الاهتمام الرسمي بربط الجامعة بعالم الاستثمار والابتكار، وتعزيز دورها كمحرك للتنمية.

ولم يقتصر العمل على دراسة الجوانب القانونية، بل شمل أيضا دراسة السوق وتحديد الفئة المستهدفة. ورغم أن عدد الطلبة الجامعيين في الجزائر يتجاوز مليونا وسبعمائة ألف طالب، اختار الفريق عدم التوسع منذ البداية، وفضل اعتماد استراتيجية تدريجية ترتكز على المدارس الوطنية العليا، باعتبارها أقطاب امتياز تضم تخصصات مرتبطة بالابتكار والتكنولوجيا وتمثل بيئة مناسبة لاختبار المشروع قبل تعميمه على نطاق أوسع، مع تقليص المخاطر التشغيلية.

وانطلاقا من هذه الرؤية، خصص الفريق المرحلة التجريبية الأولى لعشر مدارس وطنية عليا في الجزائر العاصمة وضواحيها، مع السعي إلى استقطاب عدد من المؤسسات الاقتصادية كشركاء إطلاق، بما يسمح بتقييم فعالية المنصة وتطويرها استنادا إلى احتياجات المستخدمين الفعلية، وضمان تحسين الأداء قبل التوسع التدريجي نحو مؤسسات جامعية أخرى.

نموذج “STUSTEP يربط الضمانات التقنية بالاستثمار الرقمي

يرتبط نجاح المشاريع المبنية على التطبيقات الرقمية والمنصات بعوامل تتجاوز جودة الفكرة وقوة النموذج الاقتصادي. فالشركات تحتاج إلى ضمانات تحمي استثماراتها، في حين يبحث الطلبة والمبتكرون عن آليات تحفظ حقوقهم الفكرية وتضمن حصولهم على المقابل المالي المستحق عند اعتماد مشاريعهم، مع توفير بيئة ثقة تعزز قابلية التوسع والاستمرارية.

ومن هذا المنطلق، حرص صاحبا مشروع “STUSTEP” على إدراج حلول تقنية وقانونية تعالج هذه الانشغالات منذ مرحلة التصميم. وتعتمد المنصة على ربط عمليات الدفع ببوابة الدفع الإلكتروني الوطنية SATIM، بما يسمح بإجراء المعاملات المالية بطريقة مؤمنة عبر بطاقات CIB والبطاقة الذهبية، مع إلزام المؤسسات الشريكة بإيداع قيمة الجوائز أو المكافآت المالية مسبقا قبل إطلاق التحديات، الأمر الذي يقلص مخاوف التأخر في صرف المستحقات أو التراجع عن الالتزامات المالية، ويعزز مصداقية المنصة لدى مختلف الفاعلين.

ويتولى الجانب التقني للمشروع توفير آليات لحماية الملكية الفكرية للأفكار المقدمة، من خلال توثيق أسبقية المشاريع وتنظيم العلاقة التعاقدية بين مختلف الأطراف، بما يضمن انتقال حقوق الاستغلال التجاري وفق اتفاقات واضحة، مع احتفاظ أصحاب الأفكار بحقوقهم الأدبية بوصفهم مؤلفين ومبتكرين، وفق قواعد شفافة تقلل من النزاعات المحتملة.

ويعتمد المشروع أيضا على نموذج اقتصادي يقوم على اشتراكات سنوية موجهة للمؤسسات الاقتصادية، تتدرج بحسب الخدمات والمزايا التي ترغب الشركات في الاستفادة منها، سواء تعلق الأمر بعدد التحديات المطروحة أو مستوى الظهور داخل المنصة أو الخدمات الإضافية المرتبطة بمتابعة المشاريع والبحث عن الكفاءات الجامعية، بما يسمح بمرونة في التسعير وتنوع في العرض.

