خاب الاستشراق الاستعماري في الجزائر.. وماذا عن الاستشراق “الرّقمي”؟

يوميا، يستقبل الإنسان العربي، عبر الإنترنت، أفكارا كثيرة هدّامة تهدف إلى استلابه روحيا واستغرابه فكريا وسلوكيا، ومحاولة استفراغه من أصالته وإعادة تشكيله ليكون إنسانا لا انتماء له، ومغتربًا عن نفسه وأهله حتى وهو في بيته. وهذا التوجّه ليس جديدا، فقد انطلق مع التحالف بين الاستعمار والاستشراق والتنصير. وكانت الجزائر أكثر الدول العربية تعرُّضًا لخطط وبرامج ذلك التحالف، وما زالت الحملات الرقمية تستهدفها، وتُحاول ضرب الحصانة الروحية للإنسان الجزائري و”تلغيم” أفكاره. ولا عجب، فالجزائر هي أكبر القلاع الحصينة للإسلام والأصالة والقيم الإنسانية.

اختلف الباحثون وصَدَق “بلفور”

اختلف الدّارسون في تعريف الاستشراق، بحسب نوعه وأغراضه وآلياته وارتباطاته بعوالم السياسة والاقتصاد أو الثقافة والعلوم، ولكن يبقى المعنى الشامل أن الاستشراق هو جهود الغربيين لمعرفة العالم الشرقي في مختلف مجالات الحياة. وقد صنّف “مالك بن نبي” المستشرقين إلى صنفين هما: الزمن، والاتجاه. ومن أمثلة الصنف الأول هناك: “القديس توما الأكويني” (1225 – 1274) في القدماء، وفي المحدثين هناك “جولدزيهر” (1850 – 1921) وهو مستشرق يهودي مجري، من مُحرّري “دائرة المعارف الإسلامية” واشتهر بتحامله ونقده للإسلام. وأما في الصنف الثاني فهناك: المُشوّهون الحاقدون المُزيّفون لكل حقيقة، وهناك “المُنصفون” أو المادحون. ولعلّ أصدق رؤية للاستشراق هي تلك التي قالها صاحب الوعد المشؤوم وزير خارجية بريطانيا “آرثر جيمس بلفور”(1848 – 1930): “إن المستشرقين والمُبشّرين هم ساعدُ جميع الحكومات المستعمرة، وعضدها في كثير من الأمور المهمة، ولولاهم لتعذَر على تلك الحكومات أن تُذلّل كثيرا من الصعاب، ولذلك فإنّا في حاجة إلى لجنة دائمة تعمل لما فيه صلاح هؤلاء”.

المستشرقون.. رُسُل المَهمّات القذرة

في الجزائر، كان شأنُ الاستشراق محسومًا، فقد قام بأدوار خطيرة ساعدت فرنسا على احتلال الجزائر، وكان المُستشرقون هم “رُسُل المَهمّات القذرة” والطّلائع الاستكشافية الأولى التي اعتمد عليها الاستعمار لفهم المُجتمع الجزائري والتركيبة الفكرية والنفسية للفرد والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى الدين واللغة العربية واللهجات وغيرها من الأمور التي حاول الاستفادة منها لفرض سيطرته الكلية على الأرض والإنسان. ويرى الدّارسون بأن الاستشراق، الذي استهدف الجزائر، قد سبق الاحتلال بعقود، وأهم عمل “استشراقي” هو الذي قام به الكولونيل “بوتان” بتكليف من نابليون عام 1807، حيث جاء إلى الجزائر سنة 1808 وتعامل مع أُسَر يهودية منها أسرة “ابن زاحوط” التي قدّمت له كل التسهيلات لاستكشاف الجزائر والتعرّف على الثقافة والحياة الاجتماعية وجغرافية الأرض وغيرها من الأمور.

الحركة الاستشراقية الفنية “الرومنسية”

من مظاهر الاستشراق الأولى في بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، قامت فرنسا بتجنيد رسّامين وفنانين، لمرافقة حملاتها ومعاركها ضد الشعب الجزائري. فبرزت الحركة الاستشراقية الفنية “الرومنسية” التي تدعمها البرجوازية الفرنسية أيضا، واهتمّت بتصوير مشاهد من الطبيعة والحياة الاجتماعية الجزائرية، في سياق مخطط “إشهاري” لإقناع الرأي العام الفرنسي باستعمار الجزائر وتبرير الجرائم والفظائع التي تمّ ارتكابها بحق الشعب والحياة عموما.

