الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

دفتر الحسابات مفتوح بين طهران وواشنطن.. من يكتب قواعد المرحلة؟

Author
الأيام نيوز 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يتفق خبراء تحدثوا إلى “الأيام نيوز”، على أن تصريحات رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي تعكس قناعة متزايدة لدى القادة الإيرانيين بأن بلادهم دخلت مرحلة تفاوضية جديدة من موقع أكثر قوة وثقة. ويرى المحللون أن خطاب طهران الحالي يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: أولا؛ اعتبار أن نتائج الحرب عززت أوراق إيران السياسية والاستراتيجية، وثانيا؛ رفض أي مقاربة تقوم على تقديم تنازلات أحادية أو الاستجابة لشروط مسبقة، وثالثا؛ السعي إلى فرض معادلة تفاوضية قائمة على الندية والتبادل المتكافئ في مختلف الملفات. وفي هذا الإطار، تأتي الرسائل الإيرانية بوصفها مدخلا لإعادة رسم قواعد العلاقة مع واشنطن وترسيخ توازن جديد في إدارة الصراع، في ظل استمرار التباين بين رؤية أمريكية تقوم على ربط الحوافز بالالتزامات، ورؤية إيرانية تعتبر أن أي تفاهم مستقبلي يجب أن يعكس موازين القوى التي أفرزتها المرحلة الأخيرة.

في سياق تصاعد التوترات السياسية بين طهران وواشنطن، أعاد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، التأكيد على موقف بلاده من مسار التفاوض القائم، معتبرا أن إيران لم تعد في موقع رد الفعل، بل في موقع يفرض شروطه على الأرض السياسية والعسكرية. وفي منشور له على منصة “إكس”، شدد عزيزي على أن طهران، بوصفها “الطرف المنتصر في الميدان”، تتعامل مع أي مفاوضات من منطلق مختلف عن السابق، قائلا: “على ترامب أن يعلم أن إيران هي من تفرض الشروط، النقد مقابل النقد أو الكاش مقابل الكاش الآجل مقابل الآجل لا شيء مقابل لا شيء”. وأضاف في السياق نفسه: “لن نتنازل عن أي شيء مقابل لا شيء”، موضحا أن هذا المبدأ ينطبق على الملفات الواقعية المطروحة للنقاش، وليس على “الأمنيات” أو التصورات غير القابلة للتطبيق.

وفي المقابل، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أنه أصدر أوامر برفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، مشيرا إلى أن على طهران “فتح مضيق هرمز فورا دون قيد أو رسوم، والتعهد بعدم امتلاك سلاح نووي”. غير أن وكالة “فارس” الإيرانية نقلت عن مصادر مطلعة نفيا قاطعا لهذه الادعاءات، مؤكدة أنه “لا صحة للادعاءات الأخيرة التي أطلقها الرئيس ترامب بشأن اتفاق محتمل مع إيران”. وذهبت الوكالة إلى اعتبار أن “تصريحاته مزيج من الحقائق والأكاذيب ومحاولة لاستعراض نصر زائف وصنع انتصار وهمي”، في إشارة إلى أن الخطاب الأمريكي، وفق الرواية الإيرانية، يندرج ضمن إدارة سياسية للصورة أكثر منه توصيفا دقيقا للوقائع.

رضا القزويني، باحث ومختص في الشؤون الإيرانية / محلل سياسي

وفي قراءته للموقف الإيراني، يرى الباحث والمختص في الشؤون الإيرانية رضا القزويني أن تصريحات عزيزي لا تعكس تحولا مفاجئا في الخطاب الرسمي، بقدر ما تمثل امتدادا لتصور سياسي تبلور خلال المرحلة التي أعقبت المواجهة العسكرية الأخيرة. ويعتبر أن الدوائر السياسية في طهران تنطلق من قناعة مفادها أن البلاد نجحت في تجاوز الأهداف الأساسية للضغوط الأمريكية والصهيونية، وتمكنت في الوقت نفسه من إرباك جزء مهم من رهاناتها العسكرية والسياسية.

