الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

حين تعجز الخوارزمية عن فهم المجاز العربي.. من يحمي المعنى في الترجمة الآلية؟

Author
هارون عمري 04 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

يفتح الملتقى الوطني الذي ينظمه المجلس الأعلى للغة العربية بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، تحت عنوان “من يحمي المعنى حين تترجم الآلة؟”، ملفاً يتصل بمستقبل الترجمة في بيئة تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، بعد أن أصبحت النماذج اللغوية قادرة على إنتاج نصوص سريعة وسليمة ظاهرياً، بينما تظل قدرتها على قراءة المقاصد الثقافية والمجازية موضع اختبار، خصوصاً عند التعامل مع العربية بما تحمله من تنوع معجمي وتركيبي، وإحالات دينية وتاريخية وشعبية لا تستقر دلالتها داخل الكلمات منفردة.

ويضع المشاركون في الملتقى حدود الفهم الآلي والمسؤولية المهنية للمترجم ضمن صلب النقاش الأكاديمي، وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، أوضح الدكتور محمد حراث، أستاذ بجامعة خميس مليانة، أن أنظمة الترجمة الآلية العصبية والنماذج اللغوية الضخمة أوجدت تفاؤلاً متزايداً بشأن قدرة الآلة على أداء مهام المترجم البشري، غير أن هذا التصور يغفل الطبيعة التأويلية والثقافية للترجمة، وأكد أن المترجم يظل مسؤولاً عن فهم القصد والسياق، وتوطين النص ثقافياً، ومراجعة ما قد تنتجه الخوارزميات من انحرافات دلالية أو تحيزات تمس المعنى الأصلي.

ترجمة سريعة أمام معنى شديد التعقيد

تعتمد أنظمة الترجمة الحديثة على شبكات عصبية ونماذج لغوية دُرّبت على كميات واسعة من النصوص المتعددة اللغات، وهو ما منحها قدرة ملحوظة على اكتشاف الأنماط وبناء جمل تبدو طبيعية في اللغة المستهدفة، وتفيد الدراسات المتخصصة بأن هذه الأدوات حققت نتائج جيدة في نقل المعنى العام وصياغة تراكيب لغوية سليمة، إلا أن أداءها يتراجع عند الانتقال إلى الفروق الثقافية الدقيقة والتعبيرات التي لا يمكن تفسيرها من خلال معناها المعجمي المباشر.


وتظهر الفجوة بوضوح في النصوص الأدبية والفكرية، حيث تتحدد الدلالة من خلال علاقة العبارة بما سبقها وما يليها، وبالمقام الذي قيلت فيه، وبالخبرة المشتركة بين الكاتب والقارئ، وقد تختار الآلة مقابلاً صحيحاً من الناحية القاموسية، ثم تضعه في موضع يغير النبرة أو يضعف الإيحاء أو يحوّل السخرية إلى تقرير مباشر، وتصبح سلامة الجملة مضللة أحياناً، لأن الخطأ لا يظهر في النحو، وإنما يكمن في المقصد الذي انتقل ناقصاً أو اتخذ اتجاهاً مختلفاً.

القصدية تفصل الفهم عن التنبؤ

قال الدكتور محمد حراث إن الطفرات التقنية التي تشهدها أنظمة الترجمة الآلية العصبية والنماذج اللغوية الضخمة أوجدت تفاؤلاً متزايداً بشأن قدرة الآلة على أداء مهام المترجم البشري، غير أن هذا التصور يغفل الطبيعة التأويلية والثقافية لفعل الترجمة، الذي يتجاوز النقل الميكانيكي وإعادة تركيب الرموز.

وأوضح أن المعنى في الخطاب الإنساني يرتبط بالقصدية والوعي بالسياق، وهما عنصران أساسيان في فهم وجهة القول ومراميه وربط الملفوظ ببيئته الثقافية والتاريخية والموقفية، وتعمل النماذج اللغوية في أصلها على تحليل الأنماط الإحصائية والتنبؤ بالتتابعات الأكثر احتمالاً استناداً إلى بيانات التدريب، ولذلك قد تنتج جواباً لغوياً مقنعاً من دون أن تمتلك وعياً بالتجربة التي نشأ داخلها النص أو بالنتائج التي قد تترتب على اختيار لفظ دون آخر.