ويأمل القائمون على المشروع أن يسهم هذا النموذج في تحقيق استدامة مالية تسمح بتطوير المنصة تدريجيا، خاصة أن نجاحها يعتمد على ما يعرف في الاقتصاد الرقمي بتأثير الشبكة؛ إذ يؤدي ارتفاع عدد المؤسسات المشاركة إلى زيادة الفرص المتاحة أمام الطلبة، بينما يؤدي ارتفاع عدد المبتكرين المشاركين إلى تعزيز جاذبية المنصة بالنسبة إلى المؤسسات الباحثة عن حلول جديدة، بما يخلق توازنا ديناميكيا بين العرض والطلب.

وتبقى تجربة خلود وأيمن واحدة من القصص التي تعكس حيوية المشهد الجامعي الجديد في الجزائر. ففي الوقت الذي كان فيه مدرج المدرسة الوطنية العليا للصحافة بالعاصمة يشهد ميلاد مشروع “STUSTEP” بوصفه ثمرة تعاون بين الإعلام والذكاء الاصطناعي، كان القطب العلمي والتكنولوجي بسيدي عبد الله يحتفي بقصص أخرى صنعتها خمسة أعوام من التكوين والبحث والاجتهاد. هناك، لم يكن حفل التخرج مناسبة بروتوكولية لتسليم الشهادات، بل محطة كشفت حصيلة الرهان الذي وضعته الجزائر عام 2021 عند إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي والمدرسة الوطنية العليا للرياضيات لإعداد كفاءات في تخصصات ترتبط باقتصاد المعرفة والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، أشرف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، يوم الاثنين بالقطب العلمي والتكنولوجي بسيدي عبد الله بالجزائر العاصمة، على حفل تخرج دفعتين تضمان 105 طلبة من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي و50 طالبا من المدرسة الوطنية العليا للرياضيات، وسط حضور مؤسساتي وأكاديمي واسع يعكس أهمية الحدث.

وفي كلمة له بالمناسبة، ربط وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، تخرج الدفعتين بسياق تكويني امتد على خمسة أعوام، معتبرا أن تخرج هاتين الدفعتين هو “ثمرة خمسة أعوام من التكوين والعمل الجاد”، بما يعكس، وفق صياغته، “المستوى الذي بلغه الطلبة بفضل جهودهم وتأطير أساتذتهم”. ولم يتوقف التوصيف عند البعد الأكاديمي، إذ أشار بداري إلى أن حضور ممثلي المؤسسات والشركات الوطنية داخل الحفل يعكس “الطلب المتزايد على خريجي المدرستين، بالنظر إلى الكفاءات والمهارات التي اكتسبوها وحاجة الجزائر إليها في مختلف القطاعات”، بما يؤكد ارتباط التكوين بسوق العمل.

ويضع الوزير هذا المسار داخل رؤية أوسع ترتبط بمشروع الدولة في مجال اقتصاد المعرفة، حيث يستدعي في حديثه “الرؤية الاستشرافية” لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، التي تستهدف “إعداد كفاءات وطنية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والعلمية وبناء اقتصاد المعرفة”. ويرتبط هذا التوجه، حسب عرضه، بقرار تأسيس المدرستين عام 2021 الذي جاء “استشرافا لاحتياجات الجزائر المستقبلية في مجالي الذكاء الاصطناعي والرياضيات”، بما يعكس اتساق السياسة التعليمية مع التحولات العالمية.

المدارس العليا ترسخ نموذج التكوين القائم على التميز والابتكار

ويأخذ هذا المسار بعده المؤسساتي داخل إدارة المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، حيث ينظر مديرها، عبد المالك بشير، الأعوام الخمسة الماضية بوصفها اختبارا عمليا لهذا الاختيار، مع رصد نتائج تدريجية تعزز التقييم. ويعتبر أن التجربة أثبتت “صواب هذا التوجه”، معتبرا أن “الاستثمار في التميز هو استثمار في مستقبل البلاد”. ويضيف هذا التصور بعدا جديدا مع إعلان انتقال المدرسة إلى مرحلة بحثية متقدمة، إذ تستعد، حسب تصريحه، لدخول “مرحلة جديدة بإطلاق مخبر البحث العلمي واستقبال أول دفعة من طلبة الدكتوراه، بما يعزز مكانتها كمؤسسة تجمع بين التكوين والبحث العلمي والابتكار”.

