السبت، 12 سبتمبر 2026 — 28 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

“خطوات النور” بجامع الجزائر.. تكوين يحفظ هوية المصحف وفنون الخط 

Author
هارون عمري 12 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

أعلن المركز الثقافي لجامع الجزائر عن قائمة المشاركين المقبولين في البرنامج التكويني “خطوات النور“، الذي يضم ورشات في الزخرفة وأصولها، والضوابط العلمية، وتقييم وكتابة المصاحف، والخط العربي، ضمن التحضيرات الخاصة بإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، ويجمع البرنامج مجالات ترتبط مباشرة بسلامة الصفحة القرآنية وتكوينها الجمالي، بدءا من رسم الحرف وضبطه، وصولا إلى مراجعة النص وبناء الزخارف واختيار العناصر البصرية الموافقة لخصوصية المصحف الجزائري. 

ويرى الخطاط إسماعيل عبد الجواد، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن هذه الورشات تمنح الكفاءات الناشئة فرصة لتلقي المعرفة على أيدي مختصين، وفهم الأصول التي قامت عليها المدارس المغاربية والأندلسية والمشرقية في كتابة المصاحف وزخرفتها، مع تركيز واضح على الخط المغاربي الجزائري المبسوط وخط النسخ ورواية ورش عن نافع، بما يساعد على نقل الخبرة الفنية والعلمية إلى جيل قادر على حماية السمات البصرية للمصحف الجزائري ومواصلة العمل ضمن قواعد دقيقة. 

     

تخصصات مترابطة لخدمة المصحف 

خصص برنامج “خطوات النور” أربع ورشات للزخرفة وأصولها، والضوابط العلمية، وتقييم وكتابة المصاحف، والخط العربي، وهو تقسيم يبرز طبيعة العمل الجماعي الذي يسبق اعتماد الصفحة القرآنية، فالخطاط يتولى رسم النص وفق قواعد الحرف ومقاييسه، ويراجع المختص سلامة الرسم والضبط وعلامات الوقف والفواصل، بينما ينجز الزخرفي العناوين والإطارات والوحدات النباتية والهندسية ضمن مساحة منسجمة مع حجم الصفحة وتوزيع سطورها. 

وتشمل المضامين المعلنة عند إطلاق البرنامج النسخ والتصحيح، وخط النسخ والخط الجزائري المغاربي، والزخرفة الأندلسية والفارسية، وهو محتوى يضع المتدرب أمام نماذج متعددة من الكتابة والتزيين ويعرّفه بوظيفة كل عنصر داخل المصحف، كما تساعد الدروس التطبيقية على ملاحظة حركة القلم وزاويته، وقياس ارتفاع الحرف، وضبط اتصاله بما يسبقه وما يليه، ومراجعة توازن السطر قبل الانتقال إلى تكوين صفحة كاملة. 

وتحمل ورشة تقييم وكتابة المصاحف مسؤولية علمية دقيقة ترتبط بسلامة النص القرآني، لأن المراجعة تشمل رسم الكلمات والحركات والعلامات وأسماء السور وترتيب الآيات وتحديد مواضع الأجزاء والأحزاب، ويحتاج المشارك في هذا التخصص إلى معرفة حدود عمل الخطاط ودور المصحح والمتخصص في القراءات والرسم، حتى تجري عملية الإنجاز ضمن تسلسل واضح يخضع فيه كل جزء من الصفحة للفحص قبل اعتماده. 

الخط المغاربي في الذاكرة الجزائرية 

احتفظ الخط المغاربي بمكانة بارزة في الثقافة المكتوبة بالجزائر، حيث استعمل في نسخ المصاحف والمؤلفات الدينية واللغوية داخل المساجد والزوايا والمدارس والحواضر العلمية، وتطورت ضمنه أنماط محلية تظهر في امتداد بعض الحروف واستدارتها، وفي توزيع الكلمات والفراغات، وفي العلاقة بين الكتلة الخطية والمساحة البيضاء المحيطة بها، وهي خصائص تحتاج إلى الملاحظة والممارسة المنتظمة حتى يتمكن المتدرب من ضبطها. 

وأكد الخطاط إسماعيل عبد الجواد، أن الورشات التخصصية التي يحتضنها جامع الجزائر، وبرامج التكوين على غرار “خطوات النور”، إلى جانب المسابقات الوطنية للخط العربي، تؤدي دورا مهما في صون التراث الجمالي للمصحف الشريف، الذي عرفت الجزائر فيه نموذجين بارزين هما الخط المغاربي والخط النسخي. 

