الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست.. شريان اقتصادي يربط المتوسط بعمق إفريقيا

Author
صبرينة عيلان 07 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شكّل القرار الذي أصدره رئيس الجمهورية، خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، والقاضي بإطلاق أشغال إنجاز خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست، خلال شهر سبتمبر المقبل على أقصى تقدير، محطة مفصلية في مسار أحد أكبر المشاريع الهيكلية التي تعوّل عليها الدولة لإحداث تحوّل عميق في الخريطة الاقتصادية الوطنية.

ويعكس هذا التوجيه الرئاسي إرادة سياسية واضحة لتسريع إنجاز مشروع استراتيجي لا يقتصر دوره على تعزيز شبكة النقل الوطنية، بل يتجاوز ذلك ليشكل رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأداة فعالة لربط شمال البلاد بجنوبها العميق، وتثمين الثروات الطبيعية والمقومات الاستثمارية التي تزخر بها الولايات الجنوبية، فضلا عن تعزيز موقع الجزائر كمحور لوجستي وتجاري يربط الفضاء المتوسطي بالعمق الإفريقي.

خط الجزائر – تمنراست شريان للثروة والتكامل

فمشروع السكة الحديدية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خط لنقل المسافرين والبضائع، بل يمثل رؤية متكاملة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية الوطنية، وتحقيق توازن تنموي أكبر بين مختلف مناطق البلاد، فضلا عن تعزيز موقع الجزائر كقوة لوجستية واقتصادية قادرة على الربط بين حوض البحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي.

وفي هذا السياق، أكد البروفيسور إسحاق خرشي، الخبير في الشأن الاقتصادي ومدير المدرسة العليا للتجارة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مشروع السكة الحديدية الجزائر – تمنراست يعد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي ستترك آثارا هيكلية طويلة المدى على الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن أهميته تتجاوز الجانب التقني أو الهندسي لتلامس رهانات التنمية الوطنية الشاملة والتكامل الاقتصادي الإفريقي.

وأوضح خرشي أن الجزائر دخلت منذ سنوات مرحلة جديدة قائمة على الاستثمار في البنى التحتية الكبرى باعتبارها المحرك الأساسي للتنمية الاقتصادية، مؤكدا أن تجارب الدول الصاعدة أثبتت أن مشاريع النقل العملاقة كانت دائما مقدمة لتحولات اقتصادية عميقة ساهمت في رفع معدلات النمو وخلق الثروة وتحفيز الاستثمار.

وأضاف أن خط الجزائر – تمنراست يكتسي أهمية خاصة لأنه يربط شمال البلاد بجنوبها العميق عبر مسافة شاسعة، ما يسمح بخلق ديناميكية اقتصادية جديدة بين المناطق الساحلية والصحراوية ويؤسس لمرحلة جديدة من الاندماج الوطني الحقيقي.

وأشار الخبير في الاقتصاد إلى أن هذا المشروع يجسد بشكل عملي مبدأ العدالة الإقليمية في التنمية، حيث سيسمح بإدماج مناطق الجنوب ضمن الدورة الاقتصادية الوطنية بصورة أكثر فعالية، بعدما ظلت لعقود طويلة تعاني من تحديات مرتبطة ببعد المسافات وارتفاع تكاليف النقل وصعوبة الوصول إلى الأسواق ومراكز الإنتاج والاستهلاك.

وأكد أن الربط الحديدي بين الشمال والجنوب سيمكن من تقليص ما يسميه الاقتصاديون بـ”المسافة الاقتصادية”، حتى وإن بقيت المسافات الجغرافية على حالها، لأن سرعة التنقل وانخفاض التكاليف وتحسن الخدمات اللوجستية كلها عوامل تجعل المناطق البعيدة أكثر قدرة على الاندماج في الاقتصاد الوطني.

إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للجزائر

ويرى الدكتور خرشي أن أحد أهم المكاسب المنتظرة من المشروع يتمثل في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للجزائر على أسس جديدة أكثر توازنا وفعالية.
وأوضح أن النشاط الاقتصادي في الجزائر ظل تاريخيا متمركزا في الشريط الساحلي والشمال، بحكم الكثافة السكانية وقرب الأسواق والبنى التحتية، غير أن الاستثمارات الضخمة التي أطلقتها الدولة في السنوات الأخيرة بدأت تفتح المجال أمام ظهور أقطاب تنموية جديدة في الهضاب العليا والجنوب الكبير.

وأضاف أن السكة الحديدية ستؤدي دورا محوريا في هذه التحولات، من خلال ربط مراكز الإنتاج بمراكز الاستهلاك، وربط الموارد الطبيعية بالوحدات الصناعية والأسواق الوطنية والدولية.

وأشار إلى أن الجنوب الجزائري يزخر بثروات منجمية هائلة وموارد فلاحية وسياحية كبيرة، غير أن جزءا مهما من هذه الإمكانات ظل بحاجة إلى بنية نقل فعالة تسمح باستغلالها اقتصاديا بالشكل الأمثل.

وأكد أن المشروع سيمكّن مستقبلا من نقل كميات ضخمة من المواد الأولية والمنتجات المنجمية والفلاحية بتكاليف أقل مقارنة بالنقل البري التقليدي، ما يرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني ويزيد من جاذبية الاستثمار في المناطق الجنوبية.
ومن زاوية جيو-اقتصادية، شدد خرشي على أن أهمية المشروع لا تقتصر على الداخل الوطني فقط، بل تمتد إلى الدور الإقليمي الذي يمكن أن تلعبه الجزائر خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن القارة الإفريقية تشهد حاليا تحولات اقتصادية متسارعة في ظل دخول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ، وهو ما يفرض على الدول الإفريقية تطوير شبكات نقل وممرات لوجستية قادرة على تسهيل حركة السلع والاستثمارات بين مختلف الأقاليم.
وأشار إلى أن الجزائر تمتلك موقعا جغرافيا استثنائيا يجعلها مؤهلة للعب دور البوابة الطبيعية بين أوروبا وإفريقيا، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية للنقل واللوجستيك.
وأضاف أن خط السكة الحديدية الجزائر – تمنراست يشكل إحدى الركائز الأساسية لهذه الرؤية، لأنه يضع الأسس لممر اقتصادي ولوجستي يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى عمق الصحراء ثم إلى الأسواق الإفريقية جنوب الصحراء.