وفي الاتجاه نفسه، يقدم مدير المدرسة الوطنية العليا للرياضيات، أحمد مدغري، قراءة ترتبط بالبنية الاستشرافية للمشروع، إذ يربط تخرج أول دفعة من الطلبة بـ”بعد النظر” الذي اعتمدته الدولة عند إنشاء هذه المؤسسة، معتبرا ذلك خيارا استراتيجيا طويل المدى. ويضع هذا القرار في سياق “التحولات الرقمية المتسارعة وحاجة الجزائر إلى تكوين مهندسين قادرين على مواكبة التطور التكنولوجي”. ويكشف مسار التكوين، حسب عرضه، عن توجه انتقائي يستهدف “النجباء في مادة الرياضيات، مع التركيز على توظيف الأدوات العلمية الحديثة لمواجهة التحديات المستقبلية”، في إطار تكوين عالي الدقة.

ويمتد هذا التصور إلى مرحلة ما بعد التخرج، حيث يربط مدغري بين التكوين والدكتوراه داخل نفس البيئة الأكاديمية، موضحا أن الطلبة “سيتمكنون بعد التخرج من مواصلة دراستهم في مرحلة الدكتوراه داخل مخبر البحث العلمي الذي أنشئ على مستوى المدرسة”. ويوازي ذلك توجه نحو ربط التكوين الجامعي بالقطاعات الاقتصادية، إذ يعلن عن عمل جار، بالتنسيق مع الشركاء الاقتصاديين، من أجل “استحداث تخصصات جديدة، من بينها رياضيات المحروقات، إلى جانب مشروع لإطلاق تخصصات بالشراكة مع قطاع التأمينات، بما يستجيب لاحتياجات سوق العمل”، مع تعزيز قابلية التشغيل.

ويعكس حفل التخرج الذي احتضن هذا المشهد الأكاديمي حضورا مؤسساتيا يعكس التحول في موقع هاتين المدرستين داخل المنظومة الوطنية، حيث تضمن الحدث تكريم الطلبة المتفوقين والفائزين بمسابقات علمية ورياضية دولية، إلى جانب تكريم مؤسسات ناشئة، بما يعكس اتساع دائرة التفاعل بين الجامعة والمحيط الاقتصادي، وترسيخ ثقافة الابتكار.

امتلاك التكنولوجيا يفسح المجال لرهان الكفاءات المتخصصة

تقود هذه المعطيات إلى مقاربة يقدمها الدكتور عبد الرحمان بن سالم، خبير الذكاء الاصطناعي، الذي يربط إطلاق المدرستين عام 2021 بالسياق العالمي الذي فرضته الثورة الصناعية الرابعة، مع بروز تحولات عميقة في أنماط الإنتاج والمعرفة. وفي تصريح لـ”الأيام نيوز” يوضح أن إنشاء المؤسستين “لم يكن مجرد قرار يتعلق بتوسيع العرض الجامعي”، بل جاء في ظرف عالمي جديد أصبحت فيه “البيانات والذكاء الاصطناعي والرياضيات التطبيقية عناصر أساسية في بناء الاقتصادات الحديثة”.

الدكتور بن سالم أحمد عبد الرحمان (أستاذ ومدير مركز دعم التكنولوجيا والابتكار)
الدكتور عبد الرحمان بن سالم، خبير الذكاء الاصطناعي

ويضع الخبير هذا التحول داخل إدراك تدريجي لطبيعة الرهان، معتبرا أن امتلاك التكنولوجيا لم يعد كافيا، وأن “التحدي الحقيقي يتمثل في امتلاك الكفاءات القادرة على تطويرها وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية”. وينطلق هذا التصور من واقع تأسيسي رافق التجربة منذ بدايتها، حيث واجهت تحديات تتعلق بحداثة التخصصين والحاجة إلى استقطاب الطلبة والأساتذة وتوفير بيئة تعليمية تقوم على المشاريع والانفتاح على المؤسسات الاقتصادية، مع متابعة مستمرة لمتطلبات السوق.

