الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

خطاب إيراني ينسف مسار التسويات مع “إسرائيل”.. المهادنة = هزيمة مؤجلة

Author
الأيام نيوز 08 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شكّلت تصريحات علي أكبر ولايتي بشأن توازنات القوة وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، محورا لقراءات وتحليلات قدّمها لـ”الأيام نيوز” كلٌّ من حسن رضا، أستاذ العلاقات الدولية، وإياس الخطيب، الباحث السياسي، وإسماعيل نجار، أستاذ العلاقات الدولية، في محاولة لاستشراف دلالات التحولات المتسارعة التي تشهدها العلاقات بين إيران والغرب الداعم للكيان الصهيوني، وانعكاساتها على الساحات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان. ويُجمع هؤلاء على اعتبار أن الخطاب الإيراني المطروح يتجاوز حدود الظرفية السياسية الآنية، ليعكس رؤية استراتيجية تقوم على المزاوجة بين عناصر القوة وأدوات العمل الدبلوماسي، بما يعيد رسم موازين التأثير وأشكال التفاعل داخل المشهد الإقليمي.

وكان علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، قد أكد أن تحقيق سلام دائم يظل مرتبطا بتوازن القوى وليس بخيارات المهادنة، مشيرا إلى أن تصاعد القوة الإيرانية يعيد تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة. ووجه ولايتي تحذيرات غير مباشرة إلى أطراف لبنانية من ارتكاب ما وصفه بخطأ استراتيجي جسيم، في سياق حديثه عما اعتبره “هندسة جديدة للقوة” تتبلور في الإقليم.

وفي منشور له يوم السبت الماضي، اعتبر ولايتي أن “الكابوس الذي طالما خشيه المنظّرون الغربيون” أصبح واقعا، موضحا أن إيران تواصل تعزيز قدراتها في وقت تتبدل فيه خرائط النفوذ الإقليمي. كما أشار إلى ما نقلته وكالتا “رويترز” و”الغارديان” بشأن حاجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتفاق مؤقت لإعادة فتح مضيق هرمز، معتبرا أن ذلك يعكس تراجعا في فعالية سياسات الضغط على إيران وتقدما لصالح ما وصفه بمحور المقاومة. وشدد ولايتي على أن الرهان على المهادنة يمثل، في تقديره، خطأ استراتيجيا فادحا، معتبرا أن أي “هندسة جديدة للقوة” لن تقوم خارج منطق الصراع مع المقاومة، في إشارة إلى انخراط لبنان في مفاوضات مع “إسرائيل”.

كما حذر من كلفة “الأوهام الدبلوماسية”، مؤكدا أن السلام الدائم لا يتأسس إلا على توازن القوى، لا على التعهدات التي تفتقر إلى أدوات الإلزام. وتأتي هذه التصريحات في سياق ردود متبادلة، عقب مواقف عبر عنها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ضمن تصريحات وجّهها إلى الرئيس اللبناني جوزيف عون، خصوصا ما يتعلق بانتقاده لإيران و”حزب الله”، ودعوته إلى حماية لبنان من خصومه الذين يحمّلهم مسؤولية استمرار الأزمة الداخلية.

الدكتور رضا حسن، أستاذ العلاقات الدولية

في هذا السياق، يربط حسن رضا الخطاب الإيراني بمفهوم ثابت يقوم على إعادة إنتاج توازنات القوى داخل الإقليم، حيث يرى أن إيران تبني موقعها التفاوضي على امتلاك أدوات سياسية وعسكرية وإقليمية تمنحها قدرة أعلى على التأثير في مسار العلاقات الدولية. ويعتبر رضا أن طهران لا تتعامل مع التحولات باعتبارها استجابة ظرفية، بل تعتمد رؤية طويلة المدى تهدف إلى تثبيت حضورها داخل معادلات النفوذ.

ويقرأ رضا تحذيرات الخطاب الإيراني من خيار “المهادنة” بوصفها رفضا لأي تسوية مع “إسرائيل” أو القوى الغربية، إذ يرى أن هذه التسويات تعيد إنتاج التوتر بدل إنهائه، وتفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى وفق شروط الطرف الأقوى. ويضيف رضا أن الإشارة إلى “الهندسة الجديدة للقوة” ترتبط بمحاولة إيران تثبيت حلفائها داخل بنية أمنية واسعة تشمل الساحة اللبنانية، وهو ما يفسر، في تقديره، حساسية الخطاب تجاه أي مسار تفاوضي مستقل.

