مع حلول فصل الشتاء، يعود شبح حوادث الاختناق والحرائق ليخيّم على البيوت الجزائرية، في موسم يتكرر كل عام لكن مخاطره تتصاعد بتغيّر أنماط العيش وكثرة استعمال وسائل التدفئة المختلفة. وبينما تُسجَّل سنويا عشرات الحالات التي يُفقد فيها أفراد من عائلات كاملة بسبب غاز أحادي أكسيد الكربون، تبرز الحاجة إلى خطط وقائية أكثر ذكاء وانتظاما، تجعل المواطن في صميم العملية التحسيسية بدل أن يبقى مجرد متلقي للنصائح. في هذا السياق، أطلقت الحماية المدنية حملة وطنية واسعة تحت شعار “شتاء بلا حوادث”، في محاولة لتقليل الخسائر البشرية وبناء وعي مجتمعي مستدام حول ثقافة السلامة داخل المنازل.
يعتبر غاز أحادي أكسيد الكربون أكبر تهديد يواجه الأسر الجزائرية خلال الشتاء، لأنه غاز عديم اللون والرائحة، ما يجعل اكتشافه شبه مستحيل دون وجود تهوية أو أجهزة استشعار. هذا “القاتل الصامت” يتسلل عبر المدافئ التقليدية، سخانات المياه، والتوصيلات الغازية غير المطابقة، في وقت لا يدرك الكثير من المواطنين أنهم قد يواجهون خطرا قاتلا داخل منازلهم دون أي مؤشر إنذار واضح. ومع تراكم حالات الوفيات كل عام، بات التعامل مع هذا الملف ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
ورغم أن أغلب الحوادث يمكن تفاديها بسهولة، مثل فتح نافذة أو صيانة مدفأة، إلا أن ثقافة الوقاية ما تزال ضعيفة لدى جزء واسع من المجتمع. فبعض الناس يعتقدون أن البرد وحده العدو، فيغلقون النوافذ بإحكام، غير مدركين أن هذا السلوك البسيط قد يحبس داخل غرفهم غازات سامة. كما يستهين البعض بعملية الصيانة الدورية للأجهزة، ما يجعل المدفأة التي يفترض أن توفر الدفء تتحول إلى مصدر تهديد حقيقي. وهنا يظهر دور التوعية المستمرة وليس الموسمية، لأن الوقاية لا يمكن أن تكون مجرد حملة قصيرة المدى.
وتركّز الحماية المدنية منذ سنوات على إشراك المدارس في جهود التحسيس، اقتناعا بأن الأطفال هم القناة الأسرع لنقل السلوكيات السليمة داخل البيت. فطفل يفهم أن “التهوية تنقذ حياة” قد يصبح صوتا مؤثرا داخل العائلة، ويمارس دورا وقائيا يتجاوز عمره. وإلى جانب المدارس، تتجه الحملة نحو الجامعات ومراكز التكوين المهني، مستهدفة الفئات التي ستتعامل عمليا مع أدوات التدفئة والتركيب في المستقبل. إنها مقاربة جديدة تجعل الوعي عملية متدرجة تبدأ من الصغر وتترسخ بالخبرة.
وفي عالم سريع التغير، لم يعد بالإمكان مواجهة المخاطر الموسمية دون حضور إعلامي قوي ومتواصل. فالحماية المدنية باتت تعتمد على التلفزيون، الإذاعة، الصحافة الرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر رسائل قصيرة لكنها مؤثرة، تُذكّر بطرق الوقاية وتعرض شهادات من الميدان. وتزداد أهمية هذه الوسائل خلال موجات البرد الشديد أو العواصف الثلجية، حيث تتحول التوعية إلى “خط دفاع سريع” يمكنه الوصول إلى الملايين في لحظات حرجة.
كما أن الأنشطة الميدانية التي تنفذها فرق الحماية المدنية باتت اليوم عنصرا محوريا في الخطة الوطنية للوقاية. فالمواطن قد يسمع النصيحة عبر التلفزيون، لكنه يدرك خطورتها حين يراها مطبقة داخل منزله بواسطة إطار محترف. وتقوم الفرق بتفقد التهوية، فحص المدفآت، مراقبة التوصيلات، وتصحيح الأخطاء الشائعة. كما تُنشَر خيام توعوية في الأسواق والبلديات، وتتعاون المصالح المحلية والجمعيات ومختلف الهيئات لجعل الحملة أكثر قربا من الناس، وأكثر فعالية على أرض الواقع.
كل هذه الجهود تلتقي في رؤية واحدة: بناء مجتمع واع، قادر على حماية نفسه دون انتظار تدخل خارجي. فالتقليل من الحوادث لا يتحقق فقط بالإجراءات التقنية، بل بالتحول في السلوك اليومي، وفهم المخاطر، والالتزام بنصائح السلامة مهما كانت بسيطة. ورغم التحديات، تتطلع الحماية المدنية إلى تطوير أدوات رقمية وتطبيقات ذكية للتواصل مع المواطنين، وإلى إشراك مؤسسات أكثر في هذه الجهود. فحماية العائلات في الشتاء ليست معركة موسمية، بل مسار طويل يحتاج ثباتا وتنسيقا وتوعية مستمرة كي تصبح الوقاية سلوكا راسخا لا مجرد توصية.