ويمضي الخبير في تفكيك هذا التحول من زاوية ثانية ترتبط بطبيعة الرهان، إذ يربط بين امتلاك التكنولوجيا وحده وحدوده العملية، ويضع هذا الإشكال في صلب تجربته حين يشير إلى أن “التحدي الحقيقي يتمثل في امتلاك الكفاءات القادرة على تطويرها وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية”. ويستند هذا التصور إلى واقع تأسيسي رافق انطلاق التجربة، حيث واجه المشروع تحديات تتعلق بحداثة التخصصين والحاجة إلى استقطاب الطلبة والأساتذة وتوفير بيئة تعليمية قائمة على المشاريع والانفتاح على المؤسسات الاقتصادية، مع تعزيز روح الابتكار.

ويذهب الدكتور بن سالم إلى أبعد من ذلك حين يربط فكرة الإنشاء برؤية منظومية، إذ لا يتعامل مع المدرستين كمؤسستين منفصلتين، بل كجزء من تصور أوسع يهدف إلى “تأسيس نواة منظومة وطنية قادرة على إنتاج خبرات عالية المستوى في مجالات ستحدد مستقبل الاقتصاد والإدارة والصناعة والأمن والصحة”. ويستند في هذا الطرح إلى طبيعة التخصصين، حيث يعتبر الذكاء الاصطناعي “تقنية أفقية” تتداخل مع مجالات الصناعة والزراعة والنقل والطاقة والخدمات المالية، بينما تمنح الرياضيات، بحسب توصيفه، “اللغة الأساسية للنمذجة والمحاكاة وتحليل البيانات والخوارزميات”.

ويؤطر هذا الجمع بين المجالين ضمن انتقال نوعي في فلسفة التكوين، إذ يرى أن هذا المسار لا يهدف إلى إنتاج مستخدمين للتقنيات، بل إلى إعداد كفاءات تمتلك أدوات الابتكار، وهو ما يترجمه حين يميز بين النماذج بقوله إن الرهان يقوم على تكوين مهندسين وباحثين يمتلكون أدوات التحليل والإنتاج العلمي، “وليس مجرد مستخدمين للتقنيات المستوردة”، بما يرفع جودة المخرجات العلمية.

وبعد خمسة أعوام من انطلاق التجربة، يربط الدكتور بن سالم النتائج بعدد من المؤشرات التي يعتبرها دالة على مسارها، وعلى رأسها استقطاب الطلبة المتفوقين وارتفاع اهتمام المؤسسات الاقتصادية بالخريجين. ويضع هذه المؤشرات داخل قراءة انتقالية، إذ يرى أن تخرج الدفعات الأولى يعكس انتقال المشروع إلى “مرحلة إنتاج الكفاءات”، وهي مرحلة تمنح إمكانية قياس أثر الاستثمار في التعليم العالي على نحو مباشر، وفق معايير عملية واضحة.

ويعيد الخبير صياغة موقع الجامعة داخل هذا التحول، إذ يربط بين تطور التجربة وإعادة تعريف وظيفة المؤسسة الجامعية، التي لم تعد تقتصر، حسب تحليله، على تكوين الموارد البشرية، بل تتجه نحو إنتاج المعرفة والابتكار. ويضع هذا التحول أمام الجامعة مسؤولية مزدوجة تتمثل في تحويل الكفاءات إلى حلول تكنولوجية ومشاريع اقتصادية وشركات ناشئة، بما يعيد ربط المعرفة بالقيمة الاقتصادية ويعزز دور الجامعة في التنمية.

