السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

خيمة “أَنس الشرف” والرفاق..

Author
حسن يافا 13 أكتوبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

استخدم الإنسان الأول هياكل وعظام الحيوانات الضخمة مثل الماموث (Mammoth) وجلوده كي يبني خيمة، حيث وضع العظام على شكل مثلّث أو دائرة ووضع فوقها الجلود ثم وضع على أطرافها حجارة لكي تمنع العظام من الانزلاق. بقيت خيمة الإنسان الأول على حالها، حتى اكتشف سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحُمر)، قبل عشرة الآلاف عام قبل الميلاد، كيفية بناء الخيمة باستخدام جذوع الأشجار وتغطيتها بجلود الحيوانات. هذا التصميم مكّنهم من تفكيك الخيمة والتنقّل بها من منطقة إلى أخرى بما يلائم حياة التّرحال (Nomadic Life) التي كانوا يعيشونها. بعد ذلك، وقبل 600 عام قبل الميلاد، ابتكرت قبائل الرُّعاة في منغوليا (Mongolia) وضع صوف الحيوانات بين طبقات الجلد واستخدامه لبناء الخيمة.. مما ساعد على عزلٍ أفضل للبرد والحر.

فيما بعد، حصلت تعديلات على تصميم الخيمة، والتي استخدمها الرومان بشكل كبير جدا خلال زحف الجيوش لاحتلال أو إخضاع الشعوب.. ثم استُخدِمت في الحربيين العالميين في معسكرات الجنود.. وفيما بعد.. استخدمها الكشّافة والأثرياء للمتعة على شواطئ البحيرات وفي بطون الغابات..

لمً تكن فلسطين تعيش في خيمة قبل ثمانية آلاف سنة، وقبل أن يتعلم البشر القراءة والكتابة، أسّس الفلسطينيون “أريحا” أقدم مدينة في الدنيا، وبنوا فيها بيوتًا وشيّدوا أسوارًا حولها..

بنى “ابن مليك صادق”، أحد ملوك اليبوسيين (أشهر قبائل الكنعانيين)، قبل 3000 ق. م، مدينة “القدسَ” وشيّد أسوارًا حولها، وأنشأ قنوات مائية لجلب الماء من برك “سلوان” إلى داخل المدينة..

فلسطين لم تكن تعيش في خيمة، عندما جاء سيدنا “إبراهيم” (عليه السلام) إلى فلسطين قبل أكثر من ثلاث ألف عام… ووقّع عهدًا مع حاكمها “أبي مالك”.. أنه غريب وعليه ان يحترم البلد وأعرافها، وكانت هذه من أقدم المعاهدات المدوَّنة التي عرفتها البشرية.. ثم بنى “أبو مالك” بئر ماء لسيدنا “إبراهيم” في أرض بجوار “النقب” فيها ستة آبار.. وصارت تُسمّى: “بئر السبع”.،

الغزو العبراني الإسرائيلي.. ومذبحة أريحا

قبل ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) بألف وأربعمائة عام، زحف جيش “يوشع” ليحتلّ أريحا.. وقد أوقفته وجيشَه أسوارُها الشامخة وأذلّتهم… وطال حصارها… وطالت خيبتهم… وأرهبهم تماسك سكّانها وتلاحمهم وصمودهم… فقد الغزاة صبرهم… قبل أن يتمكّن جواسيسهم الذين اختبئوا في بيت مومس اسمها “رحاب”… دلّتهم على ثغرة في أحد الأسوار.. فأنزلوا من داخلها حِبالا في عتمة الليل… وتسلّقها أمهر جنود “يوشع”.. وأجهزوا على من كان في طريقهم… وفتحوا بوابة المدينة… واندفع جيش “يوشع” إلى داخل المدينة مثل نار هادرة.. قتل الأطفال والنساء والرجال والشيوخ.. وما في أريحا من مواشي: خراف وأغنام وبقر وحمير.. ودمّر جنود الجيش الغازي كل شيء إلا الذهب والفضة.. ولم يُبقوا على قيد الحياة إلا المومس التي ساعدتهم في اقتحام أريحا.. كانت هذه أول مذبحة تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني.. ولم يكن هناك حاجة للخيام، لأن جنود “يوشع” لم يُبقوا على بشر او حيوان أو شجر، فقط بقي الهواء يطوف بين الأشلاء، ويحمل رائحة دم الضحايا إلى ما تبقّى من مُدن وقرى في طريق “يوشع” السفّاح..