وأكد حراث أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، مهما تطورت قدراتها التقنية، تظل قائمة على معالجة الرموز والتنبؤ بالعبارات الأكثر احتمالاً، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الفهم الذي تمارسه الآلة للنصوص التي تعالجها، ويظهر أثر هذه المسافة عندما يتغير معنى العبارة بتغير المتكلم أو المخاطب أو المناسبة، لأن النظام قد يلتقط الانتظام اللغوي المتكرر، بينما يحتاج تحديد المقصود الفعلي إلى معرفة لا تتوافر دائماً داخل النص المكتوب.

المجاز العربي يختبر حدود الآلة

تواجه الترجمة الآلية تحدياً إضافياً في العربية بسبب ثرائها الصرفي، وتعدد وظائف بنيتها التركيبية، واتساع الفروق الدلالية بين الألفاظ المتقاربة، كما أن معالجة العربية ما تزال تواجه صعوبات مرتبطة بالغنى المعجمي والصرفي، وخصائص التركيب، والفروق الدقيقة التي لا يمكن فصلها عن السياق.

وتزداد المسألة تعقيداً مع الأمثال والكنايات والتعابير الموروثة، فعبارة “بلغ السيل الزبى” لا تصف سيلاً أو مكاناً بعينه، وإنما تحيل إلى وصول الأمر حداً لا يحتمل، كما أن قول المتحدث إن شخصاً “طويل النجاد” قد يحمل في سياقه التراثي دلالة الطول أو المكانة، بينما تقود الترجمة الحرفية إلى صورة غامضة لدى قارئ لا يعرف أصل التعبير، وينطبق الأمر على ألفاظ اكتسبت معانيها من القرآن الكريم والشعر القديم والسرد الشعبي والاستعمال السياسي المعاصر.


وأشار حراث إلى أن المعاينة التطبيقية تكشف صعوبات تواجهها الآلة في التعامل مع السخرية والكنايات التراثية ومقاصد النصوص الأدبية، وتحتاج هذه الأنواع إلى قراءة الطبقات المتعددة للعبارة، وتحديد ما إذا كان المتكلم يقرر معنى مباشراً أو يوحي بعكسه، ثم البحث عن صياغة تؤدي وظيفة مماثلة في ثقافة اللغة المستهدفة، حتى إن استدعى ذلك الابتعاد عن ترتيب كلمات النص الأصلي.

التحيز يتسلل عبر بيانات التدريب

لا تنشأ أخطاء الذكاء الاصطناعي من محدودية التحليل الدلالي وحدها، إذ يمكن أن تنتقل إلى المخرجات تحيزات موجودة في بيانات التدريب أو في طريقة تصنيف الأمثلة وبناء النظام، وقد تظهر هذه التحيزات في مختلف مراحل عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي، كما يمكن أن تقع آثارها الضارة حتى في غياب قصد مباشر من الجهات المطورة أو المستخدمة.

وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر في ترجمة المصطلحات السياسية والاجتماعية والهوياتية، حيث لا تكون الكلمات محايدة بالضرورة، وقد يختار النظام مصطلحاً شائعاً في مجموعة من البيانات، رغم ارتباطه بموقف سياسي مخصوص أو انحياز ثقافي لا يطابق النص الأصلي، كما قد تعاني اللغات أو اللهجات الأقل تمثيلاً رقمياً من ضعف في الدقة، بسبب قلة المواد المتاحة لتدريب النماذج مقارنة باللغات الأكثر حضوراً على الإنترنت.

وأشار حراث إلى التحيزات التي قد تظهر عند معالجة المصطلحات ذات الحساسية السياسية والاجتماعية، بما قد يؤدي إلى تغيير المقاصد وتحويلها إلى دلالات غير دقيقة، ولهذا يصبح فحص المصطلحات والمرجعيات جزءاً من عملية الترجمة، خصوصاً في الوثائق القانونية والدبلوماسية والإعلامية، حيث يمكن لخطأ محدود في اختيار المفردة أن يغير الموقف المنسوب إلى المتحدث أو يعيد تأطير القضية خارج سياقها الأصلي.

