الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

خامنئي إلى الثرى والثأر إلى صدارة المشهد في إيران.. جنازة تهتف بالانتقام

Author
الأيام نيوز 06 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

وسط بحر من الأعلام الإيرانية وصور المرشد الأعلى الشهيد آية الله علي خامنئي، تصدرت رايات الثأر الحمراء، التي ارتفعت فوق رؤوس عشرات الآلاف من المشيعين في مصلى الإمام الخميني الكبير بطهران، المشهد برمته، حتى بدا الوداع الجماهيري إعلانا صريحا بأن قضية الثأر دخلت الوجدان الإيراني وتحولت إلى أحد العناوين الأكثر حضورا في هذه اللحظة المفصلية. ومن عمق هذا المشهد المكتظ بالصور والأعلام والهتافات، برز خطاب يربط بين دماء القائد الشهيد وضرورة صون السيادة الوطنية وترسيخ معادلة الردع. وزاد هذا المشهد زخما مع تصريحات مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني للشؤون الثقافية والإعلامية، حميد رضا مقدم فر، الذي وصف الثأر لدماء خامنئي بأنه “واجب جماعي ومطلب دائم للأمة”، معتبرا أن “القصاص والثأر هما مسؤولية فردية ومسؤولية اجتماعية في آن واحد ويجب أن يتحققا”. وبدت هذه الرسائل، المتزامنة مع مراسم التشييع الحاشدة والحضور الدولي الواسع، مؤشرا على دخول إيران مرحلة سياسية جديدة تتقدم فيها مفردات الرد والثأر إلى واجهة النقاش العام.

وعلى ضوء هذه المؤشرات السياسية والرمزية، تفتح “الأيام نيوز” نقاشا مع عدد من الخبراء حول جملة من القضايا المرتبطة بالمرحلة المقبلة في إيران: هل ارتقى مفهوم الثأر من مستوى الخطاب السياسي إلى مرتبة القضية الوطنية الجامعة؟ ومن هي الجهة التي قد يشملها هذا الثأر وفق الرؤية الإيرانية؟ وما الأدوات التي تملكها طهران لتحقيقه؟ وإلى أي مدى أعادت مراسم التشييع الحاشدة، بما أفرزته من زخم شعبي وحضور دولي، رسم التقديرات السياسية والاستراتيجية للمرحلة المقبلة؟

وبالفعل، تدفقت حشود غفيرة، قُدرت بمئات الآلاف، إلى مصلى الإمام الخميني الكبير في العاصمة طهران لإلقاء النظرة الأخيرة على المرشد الأعلى الشهيد آية الله علي خامنئي وعدد من أفراد عائلته، في مشهد غلبت عليه مظاهر الحزن والحداد. ورفع المشيعون صور المرشد وأعلام إيران ورايات الثأر الحمراء، مانحين مراسم التشييع بعدا يتجاوز رمزية الوداع إلى رسائل سياسية واستراتيجية متعددة الاتجاهات. وفي خضم هذه الأجواء، برز خطاب الثأر بوصفه أحد العناوين الأكثر حضورا في المشهد الإيراني.

فقد أكد مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني للشؤون الثقافية والإعلامية، حميد رضا مقدم فر، أن الثأر لدماء المرشد “واجب جماعي ومطلب دائم للأمة”، مضيفا أن “القصاص والثأر مسؤولية فردية ومسؤولية اجتماعية في آن واحد ويتعين أن يتحققا”. وتعكس هذه التصريحات اتجاها يسعى إلى إضفاء طابع مجتمعي واسع على قضية الرد، بحيث لا تبقى محصورة في دوائر القرار السياسي أو المؤسسات العسكرية.

وتزداد الأسئلة إلحاحا في ضوء مشهد التشييع الحاشد الذي بدا مناقضا لتقديرات خصوم إيران ورهاناتهم السابقة، لاسيما مع مشاركة ممثلين عن أكثر من سبعين دولة في مراسم تكريم الشهيد علي خامنئي. وهو مشهد يفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن ما إذا كانت التعبئة الشعبية الواسعة وحجم الحضور الدولي قد أوجدا معادلة سياسية ونفسية جديدة، من شأنها إعادة تشكيل حسابات الخصوم وحسابات إيران في آن واحد.

وتصدر قادة الحرس الثوري الإيراني المشيعين في جنازة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، في مشهد يعكس تماسك المؤسسة العسكرية ويوجه رسالة قوة في مرحلة مفصلية. وشهدت العاصمة الإيرانية طهران، صباح أمس الأحد، مراسم تشييع مهيبة للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي وكوكبة من أسرته، بمشاركة ملايين الإيرانيين في تجمع شعبي ورسمي وعسكري ضخم في مصلى الإمام الخميني وسط العاصمة.