وفي سياق موقف بيروت، يرفض رضا توصيف “الاصطفاف الصريح” ويعتبره غير دقيق، ويشير إلى أن الساحة اللبنانية تعكس تباينات داخلية حادة، بينما تتحرك التصريحات الإيرانية ضمن أدوات ضغط سياسي ورسائل ردعية توجهها طهران لإدارة التوازنات لا لكسرها.

وبالعودة إلى تصريحات الوزير عراقجي، تجدر الإشارة إلى أنه خاطب الرئيس اللبناني جوزيف عون داعيا إياه إلى “إنقاذ لبنان من عدوه الحقيقي”، ردا على اتهامات وجّهها الرئيس اللبناني لطهران باستخدام بلاده ورقة ضغط في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وأكد عراقجي، في تغريدة على منصة “إكس”، أن إيران ليست الطرف المسؤول عن معاناة اللبنانيين، مضيفا: “قد يظن المرء من خلال تصريحات عون أن إيران هي من تحتل خُمس لبنان، وشردت ربع اللبنانيين، وتقصف البلاد يوميا”.

وقال وزير الخارجية الإيراني: “لو كان لبنان ورقة مساومة بالنسبة لإيران، لكان تم التوصل إلى اتفاق منذ زمن بعيد”. وجاءت تصريحاته عقب مقابلة أجراها الرئيس اللبناني مع شبكة “سي إن إن”، وجّه خلالها انتقادات إلى طهران، متهما إياها باستخدام لبنان ورقة مقايضة في صراعها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، على حساب الشعب اللبناني.

وأكد عون أن اللبنانيين “سئموا الحروب ويريدون العيش بسلام”، مشددا على ضرورة إنهاء دوامة الدمار المتكررة التي تضرب البلاد. وقال: “هذا بلدنا وليس بلدكم”، في رسالة مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، مضيفا أن الشعب اللبناني هو من يدفع ثمن مصالح إيران.

وأعلن عون التزامه بدفع مسار التفاوض مع “إسرائيل” بهدف التوصل إلى اتفاقات توقف الحرب المستمرة، معتبرا أن هناك “فرصة تاريخية” لإنهاء عقود من العداء منذ عام 1948. وقال الرئيس اللبناني إن بلاده مستعدة بالكامل لخوض مفاوضات تنهي الحرب، موجّها رسالة إلى “إسرائيل” مفادها أن السلام والأمن لن يتحققا بالقوة العسكرية وحدها.

وبينما كان منتظرا أن يتلقى الرئيس اللبناني خطاب مدح من “تل أبيب”، حملت الأخبار عكس المتوقع، فقد استشهد 3 عسكريين لبنانيين، بينهم ضابطان، يوم السبت، في غارة صهيونية استهدفت آلية للجيش اللبناني جنوبي البلاد، في إطار الخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 17 أفريل الماضي.

وأفاد الجيش اللبناني، في بيان نقلته وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، بـ”استشهاد ضابطين، برتبتي عميد ونقيب، وجندي” إثر غارة صهيونية استهدفت آلية عسكرية على طريق كفرتبنيت – الخردلي (النبطية)، جنوبي البلاد. وقال الجيش إن “استمرار العدوان الصهيوني الوحشي المتعمد والمتكرر على لبنان وشعبه وعلى الجيش، يزيدنا صلابة وإيمانا وعزما على التصدي لهذه المحاولات العدوانية”.

وأشار إلى أن استمرار العدوان الصهيوني يهدف إلى “إفشال جميع المساعي للوصول إلى حل يتيح إعادة الاستقرار، ووقف إطلاق النار الشامل، والانسحاب الصهيوني من الأراضي اللبنانية المحتلة”. وقبل ذلك، نشر الجيش اللبناني بيانا أوليا أفاد فيه بـ”استشهاد عدد من العسكريين بينهم ضابط بغارة عدوانية همجية صهيونية استهدفت آلية عسكرية على طريق الخردلي – النبطية”.