وقد قام بعض المستشرقين “الفنّانين” بمرافقة القادة العسكريين وتنفيذ أوامرهم بالتأريخ للمعارك من خلال تصويرها في لوحات “فنيّة”، بتزييف الحقائق وإبراز “الانتصارات” الفرنسية الساحقة. وقد تمّ عرض كثير من تلك اللوحات في صالون العرض عام 1831. ومن أمثلتها تلك التي تُصوّر انتصار الجندي الفرنسي في مقابل انهزام الجندي الجزائري، هناك لوحة “معركة سيدي فريخ” للفنان “أنغلو”، ولوحة “قصف الجزائر” للفنان “جيبير”.

البداية الحقيقية للاستشراق في الجزائر

ترى بعض المصادر بأن المؤتمر الرابع عشر للمستشرقين، سنة 1905، هو الانطلاقة الحقيقية للاستشراق في الجزائر، حيث جنّدت فرنسا كل الوسائل المُمكنة لتسهيل أعمال المُستشرقين في بحوثهم اللغوية والدينية والاجتماعية والتاريخية وغيرها.. وتُعتبر مدرسة الآداب العليا، التي تحوّلت إلى كلية للآداب في جامعة الجزائر سنة 1909م، من أهمّ روافد العمل الاستشرافي، حيث اهتمت بالفنون والآداب واللغة والتاريخ..

يبدو أن فرنسا قد أدركت المعنى العميق لمقولة “”من تعلّم لغة قوم أمن مكرهم”، فحفّزت باحثيها والقائمين على شؤون إدارتها الاستعمارية، على تعلّم اللغة العربية لتُسلّط مكرها على الشعب الجزائري من خلال دراسة وفهم نفسيته وعقليته وكيفية التعامل معه. وقد استثمرت البحوث الاستشراقية في مخطّطاتها الجهنمية في تغليب اللهجات العامية على اللغة العربية الفصحى، وتشويه الدين الإسلامي، وضرب العلاقات الاجتماعية والأسَرية، وأمور كثيرة لا يُمكن حصرها.

المجلة الإفريقية.. الرّفيق الاستعماري

أسّس الاستعمار الفرنسي، في سياق الاستشراق، مجموعة من المجلات المُحكمة التي تدرس حتى الثقافة الشعبية، ومن أهمّها “المجلة الإفريقية” التي قال عنها المؤرّخ “بلقاسم سعد الله”: “وقد نشرت الجمعية التاريخية مجلة (المجلة الإفريقية) الشهيرة التي اهتمت بنشر المخطوطات المحلية والعربية والوثائق الأصلية، وسلّطت الضوء على تاريخ الجزائر في مختلف عصوره، ولكن بدرجات متفاوتة في الاهتمام. وتعتبر مجلداتها، كما يقول غوستاف ميرسييه، مكتبة تاريخية في حد ذاتها. كانت المجلة تُوزّع مجانا على الأعضاء العاملين والمراسلين. ظهر عددها الأول في أكتوبر 1856، ثم أخذت تظهر كل شهرين، ثم أصبحت مجلة فصلية تصدر كل ثلاثة أشهر منذ 1888. ومن تاريخها أنها توقفت فترة الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918 ثم رجعت برقم (294) سنة 1918”. (واستمر صدورها حتى 1962).

حكاية “جنّي الهيدور”

