السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

خلال رمضان.. المرأة العاملة في سباق يومي ضد عقارب الساعة


مع حلول شهر رمضان، يتغير إيقاع الحياة في البيوت الجزائرية، حيث تتبدل ساعات النوم، وتُعاد صياغة تفاصيل اليوم بما يتماشى مع أوقات السحور والإفطار، غير أن هذا التغيّر لا يكون خفيفا على الجميع بالقدر نفسه، فالمرأة العاملة تجد نفسها أمام معادلة دقيقة، تحاول فيها التوفيق بين التزامات مهنية لا تنتظر، ومسؤوليات أسرية تتضاعف في الشهر الفضيل.

خلال رمضان، لا يُقاس اليوم بعدد ساعاته، بل بكمّ المهام التي يجب إنجازها قبل أذان المغرب، وبين العمل والمطبخ، تعيش كثير من النساء ما يشبه “يومين في يوم واحد”، حيث ينتهي دوام ليبدأ آخر، وتُطوى صفحة العمل لتُفتح صفحة البيت بكل تفاصيلها.

قبل الفجر.. البداية التي لا يراها أحد

تبدأ الحكاية قبل أن تشرق الشمس، تستيقظ مريم، موظفة في شركة خاصة وأم لطفلين، على صوت المنبه قبيل السحور، تقول: “إن أصعب ما في الأمر ليس الاستيقاظ في حد ذاته، بل محاولة جمع الأسرة حول مائدة السحور بهدوء.. أوقظ أطفالي بلطف، أُعد وجبة خفيفة، أحرص أن يشربوا الماء، وأفكر في الوقت نفسه في ما ينتظرني صباحا”.

بعد أذان الفجر، لا يتبقى سوى ساعات قليلة من النوم، قبل أن يبدأ الاستعداد ليوم جديد من العمل.. الملابس، الحقائب، ترتيب سريع للمطبخ.. تفاصيل صغيرة لكنها تستنزف طاقة مبكرة”، وتضيف مريم: “أحيانا أشعر أنني بدأت يومي متأخرة، رغم أنني استيقظت قبل الجميع”.

في الطريق إلى العمل.. التفكير لا يتوقف

حتى في الطريق، لا تنفصل المرأة العاملة عن مسؤولياتها، ذهنها منشغل بقائمة المشتريات، أو بما يجب إخراجه من المجمّد لتحضيره مساءً، بعضهن يستغل استراحة قصيرة خلال الدوام للاتصال بأحد الأبناء أو لتذكير الزوج بأمر ما.

تقول فاطمة الزهراء، أستاذة في التعليم المتوسط: “أحاول أن أركز في عملي، لكنني أفكر أحيانا: ماذا سأطبخ اليوم؟ هل الوقت كافٍ لتحضير طبق تقليدي؟”، هذا التفكير المستمر يجعل يوم العمل يبدو أطول من المعتاد.

ساعات الصيام في بيئة العمل

في المؤسسات والإدارات والمصانع، لا يتوقف نسق العمل، غير أن الصيام يضيف بعدا آخر للتجربة، حيث يتراكم التعب تدريجيا، والعطش يصبح أكثر حضورا مع اقتراب الظهيرة.

نوال، موظفة استقبال، تؤكد أن التعامل مع المواطنين خلال رمضان يحتاج إلى صبر مضاعف، “ليس الجميع في مزاج جيد، وأنا أيضا أكون مرهقة، لكنني أحاول أن أُبقي ابتسامتي حاضرة”.

أما سعاد، عاملة في مصنع، فتشير إلى أن الجهد البدني يجعل الصيام أكثر مشقة. “أحيانا أشعر بدوار خفيف، لكنني أواصل عملي.. لا خيار آخر”.

ورغم ذلك، تجمع أغلب الشهادات على أن روح الشهر تمنحهن دافعا معنويا، وكأن الصيام يذكّرهن بأن التعب مؤقت، وأن الأجر أكبر خلال الشهر الفضيل.

العودة إلى البيت.. بداية الدوام الثاني

مع نهاية الدوام، لا يكون هناك وقت طويل للراحة، فبمجرد دخول البيت، تبدأ مرحلة جديدة من العمل، تقول مريم: “أبدّل ملابسي وأدخل المطبخ مباشرة.. أحيانا لا أجلس إلا بعد الإفطار”.

البعض يختار أطباقا بسيطة لتخفيف الضغط، فيما تصرّ أخريات على الحفاظ على تنوع المائدة.. تقول فاطمة: “حاولت هذا العام أن أختصر، لكنني أعود أحيانا إلى تحضير الشوربة والبوراك والطبق الرئيسي، لأن العائلة اعتادت ذلك”.