وتناولت دراسة نشرتها “مجلة الحضارة الإسلامية”، سنة 2016، المنجز البصري والجمالي للمصحف المطبوع بالخط المغاربي في الجزائر، ودرست نماذج برواية ورش عن نافع مع التركيز على الرسم الخطي وتكوين الصفحة وإسهامات الخطاطين الجزائريين الذين شاركوا في كتابة المصحف، وهو ما يبين حضور هذا الخط داخل البحث الجامعي بوصفه مادة فنية قابلة للتحليل والتوثيق والتعليم. 

وأوضح عبد الجواد أن الخطاطين والزخرفيين الجزائريين أسهموا في إبراز القيمة الفنية للخطين المغاربي والنسخي، وأن تأهيل جيل جديد يستدعي ربط التدريب المعاصر بأصول المدارس التي طورت قواعد كتابة المصاحف، ويمنح هذا الربط المشارك قدرة على معرفة مصدر الأسلوب الذي يستخدمه وفهم خصائصه وتجنب خلط عناصره بتكوينات لا تنتمي إلى بنيته. 

الضوابط العلمية تحمي سلامة النص 

يرتبط تدريب الخطاط على كتابة المصحف بجملة من المعارف المتخصصة في الرسم والضبط والقراءات، حيث تنجز الصفحة وفق نموذج محدد، ثم تعرض على المراجعة للتأكد من الحروف والكلمات والحركات وعلامات الوقف والفواصل، وتستدعي رواية ورش عن نافع معرفة باصطلاحاتها وطريقة تمثيلها داخل النص، ولهذا جاء تخصيص ورشة للضوابط العلمية وورشة أخرى للتقييم والكتابة ضمن البرنامج نفسه. 

وأشار عبد الجواد، في هذا الصدد، إلى أن التكوين يشمل دروسا نظرية وتطبيقية في أصول الزخرفة الإسلامية وضوابط كتابة المصحف وقواعد الخط العربي، بإشراف أساتذة ومختصين في المجال، وتوفر الدروس النظرية المفاهيم التي يحتاجها المتدرب لفهم الرسم والضبط وبناء الحرف، فيما تكشف التطبيقات قدرته على استخدام هذه القواعد داخل السطر والصفحة وتصويب الأخطاء تحت إشراف الأستاذ. 

ويحتاج تقييم العمل إلى معايير قابلة للملاحظة تتعلق بانتظام السطر وتناسب الحروف ووضوح العلامات ودقة المسافات وتجانس العناوين، كما يفحص المختص انسجام التكوين البصري من أول المصحف إلى آخره، ويمنح هذا المسار للمتدرب وعيا مبكرا بأن كتابة الصفحة القرآنية عمل يقوم على الدقة والمراجعة المتعددة وتوزيع المسؤوليات بين أصحاب الاختصاص. 

وتتيح الأدوات الرقمية إمكانات واسعة في إعداد الصفحات وفحص الملفات وتجهيزها للطباعة، غير أن استخدامها يحتاج إلى خبرة بشرية تعرف أشكال الحروف وقواعد الرسم والضبط، ومن هنا تكتسب عملية تكوين الخطاطين والمراجعين أهمية عملية في مشاريع المصاحف الجزائرية وفي الأعمال التي تتطلب معالجة النص القرآني ورقيا أو رقميا. 

الزخرفة تضبط إيقاع الصفحة 

تقدم ورشة الزخرفة وأصولها تدريبا على بناء الوحدات النباتية والهندسية وتوزيعها وفق قواعد التناظر والتكرار والتناسب، وتشمل مضامين البرنامج الزخرفة الأندلسية والفارسية بما يسمح بدراسة الخصائص التي تميز كل مدرسة، ثم معرفة مواضع استخدام العناصر الزخرفية في صفحات الاستهلال وعناوين السور والإطارات وعلامات الأحزاب والأجزاء. 

ويتعامل الزخرفي مع مساحة محسوبة داخل الصفحة، ويختار الألوان والخامات وفق طبيعة الورق وحجم النص والخط المستخدم، كما يدرس كثافة اللون وثباته واستجابة السطح للحبر والفرشاة والذهب، وتحدد هذه التفاصيل جودة النتيجة وقدرة العناصر الزخرفية على تنظيم الصفحة والمحافظة على وضوح النص. 