ويضيف القزويني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الخطاب الإيراني حول “الانتصار” لا يستند فقط إلى سردية داخلية ذات طابع تعبوي، بل يتغذى أيضا على قراءات صادرة عن مراكز بحث وشخصيات إعلامية غربية وأمريكية انتقدت أداء واشنطن و”تل أبيب” خلال الحرب. وفي هذا السياق، يشير إلى تحليلات تحدثت عن قدرة إيران على الحفاظ على توازنها الاستراتيجي رغم حجم الضغوط المفروضة عليها، وهو ما يمنح الخطاب الإيراني الحالي، وفق تقديره، هامشا أوسع من الثقة في التعاطي مع المرحلة المقبلة.

ومن زاوية أخرى، يقلل القزويني من أهمية الطرح الأمريكي المتعلق برفع القيود البحرية المفروضة على الموانئ الإيرانية، معتبرا أن هذا الإجراء، حتى في حال صحته، لا يمكن تصنيفه كتنازل سياسي. ويرى أن هذه القيود ارتبطت بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ما يجعلها في المنظور الإيراني ترتيبات استثنائية مرتبطة بظرف انتقالي، وليست ورقة تفاوضية قابلة للمقايضة. وبالتالي، فإن رفعها لا يضيف مكسبا جديدا لطهران بقدر ما يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل هذه الإجراءات.

ويضع القزويني ملف مضيق هرمز ضمن إطار استراتيجي يتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة، موضحا أن هذا الممر البحري تحول إلى عنصر مركزي في معادلات الأمن القومي الإيراني، نظرا لموقعه الجغرافي الحساس ودوره الحيوي في تدفق الطاقة العالمية. ووفق هذا التصور، لا تتعامل طهران مع المضيق بوصفه مجرد ممر تجاري، بل باعتباره أداة تأثير استراتيجية مرتبطة مباشرة بتوازنات القوة في منطقة الخليج.

أما في ما يتعلق بالملف النووي، فيرى القزويني أن المطلب الأمريكي القاضي بعدم امتلاك إيران لسلاح نووي لا يشكل نقطة خلاف جوهرية من منظور طهران، مستندا إلى تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تؤكد غياب أي برنامج عسكري معلن، إضافة إلى الفتوى الدينية التي تحظر إنتاج هذا النوع من الأسلحة أو استخدامه. كما يشير إلى أن إيران لم تتجه نحو تطوير سلاح نووي رغم امتلاكها القدرة التقنية على رفع نسب التخصيب في مراحل سابقة، وهو ما يعتبره دليلا على أن الاتهامات الموجهة إليها تحمل طابعا سياسيا أكثر من كونها مبنية على معطيات تقنية.

وفي مقاربة أوسع للرسائل الإيرانية، يربط القزويني، بين مواقف المسؤولين الإيرانيين والتقييم العام الذي تتبناه طهران لنتائج المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”. ويؤكد أن تصريحات رئيس لجنة الأمن القومي لا يمكن فصلها عن هذا السياق، بل تعكس رؤية مؤسساتية ترى أن ميزان المواجهة مال لصالح إيران. ويضيف أن هذا الخطاب لا يُصاغ بوصفه خطابا انفعاليا أو تعبويا ظرفيا، بل يعكس قناعة سياسية داخلية بأن طهران باتت تتحدث من موقع مختلف في معادلات الإقليم.

ويستند هذا التقدير، بحسب القزويني، إلى عدد من القراءات الغربية التي تناولت نتائج الحرب، ومن بينها ما أورده ديفيد هيرست، رئيس تحرير صحيفة “ميدل إيست آي”، الذي أشار في تحليل له إلى أن إيران خرجت من المواجهة بأفضلية واضحة. ويعتبر أن مثل هذه التقييمات الخارجية تمنح الخطاب الإيراني سندا إضافيا لتبني سردية “الطرف المنتصر”، دون الحاجة إلى توظيف دعائي مباشر أو مبالغ فيه.