التحضير لا يقتصر على الطبخ فقط، بل يشمل ترتيب الطاولة، تجهيز العصائر، مراقبة الوقت بدقة، وتنظيم المطبخ الذي يمتلئ بالأواني في وقت قياسي.

ضغط الصورة المثالية للمائدة

في المجتمع، ارتبط رمضان بصورة مائدة عامرة ومتنوعة، هذه الصورة، وإن كانت جميلة، تتحول في بعض الأحيان إلى مصدر ضغط إضافي، تشعر بعض النساء بأن عليهن إثبات قدرتهن على التوفيق بين العمل والبيت دون تقصير.

تقول نوال: “إذا كان الإفطار بسيطا، أشعر كأنني لم أقم بواجبي كما ينبغي، رغم أن الجميع يؤكد العكس”.

هذا الشعور بالتقصير لا ينبع دائما من مطالب الأسرة، بل من توقعات ذاتية رسختها العادات والتقاليد.

لحظات ما قبل الأذان.. سباقٌ مع الوقت

الدقائق الأخيرة قبل أذان المغرب هي الأكثر حساسية، تتابع النساء عقارب الساعة، يتأكدن من نضج الطعام، ويقمن بآخر اللمسات على المائدة.

تقول أمينة: “أشعر أحيانا بأن قلبي ينبض بسرعة أكبر في تلك اللحظات.. أخشى أن يتأخر طبق ما أو أن أنسى شيئا”.

ومع صدح الأذان، يسود سكون مفاجئ.. تجلس المرأة أخيرا، تمسك بكوب الماء، وتشعر براحة قصيرة تختصر يوما طويلا من الجهد.

بعد الإفطار.. مهام لا تنتهي

غير أن الراحة لا تدوم طويل،. فالمطبخ ينتظر من جديد، تنظيف وغسل الأواني، حفظ بقايا الطعام، تحضير ما يمكن تحضيره للسحور، بعض النساء يفضلن إنجاز كل شيء فورا، حتى لا يتراكم العمل إلى اليوم التالي.

تقول فاطمة: “أحيانا أصل إلى صلاة التراويح وأنا بالكاد أستطيع الوقوف، لكنني أحرص على أدائها قدر المستطاع”.

التعب يتسلل بصمت، لكنه لا يمنع كثيرات من السهر مع الأسرة لبعض الوقت، حفاظا على روح الشهر وأجوائه.

بين الإرهاق والرضا

ورغم كل ما سبق، لا تخلو شهادات النساء من شعورهن بالرضا، فنجاحهن في تجاوز يوم طويل يمنحهن إحساسا بالقوة والإنجاز.

تقول مريم: “صحيح أنني أتعب، لكنني أشعر بالفخر عندما أرى عائلتي مجتمعة حول المائدة”.

وتضيف سعاد: “رمضان يعلمني الصبر كل عام.. ربما أكون مرهقة، لكنني سعيدة بأنني أستطيع الجمع بين عملي وبيتي”.

هل من حلول لتخفيف الضغط؟

تجمعُ النساء على أهمية التنظيم المسبق، وإعداد قائمة أسبوعية للوجبات، وتقاسم المهام داخل البيت، بعض الأزواج والأبناء بدأوا يشاركون في الترتيب والتنظيف، وهو ما تعتبره كثيرات خطوة إيجابية نحو توازن أفضل.

كما تؤكد بعضهن أن التخلي عن “مثالية المائدة” خفف عنهن عبئا كبيرا، وجعل رمضان أكثر هدوءا وأقل توترا.

وفي نهاية كل يوم رمضاني، تجلس المرأة العاملة للحظات قصيرة، ربما بعد أن ينام الجميع، تستعيد تفاصيل ساعات طويلة بدأت قبل الفجر، وتفكر في اليوم التالي الذي سيحمل النسق نفسه.

وقد لا تحظى المرأة العاملة دائما بكلمات امتنان صريحة، وقد يبدو ما تقوم به “أمرا عاديا” في نظر البعض، لكنه في الحقيقة جهد مضاعف يتكرر كل يوم طوال الشهر الفضيل، فبين المكتب والمطبخ، لا تبحث المرأة العاملة عن بطولة، بل عن توازن بسيط يُمكّنها من أداء دورها المهني دون أن تشعر بأنها قصّرت في بيتها.

رمضان بالنسبة لها ليس فقط شهر عبادة، بل امتحان يومي للصبر والتنظيم والتحمل، ومع ذلك، تواصل المسير بصمت، مدفوعة بإحساس داخلي بأن استقرار أسرتها ونجاحها في عملها يستحقان هذا العناء وهذه التضحية أيضا.