لقد اهتمّ المستشرقون بكل شيىء عن الجزائر، فـ”المجلة الإفريقية” تشتمل على بحوث ودراسات حول لأعراق والأعراش وجغرافية توزّعها في الجزائر، والألعاب الشعبية ومواسم لعبها، والحرف والمهن، بالإضافة إلى الثقافة الشعبية وما تزخر به من أمثال وأشعار في الملحون.. بل إن المستشرقين قاموا بترجمة المخطوطات التي تضمّنت حتى الحكايات والأساطير الشعبية مثل “حكاية جني الهيدور” التي نُشرت مُترجمةً سنة 1910، وحول قصّتها التي تكشف اهتمام الاستعمار الفرنسي بما قد نراه بمنظورنا أمرا بسيطا. وحول تلك الحكاية، يقول الكاتب الجزائري “عبد الحميد بورايو”: ” أنجز الترجمة (هنري دو صارّوطون)، ووضع رسومها (جورج سكوت). عثر المترجم على النص المذكور مخطوطا باللغة العربية لدى أحد معارفه من التجّار. وقد تسلّمه هذا الأخير بدوره من أحد جنود الحملة الفرنسية أثناء الاحتلال الفرنسي للمدن الجزائرية. كان هذا الجندي قد وجد المخطوط داخل صندوق غَنَمه من أحد المنازل التلمسانية التي اقتحمها الغزاة، ظانّا أنه يحتوي على نقود أو جواهر ثمينة”.

تدمير الإنسان من خلال ثقافته

من أمثلة اهتمام المستشرقين بالثقافة والآداب الشعبية، في التحقيق والنشر والترجمة إلى اللغة الفرنسية للمخطوطات والوثائق، القصيدة التي نظمها “عبد القادر الوهراني” سنة 1833، ووثّق فيها حجم الدمار الذي أصاب الجزائر العاصمة أثناء دخول الاستعمار الفرنسي، حيث قام “ج. ديسبرمو” بإعادة نشرها سنة 1930 تحت عنوان “قصيدة دخول الفرنسيّين إلى الجزائر”. وكان “ب. فانسنت” قد قام بترجمة ونشر قصيدة “سقوط الجزائر” للشّاعر “محمّد بن الشّاهد”، مع كتابة شروح وتعليقات لها. ويُمكن للقارئ أن يستشفّ التأثير النفسي والمعنوي لمثل هذه القصائد على الشعب الجزائري الذي يُراد له أن يُسلّم بالانهزام “الأبدي”، وفي المقابل تأثيرها في رفع معنويات الجندي الفرنسي وتقوية ثقته بنفسه وبرسوخ قدمه على الأرض الجزائرية.

حتى الاحتفالات الشعبية دَرَسوها

حتى مظاهر الاحتفالات بالأعياد والمناسبات الاجتماعية والفلاحية لم تُفلت من دائرة الدراسة الاستشراقية، فقد نشر ” إدموند ديستان”، في المجلة الإفريقية سنة 1906 دراسة حول الفصول والسّنة الفلاحيّة والأعياد والعادات الموسميّة في بني سنوس. ونشر “قونيالون”، في المجلة نفسها سنة 1909، دراسة حول طرق الاحتفال بالزواج وعيد الربيع وعاشوراء.. في منطقة ورقلة.

بعيدا عن الاستشراق.. قريبا من الإنترنت

رغم كلّ ما جنّده الاستعمار الفرنسي من وسائل مادية وموارد بشرية، وما وضعه من خطط وبرامج.. فقد انكسر في النهاية، وتطهّرت الجزائر منه. غير أن ما أنجزه المستشرقون، خاصة ذلك المتعلق بأدبنا وثقافتها الشعبية والعادات والتقاليد الموسمية، يُمثّل موردا مُهمًا يُمكن استغلاله واستثماره وفق الرؤية الجزائرية الخالصة في إعادة اكتشافنا تراثنا الشعبي. وسواءٌ كان الاستشراق أداة هدم للفكر والوجدان والعلاقات الاجتماعية أو كان لعنةً استعمارية عانت منها الجزائر لزمن طويل، فواقع اليوم يستدعي أن نحوّل اللعنة إلى نعمة لمواجهة التحديات الكبرى التي تفرضها علينا أنماط الحياة الجديدة التي تتسرّب إلينا من عوالم الإنترنت. وإذا كان أسلافنا قد واجهوا كل أشكال الغزو: العسكري والثقافي والروحي.. فإن غزوًا آخر يستهدف الإنسان من فضاءات الإنترنت، وهو أقوى وأشرس من الاستشراق إلى حدّ لا يُمكن مقارنتهما ببعض. فهل يستثير الجزائري قواه الكامنة، وعناصر شخصيته المتميّزة، ليهزم كل المخططات التي تستهدف الجزائر وشعبها؟