وعند التطرق إلى ملف القيود البحرية، يوضح القزويني أن طهران لا تتعامل مع هذه الإجراءات بوصفها جزءا من عملية تفاوضية، بل كترتيبات استثنائية ارتبطت بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. ويستند في ذلك إلى توصيف إيراني يعتبر أن “الحصار البحري بدأ بعد سريان وقف إطلاق النار، لذلك يُعد جريمة إنسانية وخرقا للهدنة”، وهو ما يجعل أي تراجع عنه، من وجهة النظر الإيرانية، تصحيحا لوضع غير طبيعي وليس تنازلا سياسيا جديدا.

كما يعيد وضع مضيق هرمز ضمن إطار أوسع من الحسابات السيادية والاستراتيجية، مشيرا إلى أن “مضيق هرمز أصبح نقطة مهمة ومؤثرة على الأمن القومي الإيراني بسبب الموقعية الجيوسياسية وعبور السفن المتعلقة بالأطراف المعادية لإيران”. ووفق هذا المنظور، يتحول المضيق إلى عنصر سيادي مرتبط مباشرة ببنية الأمن الإقليمي وموازين القوى، وليس مجرد ممر اقتصادي أو تجاري.

وفي الملف النووي، يعيد القزويني التأكيد على أن المطالب الأمريكية لا تمثل إشكالا حقيقيا من وجهة النظر الإيرانية، مستندا إلى أن “تقارير الوكالة الدولية تؤكد عدم مساعي إيران للامتلاك، بالإضافة إلى الفتوى الدينية للقائد الشهيد التي تحرم امتلاك واستخدام السلاح النووي”. ويضيف في السياق ذاته أن إيران كانت تمتلك القدرة التقنية على الانتقال إلى مستويات أعلى من التخصيب، موضحا أنه “لو كانت إيران تريد الحصول على السلاح النووي، لَنَفَّذَت ذلك بعد العدوان الصهيوني الأول، وكانت تستطيع رفع نسبة التخصيب من 60% إلى 90% بكل سهولة وفي غضون أسابيع فقط”، وهو ما يقدمه كحجة إضافية على الطابع السياسي للاتهامات أكثر من كونها تقنية أو علمية.

سقوط مبدأ “الضغط مقابل الامتثال”

من جهته، يضع الخبير الاستراتيجي مصطفى الخفاجي تصريحات رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني ضمن إطار أوسع يرتبط بإدارة المرحلة التفاوضية المقبلة. فبرأيه، لا تقتصر أهمية هذه التصريحات على مضمونها المباشر، بل تتجلى أيضا في الرسائل السياسية التي تحملها إلى مختلف الأطراف المعنية. إذ تسعى طهران، وفق هذا التحليل، إلى تثبيت صورة مفادها أنها لا تدخل أي مفاوضات تحت الضغط، وأنها تعتبر امتلاك أوراق القوة شرطا أساسيا لتحقيق توازن حقيقي في أي حوار مستقبلي مع واشنطن.

مصطفى الخفاجي، خبير استراتيجي

ويؤكد الخفاجي – في حديث خص به الأيام نيوز – أن العبارات التي استخدمها عزيزي تعكس تمسكا واضحا بمبدأ المعاملة بالمثل، وهو المبدأ الذي تريد إيران أن يتحول إلى قاعدة حاكمة لكل الملفات المطروحة على طاولة النقاش. فالتسهيلات الاقتصادية أو التجارية، من وجهة نظرها، لا يمكن أن تكون مقابلا لتنازلات استراتيجية تمس القضايا السيادية أو الأمنية، بل ينبغي أن تندرج ضمن تفاهمات متكاملة تحقق مكاسب متوازنة للطرفين.