وفي دلالة سياسية وعسكرية عميقة، لم تكن الصفوف الأولى للمصلين مخصصة للسياسيين فحسب، بل تصدرها كبار القادة العسكريين، يتقدمهم قائد الحرس الثوري اللواء أحمد وحيدي، وقائد “فيلق القدس” إسماعيل قآني. ويحمل هذا الحضور العسكري في الصف الأول رسائل متعددة تتجاوز مجرد التشييع؛ فهو يؤكد على المكانة المركزية للجناح العسكري في هرم السلطة الإيراني.

كما يُعد الظهور الثاني لوحيدي في هذا المنصب الحساس منذ توليه القيادة في مارس الماضي، خلفا للواء محمد باكبور الذي استشهد في الغارات الصهيونية الأمريكية المشتركة أواخر فيفري الماضي. ثم إن وقوف قادة الحرس في الواجهة وسط هذا الحشد الجماهيري يبعث برسالة طمأنة للداخل ورسالة تحد للخارج، مفادها أن المؤسسة العسكرية لا تزال متماسكة وقادرة على حماية مسار الجمهورية الإسلامية واستمراريتها رغم الخسائر الفادحة التي مُنيت بها مؤخرا.

وبعد أداء صلاة الجنازة، تم نقل جثمان خامنئي في رحلة وداع إقليمية وداخلية، حيث سيتوجه إلى العتبات المقدسة في النجف وكربلاء بالعراق ليوم واحد فقط، قبل أن يعود إلى مدينة قم، ومنها إلى مدينة مشهد مسقط رأسه. ومن المقرر أن يستمر توافد المشيعين على مصلى الإمام الخميني لتقديم واجب العزاء على مدار يومين. كما تقرر تنظيم موكب جنازة عام اليوم 6 جويلية، على أن تنتقل مراسم التشييع بعدها إلى مدينة قم في 7 جويلية، وتُختتم المراسم ويوارى الجثمان الثرى في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد في 9 جويلية.

وقبل مشهد رايات الانتقام، كان مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني للشؤون الثقافية والإعلامية حميد رضا مقدم فر قد أكد، يوم السبت، أن الثأر لدماء المرشد الراحل علي خامنئي “واجب جماعي ومطلب دائم للأمة”. وقال، في تصريحات على هامش مراسم وداع خامنئي في مصلى الإمام الخميني: “الثأر لدماء المظلوم حق وواجب، حق يحيي المجتمع ويمنع تفشي الفساد”، مضيفا: “القصاص والثأر هما مسؤولية فردية ومسؤولية اجتماعية في آن واحد ويجب أن يتحققا”.

وتابع مقدم فر: “اليوم، يُعد الثأر لدماء القائد الشهيد، والشهداء، والظلم الذي لحق بالبلاد، على عاتق جميع أبناء الشعب، والقوات المسلحة، والقادة، وكل من يرى نفسه مسؤولا أمام دماء المظلوم”. واعتبر مستشار قائد الحرس الثوري أن “مسألة الثأر لا علاقة لها بالمفاوضات أو التفاهم أو الحرب، ففي ظل أي ظروف، يظل للثأر مكانته، وهذا مطلب تاريخي يجب متابعته دائما”. واستطرد قائلا: “حتى أولئك الذين لا يملكون القدرة الجسدية على التحرك، فإن من واجبهم أيضا لعب دور في هذا المسار من خلال إطلاق هتاف “الموت لأمريكا” وطلب الانتقام من الله، لأن الله هو المنتقم الحقيقي، وإرادته هي التي ستحقق الثأر”.

الثأر الإيراني عقيدة ردع لا رد فعل

يرى المحلل في الشأن الدولي مصطفى الخفاجي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن الحديث عن “الثأر” في الثقافة السياسية الإيرانية لا ينحصر في رد فعل آني على عملية اغتيال المرشد الأعلى، بل يندرج ضمن “مفهوم مركب يرتبط بالعقيدة والهوية الوطنية وفلسفة الردع التي تشكلت عبر عقود من الصراع مع الخصوم الخارجيين”. ومن هذا المنظور، تنظر طهران إلى استهداف المرشد الأعلى باعتباره “اعتداء مباشرا على سيادتها وأمنها القومي واستقرار المنطقة بأسرها”، وترى أن “هذه الجريمة لن تمر دون محاسبة”.

مصطفى الخفاجي، خبير استراتيجي

وفي تحليله، يلفت الخفاجي إلى ضرورة الفصل بين الخطاب التعبوي الذي يعبئ الرأي العام الإيراني وبين آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة، موضحا أن “إيران لا تتخذ قراراتها العسكرية أو الأمنية انطلاقا من الانفعال، وإنما وفق مبدأ الرد المحسوب الذي يوازن بين تحقيق الردع وتجنب الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة قد تخدم أهداف الخصوم”. ويشير إلى أن تحول الثأر إلى قضية جماعية وفردية يعكس حالة تعبئة وطنية وشعبية، لكنه “لا يعني بالضرورة التخلي عن الحسابات الاستراتيجية أو إلغاء أدوات السياسة والدبلوماسية”.

