الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

دبلوماسية التنمية والأمن الديني.. كيف تعيد الجزائر هندسة نفوذها في القارة السمراء؟

Author
مولود صياد 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها القارة السمراء، يجمع طيف واسع من المختصين في الشأنين السياسي والإعلامي على أن الجزائر قد أسست لنهج استراتيجي جديد ومبتكر، لتعزيز حضورها وانتشارها، لا سيما في دول الساحل والعمق الإفريقي.
هذا النهج يتجاوز الأطر الدبلوماسية الكلاسيكية، ليؤسس لمرحلة عنوانها الأبرز “القوة الناعمة”، متمثلة في ضخ استثمارات استراتيجية، وبناء مراكز علمية، صحية، وخدماتية، فضلاً عن تعزيز التكامل الاقتصادي والديني. ولعل أبرز تجليات هذه المقاربة الجديدة والبراغماتية، الزيارة الأخيرة التي قادت الوزير الأول، سيفي غريب، إلى دولة النيجر، والتي توجت بتدشين محطة طاقوية ضخمة ومجهزة بالكامل، قدمتها الجزائر كمنحة تضامنية لجارتها الجنوبية.

 

التحول النوعي: من الدعم السياسي إلى الاستثمار التنموي

وفي قراءة تحليلية لهذا التحول، يؤكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الاستراتيجية، أيوب عرفي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن السياسة الخارجية الجزائرية تشهد، خلال السنوات القليلة الماضية، طفرة نوعية في مقاربتها تجاه القارة الإفريقية. ويوضح عرفي أن الجزائر لم تعد تكتفي بالدعم السياسي المعهود أو المواقف الدبلوماسية التضامنية فحسب، بل انتقلت بخطوات مدروسة إلى مرحلة متقدمة ترتكز على “الاستثمار التنموي” واستخدام أدوات القوة الناعمة لتحقيق تأثير إيجابي ومستدام.
ويبرز هذا التوجه الاستراتيجي بوضوح جلي من خلال الديناميكية التي تفرضها شركة “سونلغاز” الدولية، كذراع اقتصادي قوي، عبر حزمة من المشاريع الحيوية التي باشرتها الدولة الجزائرية في منطقة الساحل، متخذة من النيجر وبوركينا فاسو نقاط انطلاق حقيقية لترسيخ هذا النموذج التعاوني الجديد.

 

“القوة الناعمة المركبة”.. التكامل كبديل لأدوات الضغط التقليدية

ويذهب المحلل أيوب عرفي أبعد من ذلك في تفكيكه لشيفرة المقاربة الجزائرية، مشيراً إلى أن الميزة التنافسية الأبرز لهذه الاستراتيجية تكمن في تكامل أدواتها. فهي تجمع بذكاء بين قطاعات حساسة واستراتيجية تشمل الطاقة، الصحة، البنية التحتية، وحتى الأمن الروحي والديني، لتنصهر جميعها في بوتقة واحدة.
هذا المزيج المتكامل، بحسب الخبير، يخلق مفهوماً جيوسياسياً حديثاً يمكن إطلاق تسمية “القوة الناعمة المركبة” عليه. وهي قوة تمنح الجزائر قدرة فائقة على تحقيق نفوذ مستقر وطويل الأمد، مبني على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، دون الحاجة للجوء إلى أدوات الضغط أو التدخل التقليدية التي تنتهجها قوى أخرى. كما أن هذا التوجه التنموي يعزز من مكانة الجزائر الريادية في منطقة الساحل، ويمنحها أفضلية استراتيجية تتيح لها منافسة قوى إقليمية ودولية تتسابق بشراسة لتوسيع دوائر نفوذها في القارة السمراء.

 

سونلغاز والطاقة.. تكريس للسيادة والانتقال نحو تصدير الحلول

ويرى المتابعون للملف الإفريقي أن التحركات الجزائرية، التي تقودها مؤسسات وطنية كبرى على غرار “سونلغاز”، لا تمثل مجرد عمليات تجارية عابرة، بل تعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً يهدف إلى بناء نفوذ إيجابي يرتكز على التنمية والتكامل الإقليمي، بعيداً عن أي نزعات للهيمنة أو تكريس التبعية. وإذا ما تم ترصين هذا المسار ومواصلته، فإن الجزائر تضع نفسها كمرشح قوي ومحوري في إفريقيا، لتتحول من مجرد فاعل سياسي تقليدي، إلى قوة ناعمة وازنة قادرة على هندسة مسارات التنمية والاستقرار في المنطقة.
وفي هذا السياق، يعتبر مشروع المحطة الطاقوية الجديدة في النيجر حجر الزاوية في مسار هذه الدبلوماسية الاقتصادية. فالطاقة، وفقاً للرؤية الجزائرية، تتجاوز كونها مجرد خدمة يومية للمواطنين، لتصبح عنصراً سيادياً حساساً يمس بالأمن القومي واستقرار الدول. إن قدرة الجزائر على إنجاز هذه المحطة يكرسها كشريك موثوق في بناء البنية التحتية الحيوية لدول الجوار. والأهم من ذلك، أن هذا الإنجاز يعكس تحول الجزائر من دولة مستوردة للتكنولوجيا إلى قطب إقليمي مُصدّر للخبرات الهندسية، الطاقوية، والحلول التقنية المتقدمة.