ويلاحظ الخبير أن طهران تحرص في هذه المرحلة على الفصل بين الملفات التي تعدها حقوقا سيادية وبين الملفات القابلة للتفاوض. ولذلك فإنها لا تنظر إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز باعتبارها امتيازا تمنحه الولايات المتحدة أو تنتزعه منها، كما لا تقبل التعامل مع برنامجها النووي السلمي باعتباره ورقة يمكن مقايضتها بإجراءات اقتصادية محدودة أو مؤقتة. ومن هنا تأتي حدة الخطاب الإيراني الرافض لأي صيغة تفاوضية تقوم على تقديم التزامات جوهرية مقابل خطوات جزئية.

ويضيف الخفاجي أن الرسائل الإيرانية لا تتوجه إلى واشنطن وحدها، بل تخاطب في الوقت نفسه الداخل الإيراني والقوى الإقليمية والدولية التي تتابع تطورات الأزمة. فالقيادة الإيرانية تسعى إلى ترسيخ قناعة بأن أي انفتاح تفاوضي مستقبلي لن يكون عودة إلى نماذج سابقة قامت على تقديم تنازلات أحادية، بل سيستند إلى مقاربة تقوم على التوازن والتبادل المتكافئ في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية.

الدكتور رضا حسن، أستاذ العلاقات الدولية

أما أستاذ العلاقات الدولية الدكتور حسن رضا، فينظر إلى السجال المتبادل بين طهران وواشنطن باعتباره انعكاسا لتحول أعمق في طبيعة العلاقة بين البلدين. فالمسألة، من وجهة نظره، لم تعد مرتبطة فقط بملفات محددة مثل العقوبات أو البرنامج النووي أو أمن الملاحة، بل أصبحت تتعلق بإعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي التي تحكم العلاقة بين الطرفين بعد المتغيرات التي فرضتها الحرب الأخيرة.

ويرى الأكاديمي حسن رضا – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن تأكيد المسؤولين الإيرانيين على فكرة فرض الشروط والتفاوض من موقع الندية يعكس سعيا إلى توسيع مفهوم الردع الإيراني ليشمل المجال السياسي والدبلوماسي إلى جانب أبعاده العسكرية التقليدية. فإيران، بحسب هذا التصور، تحاول إثبات أن قدرتها على التأثير لا تقتصر على امتلاك أدوات القوة الصلبة، بل تشمل أيضا قدرتها على فرض معادلات تفاوضية جديدة تأخذ مصالحها بعين الاعتبار.

وفي المقابل، يعتبر رضا أن الخطاب الأمريكي ما يزال يتحرك ضمن منطق يربط بين تقديم الحوافز الاقتصادية والحصول على تنازلات سياسية أو أمنية، وهو ما يفسر استمرار التباعد بين الرؤيتين. فبينما تنطلق واشنطن من فكرة “الضغط مقابل الامتثال”، تسعى طهران إلى تكريس معادلة مختلفة تقوم على “توازن القوة التفاوضي” ورفض أي التزامات لا يقابلها ثمن سياسي أو اقتصادي واضح.

ويخلص الخبير إلى أن تعقيد المرحلة الراهنة لا يرتبط فقط بحجم الخلافات بين الطرفين، وإنما أيضا بطبيعة الجمهور الذي يخاطبه كل منهما. فكل تصريح يصدر عن طهران أو واشنطن يحمل في الوقت نفسه رسائل موجهة إلى الداخل الوطني وإلى الحلفاء والشركاء الإقليميين، الأمر الذي يجعل هامش المناورة محدودا ويصعّب الوصول إلى تسويات سريعة. ولذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد يجري فيه تثبيت موازين القوى الجديدة، أكثر مما هي مقدمة لاتفاق شامل ونهائي في المدى القريب.

ما حقيقة “ميثاق فرعون”؟

في سياق إقليمي شديد التعقيد، تتسع دائرة الرسائل الإيرانية لتشمل إعادة صياغة بنية الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، في مقابل مقاربات أمريكية تقودها إدارة ترامب وتدفع باتجاه توسيع نطاق ما يُعرف بـ”الاتفاقيات الإبراهيمية” لتشمل أطرافا إضافية في المنطقة، من بينها السعودية وقطر، ضمن تصور يراه الخطاب الإيراني امتدادا لمحاولة إعادة هندسة الاصطفافات الإقليمية بما يخدم النفوذ الأمريكي والصهيوني.