فيما بعد، وعندما تمكنّ العبرانيون في الأرض.. ووقعت مذبحة القدس، تفرّقت القبائل العبرية في شمال وجنوب فلسطين… ثم توحّدت وأجمعت أن تكون القدس عاصمة “الإسرائيليين”.. فقام “الإسرائيليون” بحصار المدينة… ولكنهم تقهقروا أمام الُمُدافعين… ثم اكتشفوا القنوات المائية التي بناها اليبوسيون.. فتسللوا من خلالها إلى داخل المدينة، وذبحوا كل من يتنفّس أو يتحرّك فيها.

نكبة 1948

لم تعرف فلسطين الخيمة.. بل حصلت عليها مع كيس طحين هديّة “مؤامرة” من الأمم المتحدة. أول مرّة استلم فيها الشعب الفلسطيني هذه الهدية كان عند نكبة 1948.. عندما هجرّت وتدّمرت “إسرائيل” عشرات القُرى مثل “خان يونس”، وذبحت كل من فيها.. وهجّرت أكثر من سبعمائة ألف فلسطيني إلى الصحراء لإبادتهم بلهيب الصحراء وعطشها وجوعها.. الخيمة كانت قطعة قماش كبيرة ملقاة على قضيبين معدنين وأطرفها مثبتة على الأرض بمسامير كبيرة.. كان داخلها لهيب في الصيف وثلاجة في موسم البرد.. وكانت تقتلعها العواصف الرملية وتجرفها سيول الوديان..

نكبة 1967 أو “النكسة”

لم تتغيّر الخيمة بل كثر عددها، وصار مكتوبًا على كيس الطحين “هدية من الولايات المتحدة”. وفي الخيمة الفلسطينية، في صحراء العرب، كان مخبرو أجهزة أمن الدولة يتجوّلون بين الخيام، يتنصّتون على أيّ كلمة قد تضر بـ “أمن الدولة”! تعلم الفلسطيني بسرعة إن خيمته سجن من تصميم المتآمرين عليه. لم يتعلّم الخوف، تعلم الصبر وقوّة الملاحظة، وفهم حجم المؤامرة.. وتعلم في سجن العرب كم هو فلسطيني، بعدما كان قد تعلم في سجون الاحتلال كم هو عربي.

في الخيمة أيضا، تهامس الفلسطينيون حول بؤسهم وحقهم في العودة، وعلّموا أبناءهم القراءة والكتابة والطب والهندسة… والاغتراب إلى “بلاد العرب” لدعمً العائلة.. كي تبقى فلسطين على قيد الحياة..

مجزرة غزّة..

أكثر من مليون وتسعمائة ألف فلسطين هُجّروا من بيوتهم تحت قصف طائرات ودبابات وسفن جيش الاحتلال.. هُجّروا إلى خيام، ومن خيام إلى خيام أخرى.. خيامهم لم تكن بدائية فقط، بل ومصنوعة من بقايا الأقمشة والنايلون وبقايا أكياس المساعدات.. وصارت ملعبا لنزهات الطائرات وقصف الدبابات بأوامر من جيش الدفاع “الصهيوني”.

نزح “أبو جمال خلف” مع عائلته من مدينة غزّة إلى خيمة في خان يونس. تعرضت الخيمة إلى صاروخ “إسرائيلي”، احترق أبناؤه الثلاثة، ونجت ابنته بـ “معجزة” ولكنها أصيبت بجروح بالغة في وجهها ويديها ورجليها.. وقف “أبو جمال” بقرب جثث أبنائه في الأكياس البلاستيكية البيضاء، وانفجر باكيًّا. وبينما كان جيش الاحتلال يُلقي القنابل على الخيام في ساحة مدرسةٍ تابعة لوكالة الغوث.. لم نسمع بعد ذلك بكاء “أبي جمال”.. لم تكن الخيام قرب أنهار وبحيرات، بل على “شواطئ” ماء الصّرف الصحي.. لم يكن فيها أطعمة جاهزة داخل ثلاجة تعمل بالبطارية. في أغلب الأحيان كان فيها غذاء لوجبة في اليوم أو في اليومين، أو إلى يوم يعلمه الله..