ويذهب الخبير إلى أن وجهة أي رد إيراني ستتحدد وفق ما تسفر عنه التحقيقات الرسمية وتقدير القيادة الإيرانية للجهة التي تتحمل مسؤولية الاغتيال، “سواء من خلال التخطيط أو التنفيذ أو الدعم الاستخباراتي واللوجستي”. ومن هذا المنطلق، فإن أي تحرك إيراني، بحسب تقديره، “يستند إلى مبدأ تحميل المسؤولية لمن تعتبره الجمهورية الإسلامية مسؤولا عن هذا الاعتداء، وليس إلى ردود فعل عشوائية أو انفعالية”.

ويضع الخفاجي خيارات الرد ضمن إطار أوسع من المواجهة متعددة الأدوات، إذ يبين أن إيران “تمتلك منظومة واسعة من خيارات الرد، تبدأ بالأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية، مرورا بالضغوط الاقتصادية والحرب السيبرانية والعمليات الاستخباراتية، وصولا إلى القدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية إذا رأت القيادة أن ذلك أصبح ضرورة لحماية الأمن القومي واستعادة الردع”. ويضيف أن “مفهوم الرد متعدد المستويات يشكل أحد أبرز مرتكزات العقيدة الدفاعية الإيرانية”، الأمر الذي يمنح صانع القرار الإيراني هامشا واسعا لاختيار التوقيت والوسيلة اللذين يحققان “أكبر أثر استراتيجي بأقل كلفة ممكنة”.

وانطلاقا من هذه المعادلة، يخلص المحلل إلى أن الثأر في الرؤية الإيرانية “ليس هدفا بحد ذاته، وإنما وسيلة لإعادة تثبيت معادلة الردع ومنع تكرار مثل هذه العمليات مستقبلا”. ويعتقد أن القيادة الإيرانية تضع في حساباتها الأبعاد الإقليمية والدولية لأي خطوة مقبلة، لذلك ستعمل على الموازنة بين إظهار القدرة على الرد والحفاظ على هيبة الدولة من جهة، وتجنب الانجرار إلى صراع مفتوح لا يخدم مصالح الجمهورية الإسلامية الاستراتيجية من جهة أخرى.

وفي السياق ذاته، يتوسع خطاب الثأر مع تأكيد خطيب جمعة طهران آية الله سيد أحمد خاتمي أن “الثأر لدم القائد الشهيد” يمثل مطلبا جامعا لكل الأطياف. وخلال خطبة الجمعة التي خصص جزءا منها للحديث عن مراسم تكريم “الإمام الشهيد وأسرته”، قال خاتمي إن البلاد والعالم الإسلامي يستعدان لتشييع مهيب لقائد الثورة الراحل، معتبرا أن هذه الجنازة تحمل سبع رسائل محورية.

وفي معرض حديثه عن الرسالة الأولى، أوضح آية الله خاتمي أنها تتمثل في تقدير الشعب وامتنانه لمسيرة النضال الطويلة التي خاضها القائد الراحل، حيث ثبُت على درب الثورة منذ عام 1963 وحتى استشهاده، متحملا السجن والنفي والعديد من المشاق، وقاد الأمة مدة 37 عاما، وأكمل بناء أسس النظام الجمهوري.

أما الرسالة الثانية، فوصفها الخطيب بأنها “ثأر العالم الإسلامي”، وقال: “لقد فقد العالم الإسلامي عظيمه وقُتل عظيمه”، مستنكرا اغتيال الإمام وهو صائم، واستشهاد طفل لم يتجاوز عمره ستة عشر شهرا إلى جانب عائلته، مؤكدا أن “دماء المظلومين تنبع من قاع الصخرة”، وأن الثأر لهم مطلبٌ مشروعٌ للجميع.

وشدد آية الله خاتمي على أن المشاركة الشعبية الواسعة في مراسم الوداع تُجسد رسالة ولاء للنظام الإسلامي، الذي هو أمانة الأنبياء والأئمة والشهداء، وأُسندت اليوم إلى الشعب، داعيا إلى استمرار النهج المقاوم والثبات على المبادئ التي أرساها القادة الراحلون.

واعتبر خطيب صلاة الجمعة في طهران مشاركة الشعب في هذه المراسم رسالة وفاء للنظام الإسلامي، وأضاف: “النظام الإسلامي هو أمانة الأنبياء والإمام والشهداء، وهذه الأمانة قد أوكلت اليوم إليكم أيها الناس. وأنتم أوفياء بعهدكم”. وأشار آية الله خاتمي إلى صمود وعدم كلل الشعب الإيراني، قائلا: “يشارك الشعب في مراسم الوداع وتشييع قائد الثورة الشهيد تكريما لعظيم كان في آخر لحظات عمره قبضته مشدودة لدى لقاء ربه؛ وهذه رسالة صمود، ومشاركة الشعب في هذه المراسم هي في الحقيقة رسالة مقاومة وثبات، وسيجعل الشعب الإيراني أمريكا و(إسرائيل) في حالة يرثى لها”.