وخلال مشاركته في الدورة الرابعة عشرة للاجتماع الدولي لكبار المسؤولين الأمنيين في موسكو، قدم نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني للشؤون الخارجية والأمن الدولي، علي باقري كني، قراءة تعتبر أن هذا المسار لا يعكس مجرد ترتيبات تطبيع، بل يعبر عن مشروع سياسي وأمني أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية. وفي هذا السياق، أعاد باقري كني توصيف “الاتفاقيات الإبراهيمية” من منظور نقدي حين أشار إلى أن “الاسم الحقيقي للخطة الصهيونية ليس الاتفاق الإبراهيمي بل ميثاق فرعون”، في صياغة تعكس موقفا إيرانيا يعتبر أن هذه الترتيبات تمنح غطاء سياسيا لمعادلات نفوذ غير متوازنة.

ويمتد هذا التوصيف إلى ربط التحولات الإقليمية بالأحداث المفصلية في المنطقة، حيث يضع الخطاب الإيراني عملية “طوفان الأقصى” ضمن سياق تراكمي، باعتبارها ردا غير مباشر على مشروع إعادة توزيع النفوذ الذي استهدف تقليص مركزية القضية الفلسطينية في الحسابات الإقليمية والدولية، وهو ما يقدمه كدليل على فشل سياسات إدارة التوازنات عبر التطبيع.

وفي المقابل، يبرز في الخطاب الإيراني انتقاد مباشر للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، حيث يُنظر إلى انتشار القواعد العسكرية والتنسيق الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني كعنصر بنيوي في إنتاج التوترات الحالية، وليس كعامل استقرار. ووفق هذا المنظور، تتحمل الدول المستضيفة لهذه القواعد جزءا من تبعات هذا التمركز العسكري، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو على مستوى إعادة تشكيل ميزان القوى.

وفي هذا الإطار، يعيد باقري كني التأكيد على ثبات الموقف الإيراني تجاه مضيق هرمز، بوصفه ممرا استراتيجيا لا يمكن إخضاعه لمنطق الضغط السياسي أو العسكري. ويطرح الخطاب الإيراني هذا الملف باعتباره جزءا من معادلة السيادة الإقليمية، مع التحذير من أن استخدام الممرات البحرية كأدوات ضغط يهدد الاستقرار الإقليمي ويعيد إنتاج أزمات أوسع تتجاوز حدود الخليج.

في المقابل، تشير مواقف إقليمية إلى وجود تباين واضح في التعاطي مع مسار التطبيع، إذ نقلت تقارير إعلامية عن مصدر سعودي تأكيده أن أي تطبيع مع الاحتلال الصهيوني يظل مشروطا بوجود مسار واضح وغير قابل للتراجع نحو إقامة دولة فلسطينية، في موقف يعكس تحفظا على تسريع مسار “الاتفاقيات الإبراهيمية” دون معالجة جوهر القضية الفلسطينية.

ويأتي هذا في ظل تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدفع باتجاه إلزام دول المنطقة بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية كجزء من أي تسوية أوسع مع إيران، مع التلويح بخيارات عسكرية في حال فشل التوصل إلى اتفاق نهائي. ويعكس هذا الخطاب، في مضمونه السياسي، محاولة لدمج أدوات الضغط العسكري والدبلوماسي ضمن مسار تفاوضي واحد، في مقابل خطاب إيراني يسعى إلى تقديم نفسه كطرف يرفض منطق الإملاءات ويعيد تعريف قواعد التوازن الإقليمي من موقع الندية.

حاتم عاطف، عميد ومحلل سياسي وعسكري

في هذا السياق، يرى العميد حاتم عاطف، المحلل السياسي والعسكري من مصر لـ”الأيام نيوز”، أن ما يُعرف بـ”ميثاق فرعون” في الأدبيات السياسية الإيرانية يعكس قراءة طهرانية لمحاولة أمريكية لإعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي عبر ربطها بالبنية العسكرية الغربية، بما يمنح واشنطن قدرة أوسع على التحكم في توازنات المنطقة.