ويرى المتحدث أن الجزائر تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتصبح مركزا إقليميا لعبور البضائع وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، خاصة مع التقدم المحقق في مشاريع أخرى موازية على غرار الطريق العابر للصحراء ومشروع أنبوب الغاز العابر للقارة.

وأكد أن الجمع بين هذه المشاريع الكبرى سيمنح الجزائر شبكة استراتيجية متكاملة تربط الطاقة والنقل والتجارة والاستثمار في فضاء اقتصادي واسع يمتد من المتوسط إلى غرب ووسط إفريقيا.

وأكد الدكتور إسحاق خرشي أن من بين أبرز الآثار الاجتماعية والتنموية المنتظرة للمشروع مساهمته الكبيرة في فك العزلة عن العديد من مناطق الجنوب والهضاب الصحراوية.

وأوضح أن البنية التحتية للنقل تعد أحد أهم محددات التنمية الحديثة، حيث أثبتت التجارب الدولية أن المناطق التي تتمتع بربط جيد بشبكات النقل تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.

وأضاف أن السكة الحديدية ستوفر وسيلة نقل آمنة ومنتظمة ومنخفضة التكلفة للمواطنين، ما يسهل تنقل العمال والطلبة والباحثين والمستثمرين بين مختلف الولايات.

كما ستسمح بوصول السلع والمنتجات والخدمات إلى المناطق الجنوبية بوتيرة أسرع وتكاليف أقل، الأمر الذي سينعكس إيجابا على الأسعار والنشاط التجاري ومستوى الخدمات.

ويرى الخبير الاقتصادي أن تحسين الربط بين مختلف مناطق الوطن يمثل استثمارا مباشرا في الوحدة الوطنية، لأن التنمية الاقتصادية المتوازنة تبقى من أهم عوامل تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقوية الانتماء الوطني.
وأشار خرشي إلى أن القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن في السكة الحديدية بحد ذاتها، وإنما في النشاط الاقتصادي الذي سينشأ حولها.

وأوضح أن التجارب العالمية تؤكد أن مشاريع السكك الحديدية الكبرى تؤدي عادة إلى ظهور منظومات اقتصادية متكاملة على امتداد خطوطها، تشمل مناطق صناعية ومراكز لوجستية ومستودعات تخزين ومؤسسات خدمات وصيانة ونشاطات تجارية متنوعة.

وأضاف أن الولايات الواقعة على طول المسار ستستفيد من فرص استثمارية جديدة مرتبطة بالنقل والمناولة والخدمات اللوجستية والتوزيع والتخزين والصناعات التحويلية.

كما ستستفيد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمقاولات الناشئة من هذه الديناميكية الاقتصادية الجديدة، بما يساهم في خلق مناصب شغل مستدامة وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.

وأكد أن نجاح المشروع ينبغي ألا يقاس فقط بعدد الكيلومترات المنجزة، بل بحجم النشاط الاقتصادي الذي سيتم خلقه حوله، وقدرته على استقطاب الاستثمارات وتحويل مناطق العبور إلى مراكز إنتاج حقيقية.

تقسيم المشروع إلى ثلاث ورشات يعكس إرادة الإنجاز السريع

وبخصوص قرار تقسيم المشروع إلى ثلاث ورشات كبرى، اعتبر خرشي أن هذا الخيار يعكس رؤية عملية واستراتيجية تهدف إلى تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين فعالية التنفيذ.

وأوضح أن إنجاز مشاريع بهذا الحجم يتطلب تعبئة موارد بشرية وتقنية ضخمة، وأن العمل المتزامن على عدة مقاطع في الوقت نفسه يسمح بتقليص الآجال الزمنية وتحقيق مردودية أكبر.

وأضاف أن هذا الأسلوب يتيح كذلك توزيع الأعباء التقنية واللوجستية بين عدة فرق إنجاز ومؤسسات مختصة، بما يقلل من مخاطر التأخير ويرفع من مستويات الأداء.
وأشار إلى أن الجزائر تراهن اليوم على تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى بالنظر إلى الدور الاقتصادي الذي يمكن أن تؤديه في دعم النمو وتنويع الاقتصاد الوطني.
وفي تقييمه للانعكاسات المباشرة للمشروع على قطاع النقل، أكد خرشي أن السكك الحديدية تظل الوسيلة الأكثر فعالية لنقل الأحجام الكبيرة من البضائع عبر المسافات الطويلة.

وأوضح أن الخط الجديد سيمكن من نقل المنتجات الفلاحية والمنجمية والصناعية بكفاءة أعلى وتكاليف أقل، ما يساهم في تحسين تنافسية المؤسسات الوطنية.
أما بالنسبة للمسافرين، فسيوفر المشروع وسيلة نقل أكثر راحة وأمانا وانتظاما، ويسهل حركة المواطنين بين مختلف مناطق البلاد سواء لأغراض العمل أو الدراسة أو السياحة أو الاستثمار.

وأضاف أن هذا الترابط البشري والاقتصادي سيؤدي تدريجيا إلى تقوية الاندماج الوطني وخلق فضاء اقتصادي أكثر توازنا وانسجاما.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