نحو منظومة بحثية متكاملة تربط الجامعة بالاقتصاد

وفي سياق متصل، يمنح الدكتور بن سالم إطلاق مخابر البحث العلمي واستقبال طلبة الدكتوراه دلالة إضافية، إذ يعتبرها انتقالا من التكوين إلى البحث، ومن التعليم إلى الإنتاج العلمي. ويحدد مجالات هذا الإنتاج في الذكاء الاصطناعي المتقدم، حيث يشير إلى التعلم العميق والرؤية الحاسوبية ومعالجة اللغات الطبيعية والروبوتات وتحليل البيانات الضخمة، بوصفها أدوات بحثية قادرة على إنتاج حلول موجهة لقطاعات الصحة والزراعة والطاقة والصناعة والإدارة الذكية.

ويتابع الخبير بناء تصوره من زاوية تراكم المعرفة، إذ يربط بين برامج الدكتوراه وبناء كتلة علمية قادرة على نقل المعرفة وتطويرها، معتبرا أن هذا المسار يتيح تشكل مدرسة علمية وطنية تمتلك قدرة تنافسية إقليمية ودولية. ويمنح البحث العلمي في هذا السياق وظيفة اقتصادية مباشرة، عندما يتحول إلى مصدر لإنتاج منتجات وخدمات وشركات ناشئة بدل بقائه داخل الإطار الأكاديمي.

ويضيف الخبير بعدا آخر يتعلق بالبيئة البحثية، إذ يربط تطورها بقدرتها على الحد من هجرة الكفاءات، من خلال توفير شروط علمية ومهنية محفزة داخل البلاد. ويستدعي هذا الهدف، وفق تصوره، مواصلة الاستثمار في البنية التحتية البحثية، وتوسيع التمويل، وتشجيع النشر العلمي، وربط البحث بالاقتصاد، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لنقل الخبرات ومواكبة التطورات العلمية.

وفي ضوء هذا التراكم، يضع الدكتور بن سالم مشروع المدرستين داخل مسار أوسع يتجاوز التكوين الجامعي، نحو بناء منظومة إنتاج معرفة مرتبطة بالاقتصاد. ويختتم قراءته بالقول إن استمرار هذا المسار يعزز موقع الجزائر ضمن الدول التي تعتمد اقتصاد المعرفة، حيث يحتل الاستثمار في الإنسان موقعا محوريا في بناء القدرة التكنولوجية وترسيخ السيادة الرقمية.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز كفاءة المنظومة الصحية في الجزائر؟

تحوّل الذكاء الاصطناعي، اليوم، إلى أحد أبرز محركات تطوير المنظومة الصحية، بعدما تجاوز دوره حدود “الأتمتة” إلى دعم التشخيص الطبي، والمساهمة في اختيار الخطط العلاجية، وتحسين تسيير المؤسسات الصحية، مستفيدا من قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في وقت قياسي.

وفي سياق التوجه المتزايد نحو رقمنة الخدمات الصحية في بلادنا، تتزايد الرهانات على توظيف هذه التقنيات للارتقاء بجودة الرعاية الصحية، مع الحرص في الوقت ذاته على توفير الضمانات القانونية والتقنية والبشرية الكفيلة باستخدامها بكفاءة وأمان.

وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمعية الوطنية الجزائرية للطب الرياضي، الدكتور هشام علام، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الذكاء الاصطناعي يشكل ركيزة أساسية لبناء منظومة صحية ذكية، شريطة استكمال مسار الرقمنة، وحماية البيانات الصحية، وتأهيل الموارد البشرية.

يوسف بوجلال، رئيس النقابة المستقلة لبيولوجيي الصحة العمومية

من جانبه، أكد رئيس النقابة المستقلة لبيولوجيي الصحة العمومية، يوسف بوجلال، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تطوير التشخيص والعلاج وتسيير المؤسسات الصحية، مشددا على أن نجاح توظيفه يظل مرتبطا بتكوين الكفاءات وتوفير الإمكانات اللازمة.