وشدد على أن 47 عاما من صمود الشعب هو سر استمرارية النظام الإسلامي، وأكد: “النظام الإسلامي سيبقى صامدا لا محالة، وبالطبع إذا واصلنا طريق المقاومة، فلن يضرنا حقد ومكر الأعداء شيئا”. وأردف قائلا: “الرسالة الخامسة هي رسالة مبايعة لخليفة الولي الفقيه؛ بالرجل الصالح الذي يواصل طريق الإمام وقائد الثورة بصلابة وثبات. وهذا الحضور والتجمع الكبير هو مبايعة للولي الفقيه الثالث بعد الثورة”.

وأوضح خطيب صلاة الجمعة في طهران أن “الولي الفقيه هو الحجة الشرعية، مضيفا: “رأي ولي الفقيه ليس مجرد رأي شخصي، بل هو كلام يُعبر عنه بناء على الخبرة والدراسة والتحقيق”. وأكد قائلا: “الرسالة السادسة هي رسالة البصيرة. فالبصيرة تعني معرفة العدو. لقد استهدف العدو النظام منذ يوم التاسع من شهر رمضان، وسبيل مواجهته هو التواجد في الميدان وملء الشوارع. أنتم لم تغادروا الميدان منذ أكثر من أربعة أشهر، ولن تتركوه حتى تحقيق النتيجة”.

وقال خطيب صلاة الجمعة في طهران: “الرسالة السابعة هي رسالة البراءة من أمريكا المجرمة والكيان الصهيوني. البراءة ذاتها التي أكد عليها الإمام الخميني الراحل وقائدنا الشهيد طوال حياتهما، والتي يسير عليها قائد الثورة الحالي. إن الكراهية لأمريكا والكيان الصهيوني تموج في أعماقكم جميعا، وشعار “الموت لأمريكا” ليس مجرد شعار عادي بالنسبة لكم، بل هو شعار ينبع من الإيمان والعقيدة”.

من الردع النووي إلى الردع الجيوسياسي

في سياق مواز، اكتسب الحضور الدولي في مراسم التشييع بعدا سياسيا ودبلوماسيا لافتا، انعكس في سلسلة لقاءات ومواقف صدرت عن طهران خلال المناسبة. فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده لاستخدام أدواتها الدبلوماسية في اتجاه دعم المسارات الإنسانية والسياسية المرتبطة باليمن، خلال لقائه نائب رئيس الوزراء اليمني جلال الرويشان في طهران، حيث تبادل الطرفان رسائل سياسية عكست تقاربا في عدد من المواقف، في وقت عبر فيه الجانب اليمني عن تضامنه مع إيران، مقابل إشادة عراقجي بمواقف صنعاء.

وسجل عراقجي أيضا مشاركة ممثلين عن أكثر من سبعين دولة في مراسم التكريم، واعتبر أن هذا الحضور يعكس اتساع شبكة العلاقات الإيرانية وتعدد دوائرها الدبلوماسية. وفي هذا السياق، أشارت وزارة الخارجية الإيرانية إلى أن عددا من الوفود واجه ضغوطا للامتناع عن المشاركة، لكنها اختارت الحضور، ما أضفى على المناسبة بعدا سياسيا إضافيا. وعلى خط مواز، شملت اللقاءات الدبلوماسية وفد حزب الله، حيث جرى التأكيد على دور المقاومة، قبل أن يجدد عراقجي تأكيد دعم بلاده للقضية الفلسطينية خلال لقائه وفد حركة حماس، في مشهد يعكس تداخل البعد الدبلوماسي مع سياق المناسبة.

من جانبه، أكد مساعد قائد حرس الثورة الإيراني، العميد حسين معروفي، أن روسيا وإيران كانتا وستبقيان دائما شريكتين وحليفتين من دون أدنى شك، مشددا على أن موسكو تقف إلى جانب الجمهورية الإسلامية. وأوضح العميد معروفي أن البلدين تجمعهما روابط الجوار، لافتا إلى أن حسن الجوار يُعد سمة بارزة وطبيعية ميزت علاقاتهما الثنائية عبر التاريخ وحتى يومنا هذا. كما أشار مساعد قائد حرس الثورة إلى التحديات الدولية الراهنة، مؤكدا أن الغرب أراد إلحاق الهزيمة بروسيا وإيران، لكنه جزم بأن ذلك لن يحدث أبدا.

وكان نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري مدفيديف قد أكد، خلال لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن روسيا عازمة على توسيع تعاونها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مختلف المجالات. كما شدد مدفيديف على أن الاتحاد الروسي سيواصل دعم الحقوق والمصالح المشروعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في المحافل الدولية، مشيرا إلى أن الدول المعارضة للأحادية ينبغي أن تعزز تعاونها وتنسيقها أكثر من أي وقت مضى.

