الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

خطاب الكراهية عبر مواقع التواصل تحت طائلة القانون

Author
الأيام نيوز 04 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء واسع لتبادل الآراء والمعلومات، غير أن بعض المستخدمين يوظفونها أيضا لنشر خطابات التمييز والتحريض على الكراهية، وهو ما دفع المشرّع الجزائري إلى وضع إطار قانوني يجرّم هذا السلوك، خاصة عندما يستهدف فئات تحظى بحماية قانونية، وفي مقدمتها الأطفال. وتزداد أهمية هذا الملف مع اتساع استخدام الوسائط الرقمية وقدرتها على التأثير في الأفراد والمجتمع، الأمر الذي يفرض ترسيخ التوازن بين حرية التعبير وصون الكرامة الإنسانية وحماية الحقوق الأساسية.

هذا النقاش عاد بقوة إلى الواجهة بعد القضية التي باشرتها نيابة الجمهورية لدى محكمة بوفاريك، والتي أعادت طرح تساؤلات قانونية حول حدود المسؤولية الجزائية عن المحتوى المنشور عبر وسائل الاتصال الحديثة، ومدى قدرة المنظومة التشريعية على التصدي لخطابات الكراهية التي تنتشر في الفضاء الرقمي.

وأعلنت نيابة الجمهورية لدى محكمة بوفاريك، في بيان أصدرته أمس الإثنين، أنها رصدت منشوراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي تضمن عبارات متطرفة منافية للآداب العامة والأخلاق، وحمل خطاباً تمييزياً يحرض على الكراهية ضد الأطفال بسبب شكل لباسهم.

وأفادت وزارة العدل أن التحقيق الابتدائي مكن من تحديد هوية المشتبه فيه، المدعو سعيود أنور، حيث قدم أمام الجهات القضائية يوم 3 أوت 2026، وتابع وفق إجراءات التلبس بجنحتي التمييز والنيل من الحياة الخاصة للطفل عن طريق منشورات من شأنها الإضرار به، استناداً إلى المادتين 2 و31 من القانون رقم 20-05 المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحتهما، والمادة 140 من القانون رقم 15-12 المتعلق بحماية الطفل. وأمر قاضي التحقيق بإيداعه الحبس المؤقت في انتظار محاكمته المقررة يوم 5 أوت 2026.

وتفتح هذه القضية الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بكيفية تعامل القانون الجزائري مع المنشورات التي تتضمن خطاباً تمييزياً أو تحريضاً على الكراهية ضد الأطفال بسبب لباسهم أو مظهرهم، وهل يشترط القانون تحديد طفل بعينه حتى تقوم المسؤولية الجزائية، أم يكفي استهداف فئة كاملة من الأطفال لتحريك الدعوى العمومية؟

الدكتور موسى بودهان، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر

ويرى الخبير القانوني درويش عبد المجيد في تصريحات لـ”الأيام نيوز”، أن التشريع الجزائري يصنف خطاب الكراهية والتمييز ضمن الجرائم التي تمس النظام العام والسلم الاجتماعي، لذلك لا يربط قيام المسؤولية الجزائية بوقوع اعتداء مادي أو تحقق ضرر فعلي. ويوضح أن نشر عبارات تحرض على الكراهية أو التمييز بسبب المظهر أو اللباس أو أي سبب آخر يكفي لقيام الجريمة متى استوفت أركانها القانونية.

ويشير المتحدث إلى أن القانون يمنح الأطفال حماية خاصة، لذلك يجرم كل سلوك ينتقص من كرامتهم أو يحرض على ازدرائهم أو يعرضهم لأذى نفسي أو اجتماعي، سواء وقع ذلك في الواقع أو عبر وسائل الاتصال الحديثة. ويضيف أن المشرع لم يحصر الحماية في مواجهة الاعتداءات الجسدية، بل وسعها لتشمل كل أشكال الإساءة التي قد تؤثر في شخصية الطفل وتوازنه النفسي والاجتماعي.

ويؤكد درويش عبد المجيد أن المسؤولية الجزائية لا ترتبط باستهداف طفل محدد، بل تمتد إلى كل خطاب يحرض على الكراهية ضد فئة كاملة من الأطفال. ويشرح أن قانون الوقاية من التمييز وخطاب الكراهية يعاقب على التحريض ضد مجموعة من الأشخاص متى قام الخطاب على التمييز أو ازدراء فئة معينة أو الدعوة إلى الكراهية ضدها، ولذلك فإن استهداف الأطفال بسبب لباسهم أو مظهرهم أو أي صفة مشتركة بينهم يوسع دائرة الضرر ويغذي السلوك التمييزي داخل المجتمع، وهو ما يمنحه خطورة قانونية واجتماعية بالغة.