وأكد عبد الجواد أن حماية الهوية البصرية للمصحف الجزائري تستدعي العناية بخصوصية الخط المغاربي الجزائري المبسوط ورواية ورش والموروث الفني المحلي، وهو توجه يمنح التكوين في الزخرفة وظيفة توثيقية تساعد المتدربين على معرفة العناصر المحلية وأصولها قبل استعمالها، وتوفر أرضية لإعداد أعمال تستند إلى مرجع فني واضح. 

وتساعد دراسة النماذج المغاربية والأندلسية والمشرقية على تمييز الوحدات الزخرفية وطرق تركيبها، كما تتيح للمتدرب فهم انتقال الأساليب بين المراكز الفنية وتطورها داخل المصاحف والمخطوطات، وتزداد فائدة هذه المعرفة عندما تقترن بتطبيقات تحفظ نماذج الأعمال وتسجل الخامات والتقنيات المستخدمة فيها. 

جامع الجزائر يرعى الخبرة الفنية 

يواصل “خطوات النور” نشاطا ثقافيا سبق أن ظهر في برامج نظمها جامع الجزائر بمناسبة المولد النبوي الشريف، فقد احتضن مركزه الثقافي في سبتمبر 2025 معرض الفن الإسلامي “حسن”، الذي ضم أكثر من 200 لوحة لفنانين من ولايات جزائرية مختلفة، وخصص ركنا لأعمال الخطاط الجزائري الراحل عبد الكريم بالجي، كما رافقته ورشة للتعريف بالخط العربي والمنمنمات والزخرفة الإسلامية. 

وأشار عبد الجواد إلى أهمية توثيق التجارب الفنية وعرضها وإبراز جماليات الحرف واللون والخامات عبر المعارض والندوات التي يرعاها جامع الجزائر، إذ تمنح هذه الأنشطة المتدرب فرصة لمعاينة الأعمال الأصلية ودراسة ملمس الورق وكثافة الحبر وتوزيع المساحات، كما تتيح للفنان شرح مراحل الإنجاز وخياراته التقنية أمام المشاركين. 

ويمكن لتوثيق الأعمال والدروس وشهادات الأساتذة ونتائج المسابقات أن يؤسس أرشيفا متخصصا يخدم الباحثين والمدربين، ويسمح بتتبع تطور المشاركين وقياس أثر البرامج التكوينية، كما يوفر مادة مرجعية لدراسة الخطوط والزخارف والخامات التي استخدمها الفنانون الجزائريون في أعمالهم. 

الموهبة تتطور بصحبة الأستاذ 

يعتمد تعلم الخط على صلة مباشرة بين الأستاذ والمتدرب، لأن تصحيح زاوية القلم وضغط اليد ونسبة الحرف واتصاله يحتاج إلى مشاهدة عملية ومتابعة متكررة، وتوفر الورشة المؤسسية برنامجا منظما لهذه العلاقة مع تمارين محددة وأعمال قابلة للمراجعة، بما يساعد المشارك على معرفة أخطائه وتطوير مستواه وفق ملاحظات دقيقة. 

وأكد عبد الجواد أن جمع المواهب الصاعدة بأعلام الخط العربي والزخرفة يمنح الشباب فرصة الاستفادة من الخبرة الميدانية للرواد، ويساعدهم على تطوير مهاراتهم وتنمية قدرتهم على الإنجاز، وتنتقل خلال هذه اللقاءات معارف تتصل باختيار الأقلام وإعداد الأحبار ومعالجة الورق وبناء التكوين ومراجعة العمل قبل عرضه أو اعتماده. 

وتؤدي المسابقات الوطنية للخط العربي وظيفة مكملة للتكوين، من خلال عرض الأعمال أمام لجان متخصصة وتحديد نقاط القوة والخلل في بناء الحروف والتركيب، كما تساعد على اكتشاف المشاركين القادرين على الانتقال إلى مستويات متقدمة في كتابة المصاحف أو زخرفتها أو مراجعتها. 

ويحتاج برنامج “خطوات النور” إلى متابعة المتدربين بعد انتهاء الورشات وحفظ نماذج من أعمالهم وتوجيه المتفوقين إلى تكوينات أكثر تخصصا، إذ يرتبط أثره بظهور خطاطين وزخرفيين ومراجعين يمتلكون القواعد العلمية والمهارات التطبيقية، ويستطيعون مواصلة خدمة المصحف الجزائري والحفاظ على الخط المغاربي ونقل خبراته إلى الأجيال المقبلة. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"