ويفسر العميد حاتم عاطف هذا الطرح في سياق شامل عندما يربط تصريحات نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني للشؤون السياسية والأمن الدولي علي باقري بفكرة مشروع يستهدف استبدال التوازنات الإقليمية التقليدية بمنظومة تقودها الولايات المتحدة وتفرض ما يسميه “القوة القهرية” على دول المنطقة، وهي صيغة تعكس، بحسب قراءته، انتقالا من إدارة التوازن إلى فرض الهيمنة.

وفي سياق هذا الطرح، يبرز أن طهران تنظر إلى تلك التحالفات بوصفها محاولة لإرساء “نظام حماية” يعيد صياغة القرار الأمني لدول المنطقة وفق اعتبارات أمريكية في مواجهة إيران، وهو ما تعتبره مساسا مباشرا بمبدأ السيادة الوطنية. كما يضع العميد حاتم عاطف هذا التوتر ضمن سياق أوسع حين يربط تصاعد انعدام الأمن بطبيعة السياسة الأمريكية التي تتعامل مع المنطقة باعتبارها “رقعة شطرنج” تخضع لحسابات استراتيجية خارجية، في حين تدفع هذه المقاربة، وفق تحليله، إيران إلى تطوير قدراتها غير المتماثلة بما يرسخ دائرة الفعل ورد الفعل ويعمّق حالة الاضطراب الأمني.

ويؤكد في هذا السياق أن بناء معادلة أمنية مستقرة في الشرق الأوسط يتطلب انتقالا من منطق السوق العسكرية إلى منطق الشراكة الاستراتيجية، معتبرا أن أي مقاربة جديدة تبدأ من تفكيك منطق الوصاية الدولية لصالح ترتيبات إقليمية خالصة. ويضيف أن ما يسميه “الاستقلال الأمني” يقوم على إبعاد القوى الخارجية عن صناعة القرار الإقليمي، مقابل فتح المجال أمام الدول لصياغة ترتيباتها الخاصة، بما يشمل إدارة أمن الممرات الحيوية عبر مقاربة تقوم على “تفاهمات الممر والمصير”، بحيث تتحمل الدول المطلة على الخليج ومضيق هرمز مسؤولية مباشرة في ضمان أمن الملاحة وتدفق الطاقة دون وجود عسكري دائم لقوى خارجية.

ويربط العميد حاتم عاطف ذلك بضرورة بناء تنسيق استخباراتي مباشر بين الدول الإقليمية لتحديد خطوط حمراء مشتركة، إلى جانب معالجة الملفات العسكرية العالقة عبر اتفاقات تقوم على منطق حسن الجوار السيادي، مع تحويل التنافس الأمني إلى شراكات اقتصادية تقلل من احتمالات الانزلاق نحو المواجهة، عبر خلق “قوة ردع اقتصادية” تجعل كلفة الصراع أعلى من مكاسبه.

إيران تطرح الأمن الجماعي كبديل عن الترتيبات المفروضة خارجيا

في المقابل، يقدم الدبلوماسي الإيراني السابق محمد مهدي شريعتمدار لـ”الأيام نيوز” قراءة تضع تصريحات علي باقري حول “ميثاق فرعون” داخل إطار رؤية إيرانية تعتبر أن جذور الأزمة الأمنية في الشرق الأوسط لا تنبع من الداخل فقط، بل ترتبط بالبنية المختلة للنظام الأمني الدولي وبالتدخلات الخارجية التي أعادت تشكيل موازين القوى بصورة غير مستقرة.

محمد مهدي شريعتمدار، دبلوماسي إيراني سابق

ويربط شريعتمدار هذا التوجه بإصرار إيراني على إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية ورفض أي أشكال من الوصاية الخارجية، معتبرا أن التدخلات الخارجية عمّقت الأزمات ورفعت مستويات التوتر، ما يستدعي إعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أساس احترام السيادة وعدم التدخل.