ويبرز الخبير القانوني أن المشرع أخضع المحتوى المنشور عبر وسائل الاتصال الحديثة للقواعد نفسها التي تحكم المسؤولية الجزائية في وسائل النشر الأخرى، الأمر الذي يعني أن الفضاء الرقمي لا يشكل منطقة خارج القانون. ويشير إلى أن قانون الوقاية من التمييز وخطاب الكراهية، إلى جانب قانون حماية الطفل، وفر للسلطات القضائية أدوات قانونية لملاحقة كل محتوى يحرض على الكراهية أو يستهدف الفئات التي تحظى بحماية خاصة.

خطاب الكراهية ليس رأياً.. بل جريمة يعاقب عليها القانون

من جهته، يؤكد الخبير القانوني بن زعيم نور الدين في تصريحات لـ”الأيام نيوز أن القانون الجزائري يتعامل بصرامة مع المنشورات التي تتضمن خطاباً تمييزياً أو تحريضاً على الكراهية ضد الأطفال، لأنه يصنفها ضمن الأفعال التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، ولا يضعها في خانة الآراء أو التعليقات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

بن زعيم نور الدين، خبير قانوني

ويلفت إلى أن الطفل يتمتع بحماية قانونية خاصة، وأن كل محتوى يحوله إلى هدف للسخرية أو الإقصاء أو الوصم بسبب لباسه أو مظهره يفتح المجال أمام المتابعة الجزائية، انطلاقاً من مبدأ أن حرية التعبير تقف عند حدود الاعتداء على كرامة الآخرين والإضرار بالمجتمع.

ويذهب بن زعيم إلى أن استهداف فئة كاملة من الأطفال يحمل خطورة أكبر من توجيه الإساءة إلى طفل واحد، لأن هذا النوع من الخطاب يسهم في نشر ثقافة التمييز ويشجع على نبذ مجموعة كاملة داخل المجتمع. ويضيف أن القانون لا يشترط تحديد ضحية بعينها لتحريك الدعوى العمومية، إذ يكفي أن يتضمن المحتوى تحريضاً على الكراهية ضد فئة محمية حتى تتدخل الجهات القضائية، بهدف الحد من انتشار هذا السلوك قبل أن يتحول إلى ممارسات تمس الأمن الاجتماعي وحقوق الأطفال.

ويرى المتحدث أن التشريعات الجزائرية اعتمدت سياسة ردعية في مواجهة الجرائم المرتكبة عبر وسائل الاتصال الحديثة، وأخضعت الفضاء الرقمي للأحكام القانونية ذاتها التي تحكم باقي وسائل النشر. ويشير إلى أن النيابة العامة تملك صلاحية التحرك فور رصد المحتوى المخالف، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو بالفئات التي يحميها القانون، حتى في غياب شكوى من الضحية. ويخلص إلى أن استغلال المنصات الرقمية لنشر الكراهية أو التمييز يعرّض صاحبه للمساءلة والعقوبات الجزائية، لأن حماية الطفل وصون السلم الاجتماعي يدخلان ضمن أولويات السياسة التشريعية في الجزائر.

الدكتور موسى بودهان، أستاذ في القانون الدستوري

ويتفق الأستاذ في القانون الدستوري، موسى بودهان، مع هذا الطرح، غير أنه يوسّع زاوية المعالجة، من خلال ربط حماية الطفل بالمنظومة الدستورية والقانونية والمؤسساتية التي أرستها الجزائر خلال السنوات الأخيرة. ويوضح أن حماية الأطفال لا تقوم على نص قانوني واحد، بل تستند إلى منظومة متكاملة تضم الضمانات الدستورية، والقوانين الخاصة، والنصوص التنظيمية، إلى جانب مؤسسات وهيئات تسهر على تنفيذ هذه الأحكام ميدانياً. ويؤكد أن المشرّع تبنى مقاربة شاملة تجمع بين الردع والوقاية، بهدف حماية الطفل من مختلف أشكال الاعتداء والاستغلال، وضمان سلامته الجسدية والنفسية والمعنوية.

ويشير بودهان إلى أن هذه المنظومة تستند إلى دستور 2020 الذي منح حماية الطفل مكانة واضحة، إلى جانب قانون حماية الطفل، وقانون العقوبات، وعدد من النصوص التنظيمية التي تحدد آليات التكفل بالأطفال المعرضين للخطر. ويضيف أن هذه القاعدة القانونية تنطلق من اعتبار الطفل صاحب حقوق تستوجب الحماية والرعاية، الأمر الذي يفرض على جميع المتدخلين احترام كرامته وصون مصالحه.