في هذا الصدد، أفاد الدكتور هشام علام بأن الذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة جديدة في تطور المنظومة الصحية، حيث تشير الدراسات الدولية إلى أن الأخطاء التشخيصية لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه الطب الحديث، في حين أثبتت تطبيقات الذكاء الاصطناعي قدرتها على رفع دقة تشخيص العديد من الأمراض، لا سيما في مجالات الأشعة وأمراض القلب والأورام، من خلال تحليل ملايين الصور والبيانات الطبية في وقت وجيز، بما يوفر دعما علميا للطبيب دون أن يحل محل خبرته أو قراره السريري.

خيار استراتيجي لتعزيز العدالة الصحية

وأوضح المتحدث أن الجزائر شرعت في تسريع وتيرة رقمنة القطاع الصحي، وجعلت الملف الإلكتروني للمريض ضمن أولويات الإصلاح الصحي، بهدف توحيد البيانات الطبية، والحد من تكرار الفحوصات والتحاليل، وتحسين متابعة المرضى، وترشيد النفقات الصحية.

وأشار إلى أن المعهد الوطني للصحة العمومية أعلن عن رقمنة قواعد بيانات الوفيات والأمراض الاستشفائية على المستوى الوطني، إلى جانب إطلاق رقمنة سجلات داء السكري وسرطان الأطفال، والعمل على رقمنة سجلات السكتة الدماغية وأمراض الشرايين التاجية، وهو ما من شأنه أن يتيح مستقبلا توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأمراض ودعم رسم السياسات الصحية الوطنية.

وأكد الدكتور علام أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تحسين جودة الخدمات الصحية فقط، إنما تمتد أيضا إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، إذ تشير التقديرات العالمية إلى قدرتها على خفض جزء معتبر من تكاليف الرعاية الصحية، من خلال تقليص الفحوصات غير الضرورية، وتحسين استغلال الأسرة الاستشفائية، وتقليل مدة الإقامة بالمستشفيات، فضلا عن رفع كفاءة توزيع الموارد البشرية والتجهيزات الطبية.

وأضاف أن الجزائر، التي يتجاوز عدد سكانها 47 مليون نسمة، تواجه ضغطا متزايدا على مؤسساتها الصحية، الأمر الذي يجعل توظيف الذكاء الاصطناعي في تسيير المستشفيات، وإدارة المواعيد، وتحليل البيانات الوبائية، ودعم التشخيص عن بعد، خيارا استراتيجيا لتعزيز العدالة الصحية، خاصة في ولايات الجنوب والمناطق النائية التي تعاني نقصا في بعض التخصصات الطبية.

وفي المقابل، شدد محدثنا على أن نجاح هذا التحوّل الرقمي يبقى مرهونا بتوفير مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها استكمال تعميم الملف الطبي الإلكتروني على المستوى الوطني، وضمان حماية المعطيات الصحية وتعزيز الأمن السيبراني، وتكوين الأطباء ومهنيي الصحة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع إطار قانوني وأخلاقي يحدد مسؤولية استخدام هذه التقنيات، مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يظل أداة مساعدة للطبيب، وليس بديلا عن خبرته الطبية أو قراره العلاجي.

وفي هذا السياق، اقترح الدكتور علام إعداد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة تمتد إلى غاية عام 2035، تتضمن إنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي الصحي يتولى تطوير الحلول الرقمية الجزائرية، وتحليل البيانات الصحية، ودعم البحث العلمي والابتكار.

كما دعا إلى تعميم الملف الطبي الإلكتروني وربط مختلف المؤسسات الصحية العمومية والخاصة بمنصة وطنية موحدة، وإدراج الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن مناهج تكوين الأطباء وشبه الطبيين، مع إطلاق برامج تكوين مستمر لفائدة مهنيي القطاع.