ويقرأ شريعتمدار التحول في الخطاب الإيراني بوصفه انتقالا من منطق الأمن المفروض من الخارج إلى منطق الأمن القائم على التعاون الإقليمي والتفاهمات المشتركة بين دول المنطقة، ضمن رؤية ترى أن الاستقرار لا يمكن أن يُفرض من خارج الإقليم بل يجب أن يتشكل داخله. كما يربط هذا التحول بقناعة إيرانية متزايدة بأن بناء الأمن المستدام لا يتحقق عبر تحالفات مفروضة أو ترتيبات أحادية، بل عبر منظومة أمن جماعي تقوم على عدم التدخل وحسن الجوار، في ظل الحاجة إلى تجاوز فجوة انعدام الثقة بين الأطراف الإقليمية.

ويضيف شريعتمدار أن طهران تقدم هذا التصور كبديل عملي للسياسات القائمة التي لم تحقق الاستقرار، معتبرا أن استمرار نهج التدخل الخارجي والتنافس على النفوذ يعيد إنتاج الأزمات بدل حلها، ما يفرض، وفق قراءته، توجيه الجهود نحو مسارات الحوار الإقليمي وبناء الثقة.

في سياق مواز، أعلن مقر خاتم الأنبياء الإيراني عن سلسلة إجراءات تنظيمية جديدة تتعلق بحركة الملاحة في مضيق هرمز. وبموجب هذه الإجراءات، باتت جميع السفن التجارية وناقلات النفط المارة عبر مضيق هرمز ملزمة بالالتزام بالمسارات البحرية التي تحددها السلطات الإيرانية، إضافة إلى الحصول على تراخيص مسبقة من بحرية الحرس الثوري قبل عبور المضيق.

وأوضح البيان أن أي مخالفة لهذه التعليمات أو تجاهل للممرات المحددة قد يعرّض السفن المخالفة لإجراءات صارمة، في إشارة إلى تشديد قواعد الضبط البحري في المنطقة. كما حذّر من أن أي تدخل من قبل سفن عسكرية أجنبية في تنظيم الملاحة داخل المضيق سيُعتبر تهديدا مباشرا، وقد يُعامل وفق قواعد اشتباك مفتوحة.

ويشير البيان أيضا إلى أن القوات المسلحة الإيرانية تدير هذا الممر الاستراتيجي بحزم كامل، في ظل تصاعد أهميته باعتباره شريانا رئيسيا لإمدادات الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز من دول الخليج، ما يجعله نقطة حساسة في معادلة الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.

وفي تطور ميداني منفصل، أفادت وكالة “بلومبرغ” بأن هجوما صاروخيا باليستيا إيرانيا استهدف قاعدة جوية في الكويت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ما أدى إلى إصابات طفيفة في صفوف أمريكيين وأضرار كبيرة في طائرات مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper.

وبحسب المعلومات الواردة، فقد تمكنت الدفاعات الجوية الكويتية من اعتراض صاروخ “فاتح-110”، إلا أن الحطام المتساقط تسبب بأضرار داخل قاعدة علي السالم الجوية. وأفادت المصادر بإصابة نحو خمسة أشخاص، بينهم متعاقدون وأفراد عسكريون، إضافة إلى تدمير طائرة مسيّرة واحدة وإلحاق أضرار جسيمة بأخرى.

كما تشير المعطيات إلى أن الحرب الدائرة استنزفت مخزونات أمريكية من الذخائر الدقيقة، بما في ذلك صواريخ كروز وأنظمة دفاع جوي متقدمة، في وقت تتزايد فيه الكلفة العسكرية الإجمالية للتصعيد. ويُقدَّر أن الصاروخ الإيراني المستخدم في الهجوم، من طراز “فاتح-110”، قادر على حمل رأس حربي بوزن يصل إلى 500 كيلوغرام، وقد جرى استخدامه في سياقات إقليمية متعددة خلال الفترة الأخيرة.