ويبرز المتحدث أن المادة 71 من الدستور كرست مبدأ المصلحة الفضلى للطفل باعتباره المرجعية الأساسية في كل السياسات والإجراءات المتعلقة بهذه الفئة. ويؤكد أن الدستور حمّل الدولة مسؤولية توفير الحماية والرعاية، وربطها في الوقت نفسه بمسؤولية الأسرة، إذ ألزم الأولياء بالقيام بواجباتهم في التربية والرعاية والحماية، مع إخضاع حالات الإهمال أو التقصير للمساءلة القانونية متى عرضت الطفل للخطر أو حرمته من حقوقه الأساسية.

ويضيف أن النص الدستوري أولى عناية خاصة بالأطفال المتخلى عنهم أو المشردين، وألزم الدولة بتوفير الرعاية والتكفل اللازمين لهم، بما يضمن إدماجهم داخل المجتمع وحمايتهم من مختلف صور الاستغلال والانحراف. ويرى أن هذا التوجه يرسخ مبدأ حماية الطفولة باعتباره التزاماً دستورياً تشترك في تنفيذه مؤسسات الدولة والأسرة والمجتمع.

منظومة قانونية متكاملة لحماية الطفولة

وينتقل بودهان إلى الحديث عن صور الاعتداء التي يشملها التشريع الجزائري، موضحاً أن الحماية القانونية تمتد إلى العنف الجسدي والنفسي والجنسي، والإساءة اللفظية، والاستغلال الاقتصادي، وكل الممارسات التي تمس كرامة الطفل أو تعرقل نموه الطبيعي. ويشير إلى أن القانون يمنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تهدد صحتهم أو تحرمهم من حقهم في التعليم، ويجرم استغلالهم في الأنشطة الإجرامية، مثل شبكات الاتجار بالمخدرات أو التسول أو غيرها من الأفعال التي تعرضهم للخطر، مع فرض عقوبات مشددة على مرتكبي هذه الجرائم.

ويربط الأستاذ في القانون الدستوري هذه الأحكام بالتحولات التي فرضها الفضاء الرقمي، موضحاً أن الاعتداء على الطفل لم يعد يرتبط بالأفعال المباشرة وحدها، بل يشمل أيضاً كل محتوى يتضمن التشهير بالأطفال، أو التنمر عليهم، أو التحريض ضدهم، أو انتهاك خصوصيتهم عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ويبين أن هذا النوع من المحتوى قد يخلف آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، الأمر الذي دفع المشرع إلى إدراجه ضمن الأفعال التي تستوجب الحماية القانونية والتدخل القضائي.

ويؤكد بودهان أن التطور الذي شهدته المنظومة التشريعية خلال السنوات الأخيرة يعكس حرص الدولة على مواكبة أنماط الجريمة المستحدثة، خاصة تلك المرتبطة بالوسائط الرقمية. ويشير في هذا السياق إلى أن القانون 25-14 جاء ليعزز الحماية الجزائية للطفل ويوفر أدوات قانونية أكثر صرامة في مواجهة الانتهاكات التي تستهدف هذه الفئة، موضحاً أن الإصلاحات القانونية شملت أيضاً مراجعة عدد من النصوص ذات الصلة لسد الثغرات وتكييف التشريعات مع المستجدات الاجتماعية والإجرامية.

ويضيف أن السياسة التشريعية تقوم على الجمع بين الردع والوقاية، من خلال تشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم الواقعة ضد الأطفال، وتوسيع نطاق الحماية ليشمل مختلف صور الاعتداء والاستغلال، بما يوفر حماية أكثر فعالية لهذه الفئة. ويرى أن هذا التوجه ينسجم مع أحكام الدستور والالتزامات الدولية للجزائر في مجال حماية حقوق الطفل، ويؤكد حرص السلطات على تطوير التشريعات بما يواكب تطور وسائل ارتكاب الجرائم.

ويشير المتحدث أيضاً إلى أن التشريعات الخاصة بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية أولت اهتماماً بحماية الأطفال من الاستغلال داخل الشبكات الإجرامية، بعد أن أظهرت التجارب استهداف هذه الشبكات للفئات الهشة في تنفيذ أنشطتها غير المشروعة. ويؤكد أن تشديد العقوبات في هذا المجال يهدف إلى قطع الطريق أمام كل أشكال استغلال الأطفال وإبعادهم عن دوائر الجريمة.

ولا يحصر بودهان مسؤولية حماية الطفولة في النصوص القانونية وحدها، بل يربطها بوجود منظومة مؤسساتية تضم الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة، إلى جانب قطاعات حكومية عديدة، منها التضامن الوطني، والصحة، والعمل، والتربية، وغيرها من الهيئات التي تتكامل أدوارها في الوقاية والتكفل والمرافقة. ويلفت إلى أن المجتمع المدني يؤدي بدوره وظيفة أساسية في نشر ثقافة حقوق الطفل، والتوعية بمخاطر العنف والاستغلال، ودعم الجهود الرامية إلى ترسيخ بيئة آمنة للأطفال.