هل انتهى زمن المهادنة أم بدأ؟

وكانت وكالة الأنباء اللبنانية قد ذكرت في حينه أن “ضابطا برتبة عميد في الجيش اللبناني وسائقه استشهدا في غارة، استهدفت سيارته الرباعية الدفع على طريق الخردلي – النبطية”، دون أن تورد مزيدا من التفاصيل. وفي سياق منفصل، ذكرت وكالة الأنباء اللبنانية أن “الطيران الحربي الصهيوني شن فجر غارتين، استهدفتا حسينية بلدة سحمر في قضاء البقاع الغربي (شرق) ومقر الكشاف ولم يبلغ عن وقوع إصابات”.

وأضافت: “كما شن الطيران المعادي ليلا غارة على وادي جرنايا بمنطقة جزين (جنوب)”. وأردفت الوكالة أن “مسيرة معادية استهدفت منطقة الخلة في بلدة جويا قضاء صور (جنوب)”. وتابعت: “كما شن الطيران الحربي المعادي غارة على الزرارية في قضاء صيدا”.

ويأتي تصاعد العدوان الصهيوني رغم وقف إطلاق النار الهش منذ 17 أفريل، والذي مددته واشنطن حتى مطلع جويلية المقبل، ورغم الجهود الدبلوماسية المتواصلة لتثبيته ومنع انهياره. وفي ختام 4 جولات تفاوض في واشنطن، أعلنت الولايات المتحدة ولبنان والكيان الصهيوني، يوم الخميس، إعلان نوايا يتضمن وقفا كاملا لنيران “حزب الله” وإبعاد عناصره من منطقة جنوب نهر الليطاني.

لكن الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم هاجم نتائج المفاوضات، واعتبرها “مرفوضة جملة وتفصيلا من شرائح واسعة من الشعب اللبناني”. وعلى خلفية حرب إيران تشن “إسرائيل” منذ 2 مارس عدوانا موسعا على لبنان، خلف 3 آلاف و558 شهيدا و10 آلاف و870 جريحا حتى الجمعة، إضافة إلى أكثر من مليون نازح.

وأعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفض حزبه لأي محادثات لبنانية صهيونية، واصفا إياها بأنها استسلام، ومؤكدا رفض أي هدنة تنتج عنها. ورغم خطاب عون ضد حزب الله، شدد على أن معالجة ملف الحزب لا يمكن أن تتم إلا عبر مؤسسات الدولة اللبنانية وبعد انسحاب القوات الصهيونية، مؤكدا أن الحل النهائي لن يكون إلا عبر الدبلوماسية وطاولة المفاوضات.

إياس الخطيب، باحث سياسي

من جهته، يقرأ إياس الخطيب تصريحات علي أكبر ولايتي ضمن تصور يقوم على الجمع بين التفاوض السياسي وبناء القوة الميدانية، حيث يرى أن إيران تشتغل على مسارين متوازيين يلتقيان في نقطة تعزيز النفوذ. ويستند الخطيب إلى هذا المعطى ليصف بنية الحركة الإيرانية داخل المشهد الدولي، معتبرا أن طهران لا تفصل بين أدوات الدبلوماسية وأدوات القوة، بل توظفهما داخل مسار واحد لإعادة تثبيت موقعها في التوازنات الدولية.

ويستحضر الخطيب نصّا دالا على هذا التوجه حين يشير إلى أن “تصريحات علي أكبر ولايتي تأتي لتؤكد على أنَّ بلاده تجلس على طاولة المفاوضات، لكنها في الوقت نفسه تعزّز من قدراتها العسكرية، ومن شبكة تحالفاتها الدولية (ونحن نرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جولاته المكوكيَّة امتدادا من الصين، إلى روسيا، وليس انتهاء بمسقط وإسلام آباد..)، أضف إلى ذلك تعزيز الحضور الإيراني والتحكّم بحركة الملاحة في مضيق هرمز..”.

ويتابع: “كل ذلك يعطي دلالات بأنَّ العالم الذي يُعاد رسمُه وتشكيله يحتاج إلى قوّة فاعلة على الأرض، وتمسك بخيوط اللعبة على الأصعدة المختلفة، العسكرية منها، والسياسية، والاقتصادية، والأمنية.. مع عدم التخلّي عن الدبلوماسية، ولكن الدبلوماسية المبنيّة على نقاط قوّة تستند إليها الدولة الجالسة على طاولة المفاوضات وليس العكس..”.