وفي سياق متصل، نقل مدفيديف أن حالة الحزن التي خيمت على إيران عقب وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي أسهمت في توحيد الشعب الإيراني. ونشر مقطع فيديو على حسابه في “تلغرام” أوضح فيه أن خامنئي لم يخضع للضغوط التي مارستها الولايات المتحدة والدول المنضمة إليها. وقال: “هذا الحزن وحد الشعب الإيراني، الذي لم يستسلم للضغوط التي نظمتها الولايات المتحدة والدول الأخرى المنضمة إليها، وصمد في هذا النضال، وأنا على يقين من أنه سينتصر في النهاية”.

وكان مدفيديف قد وصل في وقت سابق من يوم الجمعة إلى طهران ممثلا لروسيا في مراسم التشييع. وفي تعليق سابق له مطلع مارس، وصف عملية اغتيال خامنئي بأنها “عمل عسكري وحشي” نُفذ في انتهاك كامل لكافة معايير ومبادئ القانون الدولي، مضيفا في برقية تعزية موجهة إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: “لا يوجد ولا يمكن أن يوجد أي مبرر لهذا العمل العسكري الوحشي”.

لكن أهم ما أشار إليه مدفيديف في تصريحات نقلتها وسائل إعلام روسية عقب زيارته إلى طهران قوله إن “مضيق هرمز سلاح لا يقل قوة عن السلاح النووي بيد طهران”، وأن باب المندب سلاح “نووي حراري” في جعبتها. ولفت مدفيديف في إلى “قوة إيران التي تجلت في قدرتها على إغلاق حركة الملاحة في مضيق هرمز”، معتبرا أن هذا الإجراء يُظهر قدرة طهران على فرض معادلاتها في المنطقة وقوتها والرد على الضغوط التي تمارس ضدها وهذا ما يُشكل الآن محور النقاشات والاتفاقات حول كيفية استمرار عمل المضيق.

وأضاف أن مضيق هرمز أصبح بالنسبة لإيران “سلاحا لا يقل قوة عن السلاح النووي” في مواجهة الولايات المتحدة، وأن طهران تملك في جعبتها “سلاحا نوويا حراريا” آخر يتمثل في مضيق باب المندب”، وأوضح: “هذا المضيق يمكن استخدامه في حال النزاعات العسكرية ليخلق وضعا تغلق فيه جميع عمليات نقل النفط وغيره من الشحنات”. وتابع: “آمل ألا نصل إلى هذه النقطة لكن على جميع الدول التي تسعى إلى إشعال المواجهة في هذه المنطقة أخذ ذلك في اعتبارها”.

وعن المفاوضات بين طهران وواشنطن أكد مدفيديف أنها “دائما أفضل من غيابها”، مشددا على ضرورة أن تؤدي إلى نتائج ملموسة على الأرض، وليس أن تبقى مجرد حوار، وأن مذكرة التفاهم الموقعة بينهما تخلق أرضية للتفاوض، إلا أن عملية التوصل إلى اتفاقيات نهائية بين الجانبين ستكون بالغة التعقيد.

ولفت إلى أنه ليس الجميع في الولايات المتحدة يرغبون في رفع العقوبات عن إيران معتبرا أن ذلك سيجعل من الصعب للغاية التوصل إلى اتفاق حول رصد أموال إعادة الإعمار في إيران. وأشاد بالأجواء التي شهدها خلال زيارته طهران التي وصفها بأنها “مدينة تعيش وتتطور”، مما يعكس استقرارا داخليا رغم الضغوط الخارجية. وكشف عن أنه بحث مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فكرة إنشاء “منصة للدول الخاضعة للعقوبات” لتنسيق المواقف وتبادل الخبرات.

يرى خبير الشأن الروسي الدكتور سمير أيوب في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن قراءة حديث دميتري مدفيديف تستدعي وضعه داخل سياقه الاستراتيجي الواسع، بعيدا عن التفسير العسكري الحرفي، موضحا أن المقارنة بين مضيق هرمز والسلاح النووي، وبين باب المندب والسلاح النووي الحراري، تعكس “القيمة الجيوسياسية الهائلة التي تمثلها الممرات البحرية في معادلات القوة الدولية”. ويضيف أن طبيعة الاقتصاد العالمي المعتمد على الطاقة وسلاسل الإمداد تجعل من هذه الممرات عناصر تأثير تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.

سمير أيوب، خبير في الشأن الروسي

ويشير أيوب إلى أن مضيق هرمز يشكل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، حيث تمر عبره كميات كبيرة من النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملا قادرا على التأثير في أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية. ويستنتج من ذلك أن الإشارة إلى “السلاح النووي” لا تحمل معنى التسليح الفعلي، بل تعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تفرضه الجغرافيا الاستراتيجية على الاقتصاد الدولي عندما تتحول إلى نقطة ضغط.

وفي ما يتعلق بباب المندب، يربط الخبير بين أهميته ودوره في ربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وقناة السويس، ما يمنحه موقعا محوريا في مسارات التجارة العالمية. ويرى أن أي تهديد لاستقرار هذا الممر ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والتأمين ويعيد تشكيل خطوط الملاحة الدولية، لذلك فإن توصيف “السلاح النووي الحراري” يحمل دلالة على مستوى التأثير الاقتصادي لا على طبيعة عسكرية مباشرة.

