لم تعد أزمات الشرق الأوسط تُقاس بعدد الصواريخ المتبادلة أو الخرائط المتغيّرة، بل بقدرة الدول على حماية شعوبها من الجوع والارتباك الاقتصادي. ففي زمن الحروب المفتوحة، يصبح الأمن الغذائي أول خطوط الدفاع، وأخطر نقاط الضعف في آنٍ واحد.
وسط هذا المشهد العربي والعالمي المضطرب، تجلّت الجزائر أكثر يقينا وحصانة ضد أيّ توتر من غيرها، لا لأنها بعيدة عن دائرة التأثّر، بل لأنها راكمت خيارًا استراتيجيًّا واثقًا: الاكتفاء الذاتي الغذائي، لا كخطاب ظرفي، بل كسياسة استباقية طويلة النفس.
من ردّ الفعل إلى الاستباق
في حين اندفعت دول في الشرق الأوسط إلى البحث المتأخر عن أسواق بديلة للقمح والزيوت بعد اندلاع الأزمات، كانت الجزائر قد شرعت منذ سنوات في إعادة توجيه استثماراتها الزراعية، مستفيدة من عمقها الجغرافي، وتنوّعها المناخي، وإمكاناتها المائية غير التقليدية.
المفارقة أن دولًا تملك فوائض مالية ضخمة، لكنها تفتقر لقاعدة إنتاجية غذائية، وجدت نفسها رهينة تقلبات الموانئ والمضائق. أما الجزائر، فاختارت تقليص هذه الهشاشة عبر تعزيز الإنتاج المحلي بدل التعويل المطلق على الاستيراد.
الصناعة التحويلية: من الإنتاج إلى السيادة
غير أن التحوّل الحقيقي لم يكن في الزراعة وحدها، بل في النجاح المتدرّج للصناعة التحويلية الغذائية، التي شكّلت الجسر بين الأرض والسوق، وبين الفلاح والمستهلك.
فخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الجزائر تكتفي بإنتاج المواد الخام، بل اتجهت إلى تحويل: الحبوب، الحليب، الطماطم الصناعية، الزيوت، مشتقات التمور.. إلى منتجات نهائية، قلّصت فاتورة الاستيراد، ورفعت القدرة على ضبط السوق الداخلية، وخلقت قيمة مضافة حقيقية.
هذا التحوّل جعل الأمن الغذائي أقلّ عرضة للتقلّبات الخارجية، لأن الدولة لم تعد رهينة استيراد المادة الأولية ولا المنتج النهائي معًا، وهو خطأ استراتيجي وقعت فيه دول عديدة بالمنطقة.
مقارنات كاشفة
في مصر، مثلًا، انعكست الصدمات العالمية مباشرة على سوق الخبز وسعر العملة، وفي دول الخليج، ورغم الوفرة المالية، ظلّ الأمن الغذائي مرتبطًا بسلاسل إمداد خارجية شديدة الحساسية.
أما في الجزائر، فقد سمح الجمع بين الإنتاج الزراعي والصناعة التحويلية بامتصاص جزء معتبر من الصدمات، وتقليص هامش الارتباك الاجتماعي.
الأمن الغذائي قرار سيادي
ما يميّز التجربة الجزائرية ليس التوجّه إلى تحقيق اكتفاء كامل، بل الوعي بأن الغذاء لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل قرارًا سياديًّا. فالاستثمار في الحبوب، وتربية المواشي، والزراعة الصحراوية، مرفوقًا بتوسيع الصناعات التحويلية، يعكس انتقال الدولة من منطق السوق الظرفي إلى منطق الأمن القومي المستدام.
رهان ما بعد الأزمات
الأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط أثبتت أن الدول التي انتظرت العاصفة لتتحرّك، دفعت الثمن مضاعفًا. أما الجزائر، فاختارت طريقًا أقل استعراضًا، لكنه أكثر ثباتًا: بناء منظومة غذائية متكاملة، من الحقل إلى المصنع إلى المستهلك.
وفي عالم تتكسر فيه التحالفات بسرعة، قد لا يكون النفط ولا الغاز وحدهما صمّام الأمان، بل غذاء يُنتَج ويُحوَّل محليًا… ولا ينتظر سفينة بعيدة.

