الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الطاقة والصناعة في معادلة واحدة.. هل تنجح الجزائر في تحويل مواردها إلى قوة اقتصادية؟

Author
بثينة صايفي 06 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه الجزائر نحو ترسيخ مكانتها كأحد المحاور الأساسية في منظومة أمن الطاقة الأوروبية، في ظل التقدم المسجل في مشروع خط أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يُعد من أبرز المشاريع الطاقوية الاستراتيجية في القارة الإفريقية، ويهدف هذا المشروع إلى نقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا من نيجيريا عبر النيجر وصولاً إلى الجزائر، ومنها نحو الأسواق الأوروبية، في سياق يتزامن مع مساعي الاتحاد الأوروبي لتقليص اعتماده على الغاز الروسي بحلول عام 2027.

وفي هذا الإطار، يشير موقع “بيزنس إنسايدر آفريكا” إلى أن هذا المشروع يمنح الجزائر موقعا محوريا داخل معادلة الطاقة الأوروبية الجديدة، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة في مجال الغاز، وعلى رأسها منشأة حاسي الرمل، التي تُعد من أكبر مراكز الغاز في القارة الإفريقية وأكثرها أهمية من حيث الإنتاج والتوزيع.

كما يمتد خط الأنابيب العابر للصحراء على مسافة تقارب 4128 كيلومترا، بطاقة نقل تقدَّر بـ30 مليار متر مكعب سنويا، ما يجعله واحداً من أضخم مشاريع الطاقة قيد التطوير في إفريقيا، ويقوم هذا المشروع على نقل الغاز النيجيري عبر الأراضي الجزائرية قبل إعادة تصديره نحو أوروبا عبر الشبكات البحرية الممتدة عبر البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يعزز دور الجزائر كحلقة وصل استراتيجية بين مصادر الطاقة الإفريقية والأسواق الأوروبية.

 

صعود صناعة الحديد والصلب في الجزائر.. من “قدرات إنتاجية” إلى “رهان قوة صناعية”

وفي هذا السياق يرى الخبير في الشأن الاقتصادي، هواري تيغرسي، أن النقاش حول قطاع الحديد والصلب في الجزائر لم يعد مجرد نقاش تقني مرتبط بحجم الإنتاج أو عدد المصانع أو نسب النمو السنوية، بل أصبح يرتبط بتحول أعمق في طبيعة الاقتصاد الوطني نفسه، فالمسألة اليوم، بحسب قراءته، تتجاوز منطق “كم ننتج؟” إلى سؤال أكثر تعقيدا: هل تمتلك الجزائر فعلاً مقومات الانتقال من صناعة نامية إلى قوة صناعية متكاملة ومستدامة؟

هواري تيغرسي خبير اقتصادي
هواري تيغرسي خبير اقتصادي

وفي هذا الإطار، يؤكد تيغرسي أن ما يحدث في هذا القطاع يمكن قراءته بطريقتين مختلفتين: إما كطفرة ظرفية ناتجة عن توسع الاستثمارات وتحسن الطلب الداخلي، أو كبداية مسار طويل نحو إعادة تشكيل القاعدة الصناعية للبلاد، وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المستقبل الصناعي للجزائر.

ويرى تيغرسي أن النجاح في رفع الطاقة الإنتاجية ليس نهاية المرحلة، بل بدايتها الحقيقية، فمع دخول مصانع جديدة حيز الإنتاج وتوسع القدرات القائمة، يظهر تحدٍّ اقتصادي أكثر حساسية يتعلق بكيفية استيعاب الفائض الإنتاجي.

هذا الفائض يطرح مباشرة إشكالية الأسواق، حيث تصبح قدرة الجزائر على تصدير الحديد والصلب عاملاً حاسما في استدامة القطاع، فمن دون قنوات تصدير مستقرة، قد يتحول الإنتاج الإضافي إلى عبء على المؤسسات بدل أن يكون مصدر قوة.

كما يلفت تيغرسي إلى أن التصدير لا يعتمد فقط على الطلب الخارجي، بل على عناصر لوجستية وتنظيمية معقدة، من بينها العقود طويلة الأجل مع الشركاء الدوليين، وفعالية الموانئ، وكفاءة شبكات النقل الداخلية، خصوصا السكك الحديدية، وفي غياب هذا التكامل، يمكن أن تتراكم المخزونات وتضغط على الكلفة الإجمالية للإنتاج.

 

القيمة المضافة.. الحديد ليس الهدف النهائي

ويشدد الخبير على أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إنتاج الحديد كمواد أولية أو نصف مصنعة، بل في القدرة على الارتقاء إلى مراحل صناعية أعلى ذات قيمة مضافة أكبر.

فالصناعة الحديدية، في تصور تيغرسي، ليست قطاعا معزولا، بل قاعدة انطلاق لسلسلة واسعة من الصناعات التحويلية، فكل خطوة إضافية في سلسلة الإنتاج تعني مضاعفة في القيمة الاقتصادية وفرص العمل ونقل التكنولوجيا.

وتشمل هذه المرحلة المتقدمة صناعات مثل المعدات الميكانيكية، وصناعة الأنابيب الموجهة لقطاع الطاقة، وقطع الغيار الصناعية، إضافة إلى الصناعات المعدنية الدقيقة، وهنا يتحول الحديد من مادة خام إلى عنصر أساسي في بناء نسيج صناعي متكامل، قادر على خلق ثروة حقيقية بدل الاكتفاء بتصدير المواد الأولية.