ومن زاوية العقيدة الأمنية، يلفت أيوب إلى أن إيران تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره جزءا من الاستقرار الإقليمي، مع تأكيدها على أن مضيق هرمز يمثل “ورقة ردع استراتيجية” تُستخدم فقط في حال تعرض السيادة الوطنية لتهديد وجودي، ما يعكس منطق الردع القائم على القدرة لا على الاستخدام الدائم. ويخلص إلى أن تصريح مدفيديف يعكس تحولا في مفهوم القوة داخل النظام الدولي، حيث لم تعد القدرات العسكرية وحدها تحدد موازين النفوذ، بل أصبحت الجغرافيا الاستراتيجية وسلاسل الإمداد أحد عناصر التأثير الحاسمة في الاقتصاد العالمي.

وفي الاتجاه ذاته، يقدم محلل الشؤون الاستراتيجية ومدير مركز الدراسات الأوراسية دميتري بريجع قراءة تركز على التحول البنيوي في مفهوم القوة داخل العلاقات الدولية، حيث يرى في تصريح دميتري مدفيديف تعبيرا عن انتقال من منطق الردع العسكري التقليدي إلى منطق “الردع الجغرافي-الاقتصادي”.

ديمتري بريجع، باحث سياسي

ويوضح بريجع أن المقارنة التي وردت في التصريح بين المضائق البحرية والسلاح النووي تعكس إدراكا متزايدا بأن السيطرة على نقاط العبور الحيوية قد تنتج تأثيرات تضاهي في نتائجها الاقتصادية والسياسية تأثيرات الأسلحة الاستراتيجية، رغم اختلاف طبيعة الأدوات المستخدمة.

ويربط بريجع بين هذا التحول وطبيعة أي صراع محتمل مع إيران، موضحا أن السؤال المركزي لم يعد يقتصر على ميزان القوة العسكرية، بل يمتد إلى قدرة الأطراف على تحمل تداعيات تعطيل حركة الطاقة والتجارة العالمية. ويشير إلى أن مضيق هرمز يمثل نقطة ارتكاز في هذا السياق، لأن أي ارتفاع في مستوى المخاطر فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والنقل البحري وشركات التأمين.

وفي ما يتعلق بباب المندب، يعتبر بريجع أنه يشكل امتدادا لهذه المعادلة، حيث يرتبط باستمرارية تدفقات التجارة بين الشرق والغرب. ويرى أن الجمع بين هرمز وباب المندب في خطاب واحد يعكس فكرة “الردع المركب”، الذي يربط بين الجغرافيا البحرية وسلاسل الإمداد والأسواق المالية في منظومة تأثير واحدة. ويضيف أن أهمية هذا التصور تكمن في أنه يفرض على صناع القرار الدوليين حساب الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد عسكري في المنطقة، بما يجعل الجغرافيا عاملا مؤثرا في موازين الردع الحديثة.

ويخلص بريجع إلى أن التصريح يعكس مرحلة جديدة في الفكر الاستراتيجي العالمي، حيث أصبحت الممرات البحرية جزءا من أدوات القوة الدولية، وأحد محددات الاستقرار الاقتصادي العالمي، بما يجعل الجغرافيا الاستراتيجية عنصرا موازيا للقوة العسكرية في صياغة معادلات الردع في القرن الحادي والعشرين.

الجنازة المليونية تربك حسابات الخصوم

وعلى وقع الجنازة المليونية التي شيعت الشهيد خامنئي، صدرت من أعداء إيران مواقف عكست حجم المفاجأة التي أحدثها مشهد الحشود. فقد أقر المسؤول السابق في جهاز “الشاباك” الصهيوني عاميت آسا بأن التشييع المهيب “يُظهر قوة إيران”، معترفا بأن “النظام في إيران لا يزال يسيطر على الشارع” وقادر على استقطاب هذا الحجم من التأييد الشعبي.

وذهب آسا أبعد من ذلك حين اعتبر أن “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يفهم حقا من الذي يقف أمامه”، وأنه “يسير في الاتجاه الخاطئ”. وفي السياق ذاته، كشف الرئيس ترامب، في مقابلة مع موقع “أكسيوس”، أنه فوجئ بمشهد مراسم التشييع، قائلا: “كنت أعتقد أن الناس يكرهونه”. وتفتح هذه المواقف باب التساؤل حول ما إذا كانت مراسم الوداع قد فرضت قراءة جديدة لموقع إيران الداخلي والخارجي، وأعادت رسم تقديرات خصومها بشأن مستوى التماسك الشعبي وقدرة الدولة على إدارة لحظات التحول الكبرى.