وأبرز أيضا أهمية تطوير خدمات الطب عن بعد، لا سيما لفائدة ولايات الجنوب والمناطق ذات الكثافة الطبية المحدودة، وتشجيع الشركات الناشئة الجزائرية على تطوير تطبيقات صحية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ودعم مشاريع البحث العلمي في هذا المجال، فضلا عن اعتماد أنظمة ذكية لتسيير المستشفيات وتحسين استغلال الموارد البشرية والمادية.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز الدكتور هشام علام، أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لتحسين جودة الرعاية الصحية في الجزائر، وترشيد الإنفاق، وتعزيز البحث العلمي، وتحقيق الأمن الصحي الوطني، شريطة توظيفه في إطار علمي وأخلاقي وقانوني يحافظ على مكانة الطبيب ويضمن سلامة المريض، ليظل الطبيب محور العملية العلاجية، بينما يؤدي الذكاء الاصطناعي دور الشريك العلمي الداعم للقرار الطبي، لا البديل عنه.

نجاح توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحة مرهون بالكفاءات والإمكانات

من جانبه، أوضح يوسف بوجلال، رئيس النقابة المستقلة لبيولوجيي الصحة العمومية، أن الذكاء الاصطناعي أصبح يساهم بشكل كبير في تحسين جودة الخدمات الصحية عبر العالم، وليس في الجزائر فقط، من خلال توظيفه في العديد من المجالات التي ترتبط مباشرة برفع كفاءة المنظومة الصحية.

وأشار الدكتور بوجلال، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن من أبرز المجالات التي أحدث فيها الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية مجال التشخيص الطبي، سواء عبر الأشعة أو مخابر التحاليل الطبية، حيث يساعد على تسريع عملية التشخيص، وربح الوقت، والتقليل من الأخطاء الطبية الناتجة عن تفسير صور الأشعة، لا سيما الفحوصات المعقدة مثل التصوير بالرنين المغناطيسي (IRM) والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET-Scan).

وأبرز المتحدث أن هذه التقنيات تمكن كذلك من الكشف المبكر عن عدد من الأمراض المعقدة، ورصد التغيرات أو المؤشرات المرضية الدقيقة التي قد لا تتمكن العين المجردة من ملاحظتها، مؤكدا أن التطور الأبرز للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي انطلق أساسا من مجال الأشعة الطبية.

وأضاف أن مساهمة الذكاء الاصطناعي تمتد أيضا إلى دعم الأطباء في اختيار الخطة العلاجية الأنسب لكل مريض، من خلال تحليل ملفه الطبي كاملا، بما يشمل تاريخه المرضي، والأدوية التي تلقاها، والأمراض التي سبق أن أصيب بها، وهو ما يتيح اقتراح بروتوكول علاجي يتناسب مع الحالة الصحية لكل مريض، بدلا من اعتماد بروتوكول موحد للجميع، وذلك بالاعتماد على معالجة قواعد البيانات الطبية الضخمة (Big Data).

ولفت بوجلال إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تشمل أيضا تسيير الموارد البشرية داخل المستشفيات والمؤسسات الصحية، من خلال تنظيم جداول العمل، والعطل الأسبوعية والسنوية، ونظام المناوبات، بما يضمن توزيعا أكثر عدلا بين مختلف الطواقم الطبية ومهنيي الصحة.

كما أبرز دوره في تحسين تسيير المؤسسات الصحية عبر تنظيم مواعيد المرضى، وتقليص آجال الانتظار، وإدارة الأسرّة الاستشفائية من خلال تحديد الأسرّة الشاغرة والمشغولة، فضلا عن ترتيب المواعيد وفق درجة استعجالية الحالات، بما يسهم في رفع كفاءة التكفل بالمرضى.

وأكد محدثنا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم كذلك في تسيير المخزون الطبي، خاصة فيما يتعلق بالأدوية والمستهلكات الطبية وكواشف مخابر التحاليل، بما يساعد على تفادي نفاد هذه المواد وضمان توفرها بشكل مستمر.

خِتاما، شدد بوجلال على أن الاستغلال الأمثل لإمكانات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي يظل مرهونا بتوفير الموارد البشرية والمادية اللازمة، وذلك من خلال تكوين فرق متخصصة في هذا المجال، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية مستمرة للأطباء ومختلف مهنيي الصحة، فضلا عن تخصيص ميزانيات كافية لدعم مشاريع إدماج هذه التقنيات داخل المنظومة الصحية.