 

الخام ليس كافيا.. اقتصاد التكلفة هو الحاسم

في هذا المحور، ينتقل التحليل من منطق “وفرة الموارد” إلى منطق “كفاءة الاستغلال”، فامتلاك احتياطيات من خام الحديد، مهما كانت كبيرة، لا يكفي لتقييم قوة القطاع أو قدرته التنافسية.

المعيار الحقيقي، وفق هذا الطرح، هو تكلفة الإنتاج النهائية، التي تشمل سلسلة كاملة من العوامل: تكلفة الاستخراج، جودة الخام، كلفة التحويل الصناعي، النقل، وحتى الطاقة المستخدمة في التشغيل.

كما أن المنافسة العالمية تفرض معيارا إضافيا لا يقل أهمية، وهو القدرة على تقديم منتج نهائي بسعر تنافسي في السوق الدولية، لذلك، فإن نجاح الجزائر في هذا القطاع لا يُقاس عند مستوى المناجم، بل عند “باب المصنع”، حيث تتحدد فعليا القيمة الاقتصادية الحقيقية للإنتاج.

 

فرصة “الحديد الأخضر”..  ورقة الجزائر المستقبلية

يفتح تيغرسي زاوية استراتيجية جديدة مرتبطة بالتحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون، فمع تشدد المعايير البيئية الدولية، خصوصا في أوروبا، برز مفهوم “الحديد الأخضر” كبديل صناعي واعد يعتمد على تقليل الانبعاثات الكربونية في إنتاج الصلب.

ويبرز الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الجزائر تمتلك مجموعة من المؤهلات التي قد تجعلها لاعبا مهما في هذا المجال، أبرزها وفرة الغاز الطبيعي، وإمكانات الطاقة الشمسية الكبيرة، إضافة إلى مشاريع مستقبلية محتملة في مجال الهيدروجين الأخضر.

وفي حال استغلال هذه المقومات بشكل استراتيجي، يمكن للجزائر أن تتحول من منتج تقليدي للحديد إلى مزود إقليمي للصلب منخفض الكربون، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية جديدة في سوق عالمي يتغير بسرعة تحت ضغط التشريعات البيئية.

 

اللوجستيك.. الحلقة التي تصنع أو تكسر الصناعة

يركز تيغرسي على أن الصناعة الثقيلة لا تقوم فقط على المصانع والمناجم، بل على منظومة متكاملة من البنية التحتية التي تضمن تدفق المواد الخام والمنتجات النهائية بكفاءة عالية.

فالسلسلة الصناعية للحديد والصلب تبدأ من المناجم، لكنها تمر عبر شبكة معقدة تشمل النقل، السكك الحديدية، الموانئ، الطاقة، التخزين، وصولاً إلى التصدير، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات ينعكس مباشرة على الكلفة النهائية وعلى القدرة التنافسية.

لذلك، فإن تطوير هذا القطاع يرتبط عضويا بتحديث الموانئ، وتوسيع شبكة السكك الحديدية خاصة في المناطق الجنوبية، وتحسين قدرات النقل الثقيل، إضافة إلى إنشاء مناطق صناعية متخصصة قادرة على استيعاب المشاريع الكبرى.

 

النموذج الاقتصادي.. السوق المحلي أم التصدير؟

يطرح الخبير في هذا المحور سؤالاً استراتيجيا يتعلق بهوية النموذج الصناعي الذي تريد الجزائر اعتماده، فهل الهدف الأساسي هو تلبية الطلب المحلي وتقليل الاستيراد، أم بناء صناعة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية؟

النموذج الأول، رغم أنه أقل مخاطرة من الناحية الاقتصادية، إلا أنه يبقى محدود الأثر من حيث الحجم والتأثير الاستراتيجي، أما النموذج الثاني، فهو أكثر تعقيدا من حيث المتطلبات، لكنه يفتح الباب أمام بناء صناعة وطنية ذات وزن إقليمي ودولي.

ويشير التحليل إلى أن الاختيار بين النموذجين ليس تقنيا فقط، بل هو قرار اقتصادي-سياسي يحدد موقع الجزائر في الخريطة الصناعية العالمية خلال العقود المقبلة.

ويخلص تيغرسي إلى أن الجزائر قطعت بالفعل خطوات مهمة في تطوير قطاع الحديد والصلب، لكنها ما تزال في مرحلة بناء القدرات وليس في مرحلة اكتمال القوة الصناعية. فالمؤشرات الإنتاجية الإيجابية لا تكفي وحدها لتأكيد التحول الهيكلي، ما لم تُترجم إلى منظومة صناعية متكاملة.

ويؤكد أن المعادلة الحقيقية لنجاح هذا القطاع لا تقوم على الإنتاج وحده، بل على التكامل بين عناصر متعددة تشمل المناجم، الطاقة، اللوجستيك، التكنولوجيا، التصدير والصناعات التحويلية.

فمن دون هذا التكامل، قد تبقى الأرقام الإنتاجية مجرد مؤشر على توسع كمي، دون أن تتحول إلى قوة اقتصادية نوعية قادرة على إعادة تموقع الجزائر في الخارطة الصناعية العالمية.