يرى الدبلوماسي الإيراني السابق هادي أفقهي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن مراسم التشييع تجاوزت إطارها الجنائزي لتتحول إلى حدث سياسي واستراتيجي أعاد النظر في كثير من الانطباعات التي سادت خلال المرحلة الماضية. ويعتبر أن الرهان على أن استهداف قمة هرم القيادة سيؤدي إلى إرباك الدولة أو إضعاف تماسكها الداخلي اصطدم بحجم الحضور الشعبي والرسمي، الأمر الذي أبرز امتلاك الجمهورية الإسلامية “من العمق المؤسسي والرصيد الشعبي ما يجعلها قادرة على استيعاب الصدمات وتحويلها إلى عناصر قوة”.

هادي أفقهي، دبلوماسي إيراني سابق

وفي تقديره، انطلقت حسابات خصوم إيران من فرضية أن الضغوط العسكرية والأمنية، إلى جانب الحرب الإعلامية والنفسية، ستؤدي إلى إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، غير أن ما شهدته طهران اتجه في مسار مغاير. ويجد أفقهي أن المشاركة الواسعة حملت دلالة واضحة على أن المجتمع الإيراني يربط بين حماية سيادة الدولة واستقلال قرارها وبين الهوية الوطنية، وأن التحديات الخارجية تدفع نحو تعزيز التماسك الداخلي.

ويتوقف الدبلوماسي الإيراني السابق أيضا عند المشاركة الدولية الواسعة، معتبرا أن حضور ممثلين عن أكثر من سبعين دولة يعكس “حقيقة ثابتة في العلاقات الدولية، وهي أن إيران، رغم الخلافات السياسية والعقوبات، ما زالت تشكل رقما أساسيا في معادلات الإقليم والنظام الدولي”. ويضيف أن الدول لا ترسل وفودها الرسمية إلى مثل هذه المناسبات بدافع المجاملة، بل انطلاقا من إدراكها لمكانة الدولة وتأثيرها في ملفات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، يربط أفقهي بين التعبئة الشعبية والتمثيل الدولي، ويرى فيهما عنصرين متكاملين في بناء القوة الوطنية، لأن اجتماع الشرعية الداخلية والاعتراف الخارجي يمنح الدولة هامشا أوسع في إدارة الأزمات والدفاع عن مصالحها والتفاوض من موقع الثقة. وفي تحليله للرسائل التي حملتها مراسم التشييع، يلفت أفقهي إلى أن استهداف القيادات لا يعني استهداف الدولة، لأن بنية الجمهورية الإسلامية ترتكز على المؤسسات والثوابت الدستورية والعقائدية التي تضمن الاستمرارية. ومن ثم، فإن أي تقدير يفترض أن الاغتيالات أو الضغوط القصوى قادرة على تغيير الخيارات الأساسية لإيران يتجاهل طبيعة النظام السياسي الإيراني وآليات عمله.

ويخلص الخبير إلى أن مراسم التشييع حملت رسالة مباشرة إلى الخصوم مفادها أن أدوات الضغط التقليدية لم تعد كافية لإحداث تحول في السلوك الاستراتيجي الإيراني، وأن الجمهورية الإسلامية ما تزال تحتفظ بقدرتها على صون حضورها الإقليمي والدولي وإدارة التحديات استنادا إلى ثقة مؤسساتها ووحدة مجتمعها واستقلال قرارها السيادي.

وفي السياق كشف تحقيق صحفي استقصائي نشرته صحيفة عبرية النقاب عن حملة تضليل ممنهجة قادها المستوى السياسي الصهيوني، مدعومة بتواطؤ أجزاء من المؤسسة العسكرية والأمنية، بهدف تشويه وتضليل الرأي العام حول النتائج الحقيقية للعمليات العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية.

التقرير الذي رصد تآكل “الحقيقة” كأولى ضحايا الحرب، وثق كيف تم توظيف شخصيات ومؤسسات أمنية لتدبيج روايات نصر وهمية، في وقت كانت فيه التقييمات الاستخباراتية الداخلية تشير إلى الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، وبقاء التهديد الإيراني المتمثل في المواد الانشطارية والترسانة الصاروخية قائما وبقوة.

وبحسب التقرير، فإن جوهر هذه الفضيحة يتمحور حول الادعاءات التي أطلقها رئيس وزراء سلطة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تحدثت عن “التدمير الكامل” للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو وناتانز وأصفهان، وزعم أن الضربات قضت على التهديد النووي لأجيال قادمة.

إلا أن تقارير البنتاغون والاستخبارات الأمريكية والصهيونية الداخلية جاءت لتناقض هذه الرواية تماما، مؤكدة أن الأضرار جسيمة لكنها لم تصل إلى حد التدمير الشامل. وفي محاولة يائسة لإثبات صحة الرواية السياسية، مارس مكتب رئيس الوزراء ضغوطا هائلة على كبار ضباط الاستخبارات للتوقيع على وثائق تؤكد تدمير البرنامج النووي، وهو ما قوبل برفض قاطع من قبل قيادات استخباراتية عليا اعتبرت ذلك تزييفا للحقيقة وتجاوزا لأخلاقيات المهنة.