ويذهب الخطيب إلى أن هذا النمط يكشف سعي إيران إلى تثبيت موقعها ضمن القوى الكبرى، حيث يعتقد “أنَّ الصورة أصبحت جليّة أكثر من أي يوم مضى، إيران تحاول أن تحجز لنفسها مقعدا بينَ الكبار، وأن تكونَ شريكة في رسم معالم ونفوذ العالم الجديد.. وبالاستناد إلى دروس التاريخ، فقد تعلّمت إيران الدرس الذي يقول: أنَّ السلاح الذي تسلّمه طواعية، قد يُستعمل ثمن رصاصة في رأسك.. وأن الورقة التي يوقّعها القوي، يحرقها متى شاء، وأن “الضمانات” لا تحمي إلَّا من يملك القدرة على فرضها..”. كما يربط الخطيب هذا التصور بمنطق الصراع الدولي الراهن، إذ “لأنَّ من يطلب منك السَّلام وهو أقوى منك، قد يكون فقط يريدك أعزلا قبل القتل..”.

وفي مستوى آخر، يستحضر الخطيب خطابا دينيا–سياسيا حاضرا في السياق الإيراني، حيث يرى أن “من خلف تلك الدروس تطل إيران برأسها لتذكرنا بنبوءة آية الله محيي الدين حائري الشيرازي وهو على فراش الموت عندما قال: إيران ستبتلع أمريكا.. ستبتلعها بالمعنى الحرفي، مثلما يبتلع الدراكون الثعبان..”. ثم يربط هذا الطرح بالتحولات التي يشهدها النظام الدولي، معتبرا أن “إيران أصبحت تدرك تماما بأننا اليوم في زمن يفرض فيه الأقوياء أجنداتهم، خاصة أن القانون الدولي والمنظمات الدولية ومجلس الأمن والأمم المتحدة، وكل تلك المؤسسات التقليدية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تفقد قيمتها وقوة تأثيرها أمام الهيمنة الأمريكية التي تسير وفق شريعة الغاب..”.

ويخلص الخطيب إلى أن “المهادنة اليوم مع أمريكا هي هزيمتك غدا، والنزول عند رغبة الأمريكيين يعني استسلامك إلى الأبد، وتقديم الولاء لأمريكا يعني أن تفقد السيادة..”. كما يوسّع قراءته نحو البعد الثقافي، معتبرا أن “الصراع الحاصل ليس بعيدا عن صراع الحضارات، فأمريكا تحت شعار “الإمبريالية الجديدة” تريد أن تبتلع ثقافات العالم المختلفة، والحضارات المتنوعة، واللغات المتعددة تحت هيمنة وسطوة ما يُسمّى بـ(العالم الأمريكي المتحضر)، تماما كما فعلت أمريكا ونجحت في أماكن عدة في إخضاع الشعوب والدول تحت شعارات ناعمة أسست لها، كشعار “الديمقراطية”، وغيرها..”.

ويشير كذلك إلى أن إيران “لن تفصل الساحات، بل ستعمل على زيادة تماسكها ووحدتها”، قبل أن يربط ذلك بتصعيد المواجهة الإقليمية، وصولا إلى القول إن “القوة إذن هي صاحبة الكلمة العليا اليوم..”. ويضيف، في سياق الملف اللبناني، أن “المفارقة أن إيران التي تحاول كبح تمدد المشروع الصهيوني في المنطقة، وخاصة داخل الأراضي اللبنانية، تُقابل بتصريحات من الحكومة اللبنانية تعبّر، بل وتفصح اليوم أكثر من أي وقت مضى، عن اختيارها طريق الاستسلام للصهيوني بدلا من مقاومته..”.

إسماعيل نجار، أستاذ العلاقات الدولية

في المقابل، يقدّم إسماعيل نجار مقاربة تركز على طبيعة العلاقات الإقليمية وآليات إنتاج النفوذ داخلها، إذ يربط تصريحات ولايتي بمنطق “إدارة النفوذ” أكثر من ارتباطها بمفهوم سيادة الدول. ويرى، من موقعه الناقد للسياسات الإيرانية، أن هذا التصور يعكس توظيف توازن القوى لتكريس وقائع سياسية قائمة، في وقت تتحكم فيه قوى تتجاوز حدود العواصم الوطنية بمسارات التأثير الإقليمي وفق حسابات تتخطى القرار السيادي للدول.