 

من “المساعدة الظرفية” إلى التأثير في البنية العميقة

لم تكتفِ الدبلوماسية الجزائرية بقطاع الطاقة، بل وسعت نطاق تدخلها التنموي ليشمل مجالات تمس الحياة المباشرة للشعوب الإفريقية. ففي قطاع الصحة، برزت مبادرة إنشاء مركز متطور لتصفية الدم في النيجر كعربون تضامن إنساني مستدام، بالتوازي مع إبداء الجزائر استعدادها الكامل لتحديث وتطوير شبكات النقل والبنية التحتية في بوركينا فاسو.
هذا التنوع الجغرافي والقطاعي في خارطة المشاريع يقرأه المختصون على أنه انسلاخ نهائي من عقلية “المساعدات الإنسانية الظرفية” التي ارتبطت بإفريقيا لعقود، والانتقال نحو مقاربة “التنمية المستدامة”. فالجزائر تسعى اليوم للتأثير الإيجابي في البنية التحتية والمجتمعية العميقة للدول الإفريقية، ورفض الاكتفاء بدور المانح المؤقت للأزمات.

 

الأمن الروحي والدبلوماسية الدينية.. جدار الصد ضد التطرف

ولأن المقاربة الجزائرية شاملة بطبيعتها، فقد امتد هذا الحضور الكثيف ليتجاوز الأبعاد الاقتصادية ويلامس صميم المجال الروحي والثقافي، وذلك عبر تشييد المراكز الإسلامية وتكثيف برامج تكوين أئمة دول الساحل، وعلى رأسهم أئمة النيجر، في المعاهد الجزائرية.
ويعكس هذا التوجه السعي الحثيث للجزائر نحو نشر نموذجها الديني المعتدل، والذي يستمد جذوره من المرجعية المالكية والوسطية السمحاء. وتعتبر هذه الخطوة بالغة الأهمية في مواجهة تغوّل التيارات المتطرفة، وكبح جماح النفوذ الديني الخارجي الدخيل على مجتمعات الساحل. لتتحول بذلك الدبلوماسية الدينية الجزائرية إلى أداة استراتيجية فعالة لتعزيز الاستقرار الأمني والنفسي، وربط شعوب المنطقة بالجزائر بروابط ثقافية وروحية غير قابلة للكسر.

 

لقاء القمة في نيامي: تجسيد ميداني لالتزامات الشراكة

وتتويجاً لهذه المساعي، استقبل الرئيس النيجري، عبد الرحمن تياني، بالعاصمة نيامي، الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب. وفي تصريحات صحفية أعقبت اللقاء، أكد الوزير الأول أنه نقل للرئيس النيجري رسالة أخوة وتحيات خالصة من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، مجدداً حرص القيادة الجزائرية العليا على الدفع بعلاقات الأخوة، وترقية قنوات الحوار السياسي عالي المستوى بين البلدين الشقيقين.
وشكل اللقاء فرصة للوزير الأول لاستعراض مخرجات زيارته الحيوية لنيامي، وعلى رأسها مراسم التدشين الرسمي لمحطة توليد الكهرباء بطاقة 40 ميغاواط. هذا المشروع الاستراتيجي الذي أشرف عليه رفقة نظيره النيجري، أُنجز في آجال قياسية غير مسبوقة بعد وضع حجر أساسه في شهر مارس الماضي، وهو ما يترجم فعلياً مخرجات الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-النيجرية للتعاون.
وشدد سيفي غريب على أن هذا الصرح الطاقوي هو دليل قاطع على انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة متقدمة تتسم بالبراغماتية والتجسيد الميداني السريع للالتزامات السياسية المتفق عليها، خصوصاً في ظل الديناميكية الإيجابية التي ولّدتها الزيارة التاريخية للرئيس النيجري إلى الجزائر.
كما فتحت المحادثات آفاقاً واسعة لمراجعة وتقييم التعاون في قطاعات مفصلية وحيوية شملت المحروقات، البنى التحتية، الصحة، التكوين، التعليم العالي، الرقمنة والنقل، مع الاتفاق على آلية متابعة دورية وصارمة للمشاريع المشتركة تحت إشراف مباشر من قائدي البلدين.

 

توافق إقليمي ودعم لفرص التنمية في الساحل

من جهته، حمّل الرئيس النيجري، عبد الرحمن تياني، الوزير الأول رسالة مودة وتقدير لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون. وأعرب الرئيس تياني عن امتنانه العميق للدعم اللامشروط الذي تقدمه الجزائر لبلاده، مشيداً بشكل خاص بالاحترافية والسرعة القياسية التي تم بها إنجاز محطة توليد الكهرباء وربطها بالشبكة الوطنية النيجرية، واصفاً إياها بأنها “أولى الثمار الناضجة لشراكة تضامنية متنامية بين الجزائر والنيجر”.
وفي سياق ذي صلة، غاص الطرفان في نقاشات مستفيضة حول سبل مضاعفة حجم التبادلات التجارية، وتسريع عجلة إنجاز المشاريع الهيكلية والاستراتيجية، إيماناً منهما بأن التنمية الاقتصادية هي المدخل الأساسي لتعزيز التكامل والاندماج الإقليمي. وعلى الصعيد الجيوسياسي، توحدت الرؤى وتبادلت القيادتان وجهات النظر حول التحديات الأمنية والسياسية المعقدة التي تخيم على منطقة الساحل. وقد خلص اللقاء إلى تأكيد حازم على ضرورة إبقاء قنوات التشاور والتنسيق الأمني والسياسي مفتوحة، بهدف إرساء دعائم أمن دائم، وخلق بيئة مواتية تزدهر فيها فرص التنمية لشعوب المنطقة بأسرها.

Author مولود صياد
صحفي ومدقق حقائق خريج جامعة الجزائر 3 كلية الإعلام والاتصال