في رفح، خلال شهر ماي 2024، هاجمت الطائرات “الإسرائيلية” مخيما للنازحين مكدّسًا بالناس في حي “تل السلطان”.. انتشرت به الحرائق بسرعة البرق، وانحشر الناس في خيامهم.. وأضأت النيران داخل الخيام، فكشفت أهوالا لم ترها البشرية على شاشات التلفزيون من قبل.. أطفال ورجال ونساء يُحرقون أحياء. اندفع الناس من الخارج لإنقاذهم، فأضاف ذلك أجساما جديدة إلى الملحمة الجهنمية، وفي النهاية لم يُنقذ أحد. أكثر من 45 استشهدوا، وعشرات الناس أصيبوا بجروح وتشوّهاتهم بليغة… “نتانياهو” قال إن ما حدث “خطأ مأساوي”، وفتح الجيش “الإسرائيلي” تحقيقًا في الموضوع…

ندّد العالم بما حدث ثم أصابه الخرَس.. ثم أشعل جيش الاحتلال بصواريخه حرائق في خيام بساحة مدرسة تأوي النازحين.. وهاجم خياما أمام مستشفى الأقصى، وفي خان يونس، خلال أبريل 2025، هاجم خيمة قرب مستشفى وقتل صحفيين أحدهما كان يحترق حيا..

وفي تموز/ جويلية 2025، أعلن كيان الاحتلال أنه سوف يبني “مدينة خيام إنسانية”… كي يقصفها على مرأى من “الإنسانية”. الخيام متروكة لخيال جيش الاحتلال، يتعامل” بما يشاء وقت يشاء وكيفما يشاء!

الخيمة التي تتكلم

في خيمة أمام ما تبقى من مستشفى الشفاء، كان يمكث أربعة رفاق: المراسل “أنس الشريف”، والمراسل “محمد قريقع”، والمصورون: “إبراهيم ظاهر”، و”مؤمن عليوة”، و”محمد نوفل”.

لم يكن لهم جدول نوم أو استيقاظ محدد، ولم يكن لهم جدول عمل معلوم. كانت مجازر جيش الاحتلال هي التي تحدّد جدولهم اليومي ورحلتهم، يتوجهون نحو كل مجزرة الجديدة.. ويبث “أنس” من أمام ألسنه النيران أخبارا وصورا.. توثق شراسة و”مميزات” المجزرة الجديدة..

كان الرفاق يجمعون الأخبار من تحت عواء الطائرات والقذائف “شديدة الدقة” (precision   Bombs)، ومن صراخ مَن تبقى حيًّا من الذين يسحبهم الناس من تحت الركام.. كان الرفاق يندفعون نحو النار.. الناس هعلون، والرفاق يتقدّمون يصوّرون بمهنية عذاب شعبهم منه وله..

… وبعد تغطية المذبحة الأخيرة، عادوا إلى خيمتهم، كان فيها تراب غزّة الناعم، وصحون فارغة تبحث عن وظيفة.. أحد الرفاق لفّ قميصه حول حذاءه فصار عنده وسادة، وعنده قطعة خبز أكل نصفها هذه الليلة..

وكان المراسلون يكتبون تقاريرهم، ثم بدأت الخيمة تبثّ الحقيقة إلى القنوات التلفزيونية، إلى العالم.. تقصّدها جيش الاحتلال بصاروخ جائع.. احترقت الخيمة، ولكن الحقيقة لم تمت… وفي الصباح، أعلن مراسلون، لا يزالون على قيد الحياة، أن عدد الصحفيين الشهداء منذ بداية الحرب أصبح 251، والمذبحة لا تزال مُستمرّة..