وفي هذا السياق، يعتبر نجار أن التحذير من “المهادنة” لا يقتصر على كونه موقفا سياسيا أو أيديولوجيا، بل يؤدي وظيفة ضغط تهدف إلى تضييق هامش الحركة أمام الدول الأصغر، وفي مقدمتها لبنان، من خلال تصوير أي محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية أو البحث عن مخارج للأزمات الداخلية باعتبارها خيارا محفوفا بالمخاطر.

وعند مقاربته للحالة اللبنانية، يربط نجار بين الخطاب الإقليمي السائد والتحولات التي طرأت على موقع الدولة اللبنانية، موضحا أن جوهر الأزمة لا يكمن في تبادل التصريحات بقدر ما يتجلى في النظر إلى لبنان باعتباره ساحة لتبادل الرسائل وردود الفعل، لا دولة تمتلك القدرة الكاملة على إنتاج قرارها السياسي. وبرأيه، فإن هذا الواقع يضاعف من حجم التحديات، لأن السيادة تتحول إلى موضوع تفاوض وتجاذب دائمين بدل أن تبقى حقا سياسيا ثابتا، ما يجعل الخطاب السياسي جزءا من أدوات التأثير المباشر في المشهد الداخلي.

النفوذ والصراع والردع.. مقاربات متباينة لمعادلة لبنان

أما في قراءته لطبيعة العلاقة بين إيران وبيروت، فيرى نجار أن التصريحات الإيرانية تعكس نمطا من العلاقات الإقليمية لا يقوم على قاعدة “دولة إلى دولة”، بقدر ما يتحرك ضمن معادلة “محور وساحة”. ويعتبر أن هذه المعادلة تكشف عن ميزان قوة غير متكافئ، يحضر فيه لبنان بكثافة داخل الخطاب الإقليمي أكثر مما يحضر في صناعة قراره السيادي، وهو ما يفسر، في تقديره، استمرار التوتر بين مقتضيات القرار الوطني من جهة، وتأثيرات البيئة الإقليمية من جهة أخرى.

غير أن هذه المقاربة، رغم ما تطرحه من أسئلة حول السيادة وحدود النفوذ الإقليمي، تبدو قاصرة عن الإحاطة بكامل المشهد اللبناني إذا ما جرى عزلها عن العامل الصهيوني. فتركيز القراءة على علاقة بيروت بطهران يتجاهل، حقيقة أن “إسرائيل” تظل المصدر الأوحد لأي تهديد أمني يواجهه لبنان، سواء من خلال الاعتداءات العسكرية المتكررة أو محاولات فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة في المنطقة.

ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن النفوذ الإيراني بمعزل عن الضغوط الصهيونية يفضي إلى قراءة غير مكتملة للأزمة، إذ يغفل أن جزءا معتبرا من التوازنات اللبنانية نشأ أساسا كرد فعل على عقود من الاحتلال والاعتداءات والحروب التي استهدفت الأراضي اللبنانية. كما أن تصوير المقاومة بوصفها مجرد امتداد لمحور إقليمي يتجاهل حقيقة أنها تمثل، بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين، أداة ردع في مواجهة مشروع عدائي صهيوني لا يخفي سعيه إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية المحيطة به بما يخدم مصالحه الاستراتيجية.

وعليه، فإن اختزال المعضلة اللبنانية في مسألة ما يُسمى “النفوذ الإيراني” يفضي إلى إغفال طرف أساسي في معادلة التدمير. فـ”إسرائيل” ليست مجرد عنصر خارجي عابر في المشهد، بل طرف عدائي يسعى باستمرار إلى توظيف موازين القوة لصالحه، مستفيدا من حالة الانقسام الداخلي والاختلالات الإقليمية. لذلك فإن أي مقاربة تتناول مستقبل لبنان واستقراره تبقى ناقصة ما لم تضع في الحسبان طبيعة السياسات الصهيونية وأثرها المباشر في إنتاج الأزمات وإدامة حالة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.