وفي ظل هذا الرفض المهني، لجأت الجهة السياسية إلى بدائل أكثر مرونة، حيث تم الضغط على “هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية”، التي يترأسها مدير عام لا يملك خلفية نووية تحليلية، لتوقيع وثيقة محرفة تشير إلى أن الهجمات جعلت منشآت التخصيب غير قابلة للاستخدام وأخرت البرنامج النووي لسنوات عديدة.

وقد نجحت هذه الوثيقة في تمرير الرواية السياسية ظاهريا، لكنها تغاضت عن الحقيقة الجوهرية التي حذر منها العلماء، وهي أن المواد الانشطارية الكافية لإنتاج عشرات القنابل الذرية لم تدمر، بل أخفتها إيران في ملاجئ محصنة، مما يعني أن التأخير الحقيقي للبرنامج النووي لم يتجاوز بضعة أشهر فقط، وليس “أجيالا” كما تم الترويج له.

ولم يتوقف التلاعب بالحقيقة عند الملف النووي فحسب، بل امتد ليشمل اختلاق ذرائع الحرب والتضليل بشأن التهديد الصاروخي. فقد برر المستوى السياسي الصهيوني شن العمليات بوجود “خطر إبادة نووي وشامل” وتقدم إيراني حاسم نحو امتلاك السلاح، رغم أن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية والصهيونية في ذلك الوقت كانت تؤكد عدم وجود “فريق أسلحة” نشط، وعدم صدور أي أمر من المرشد الأعلى علي خامنئي بتصنيع القنبلة.

بالتوازي مع ذلك، ادعى نتنياهو وقيادات (الجيش) “إزالة التهديد الوجودي” المتمثل في الصواريخ الباليستية الإيرانية، متجاهلين الحقيقة الرياضية والعسكرية التي تفيد بأن الغارات لم تدمر سوى ثلث الصواريخ ونصف منصات الإطلاق تقريبا، في حين نجت البنية التحتية الحيوية للإنتاج، مثل أجهزة المزج الكوكبية، مما أبقى الترسانة الصاروخية الإيرانية قادرة على التهديد.

وتوجها نحو توسيع دائرة التعتيم، أخفت المؤسسة العسكرية الصهيونية نتائج “تقييم الأضرار القتالية” الذي أُجري في أواخر عام 2025، والذي أثبت فشل تدمير المواقع النووية بشكل كامل، ورفضت الرد على أي استفسارات صحفية حول الموضوع. كما بالغت الرواية الرسمية في حجم الاستهداف الذي طال العلماء النوويين الإيرانيين، حيث تم الترويج للقضاء على “كل خبراء البرنامج”، بينما الواقع الاستخباراتي يشير إلى استشهاد تسعة علماء فقط، أربعة منهم من الصف الأول، من أصل مئات المهندسين والعلماء الذين يشكلون عمق المعرفة النووية الإيرانية، مما يجعل ادعاء تفكيك المنظومة العلمية مجرد دعاية إعلامية.

وفي الجولة الثانية من المواجهة التي اندلعت مطلع عام 2026، تجلى التناقض بين الواقع والاستراتيجية السياسية بوضوح أكبر، حين أصر نتنياهو على إضافة “إسقاط النظام الإيراني” كأحد الأهداف الرئيسية للحرب. ورغم التحذيرات الاستخباراتية القاطعة من شعبة الاستخبارات العسكرية والموساد، والتي وصفت الخطة بأنها “هلوسة” ومحكوم عليها بالفشل، اختار (الجيش) الصهيوني عدم مواجهة المستوى السياسي خوفا من التداعيات. وبدلا من ذلك، قام (الجيش) بإعادة صياغة الهدف ليضحي “تهيئة الظروف” للإطاحة بالنظام، وهي خطة باءت بالفشل الذريع، وانتهت بوصول مجتبى خامنئي إلى سدة الحكم، ليقود نظاما أكثر تشددا وتطرفا من سابقه.

وفي ختام هذا المشهد المعقد، برزت محاولات رسمية لاحتواء الأضرار، حيث نفى كل من مكتب مجرم الحرب نتنياهو، والمتحدث باسم (الجيش) الصهيوني، وهيئة الطاقة الذرية، ما ورد في التقرير الاستقصائي. وأكدوا أن العمليات كانت “تاريخية” وأزالت الخطر النووي والصاروخي، ووصفوا التقرير بأنه محاولة مغرضة للتقليل من الإنجازات الأمنية، بينما شددت هيئة الطاقة الذرية على صحة الوثيقة التي وقعتها، متجاهلة التحفظات العلمية التي رافقت صياغتها. لكن التقرير يخلص في النهاية إلى تحذير جسيم من خطورة تحول الأجهزة المهنية والعسكرية إلى مجرد أدوات دعاية سياسية، مما يمثل خطرا وجوديا على الكيان وقدرته على اتخاذ القرارات المصيرية بناء على معطيات حقيقية.