المترجم مسؤول عن الأثر النهائي

يرى حراث أن المترجم البشري يحتفظ بدور محوري في حماية المعنى، بالنظر إلى قدرته على ممارسة التأويل وتوطين النصوص ثقافياً وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية المرتبطة بعملية الترجمة، فالمترجم لا يختار الكلمات فقط، وإنما يحدد درجة القرب من الأصل، وطريقة شرح المرجعيات، وحدود التصرف في الأسلوب، ومدى حاجة القارئ إلى هامش أو تفسير إضافي.

ويكتسب هذا الدور أهمية عملية لأن المسؤولية عن النص المترجم لا يمكن إسنادها إلى الخوارزمية، ففي عقد قانوني أو تقرير طبي أو وثيقة رسمية، يجب أن تكون هناك جهة بشرية قادرة على تفسير الخيارات اللغوية ومراجعتها وتصحيحها، أما النص الأدبي فيتطلب معرفة بإيقاع الكاتب وصوته وعلاقته ببيئته، حتى لا تتحول الرواية أو القصيدة إلى محتوى سليم لغوياً وفاقد لخصوصيته.

وتنسجم هذه الرؤية مع أهداف الملتقى الوطني، الذي يسعى إلى بناء تصور لمستقبل مهنة الترجمة في الجزائر، ومراجعة برامج التكوين الجامعي لتضمين الكفاءات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتشجيع التعاون بين اللسانيات وعلوم الحاسوب ودراسات الترجمة، إلى جانب بحث ميثاق أخلاقي يحمي الملكية الفكرية والأمانة العلمية.

شراكة مهنية تضبط استعمال التقنية

أكد حراث أن مستقبل الترجمة يرتبط بتوظيف التقنية باعتبارها أداة مساعدة للمترجم، مع بقاء القرار التأويلي والفهم العميق للنص خاضعين للإنسان، ويمكن تطبيق هذا التصور من خلال توزيع واضح للمهام، حيث تتولى الأنظمة معالجة المسودات الأولية واقتراح البدائل وتوحيد المصطلحات واسترجاع العبارات المتكررة، بينما يراجع المترجم المقاصد والإحالات الثقافية والنبرة ومدى ملاءمة النص للمتلقي.

ويعني ذلك أن الكفاءة المهنية المقبلة ستجمع بين التأهيل اللغوي والقدرة على استخدام أدوات الترجمة الرقمية وفحص مخرجاتها، ويحتاج المترجم إلى معرفة طريقة صياغة التعليمات للنماذج، والتحقق من المصطلحات، ومقارنة الاقتراحات، وحماية البيانات السرية، ورصد المواضع التي تبدو صحيحة لغوياً وتحتاج إلى مراجعة ثقافية دقيقة، كما تحتاج المؤسسات إلى بروتوكولات تحدد النصوص التي يجوز إدخالها إلى الأنظمة العامة، ومستويات التدقيق المطلوبة وفق طبيعة كل وثيقة.

وتؤكد خبرة الترجمة الدولية أن نقل الأعمال بين اللغات يمثل أحد أسس الحوار الثقافي، وهو ما يجعل الحفاظ على خصوصية النص عنصراً متصلاً بجودة التواصل بين المجتمعات، كما تشكل الترجمة ركناً في تبادل المعرفة وتعزيز الحوار بين الثقافات، وتمنح العربية فرصة لتوسيع حضورها في حركة تداول العلوم والآداب والأفكار.

وتتقيد فاعلية الذكاء الاصطناعي في الترجمة بوجود مسار مهني خاضع للمراجعة، فالآلة تستطيع اقتراح صياغة محتملة خلال وقت قصير، بينما يبقى تحديد ما قصده الكاتب، وما سيفهمه القارئ، ومدى محافظة النص على أثره وخصوصيته، مهمة تحتاج إلى مترجم يعرف اللغة ويقرأ الثقافة ويتحمل مسؤوليته أمام المجتمع والمؤسسة والقانون.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"
↑