الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

دمج المعاهد الفنية في منصة “بروغرس”.. مقتضيات التأطير ورهان الخصوصية البيداغوجية

Author
هارون عمري 03 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تفتح وزارة الثقافة والفنون الجزائرية مرحلة جديدة في مسار هيكلة القطاع الإبداعي، عبر إطلاق فعاليات الأبواب المفتوحة حول التعليم الفني العالي بمركز الفنون والثقافة في قصر رياس البحر بالعاصمة، بالتزامن مع القرار التاريخي المتمثل في إدراج تخصصات المعاهد العليا للفنون الجميلة والموسيقى وفنون العرض والسينما وحفظ الممتلكات الثقافية ضمن منصة “بروغرس” الرقمية التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو القرار الذي يكرّس اندماج التكوين الإبداعي داخل المنظومة الأكاديمية الوطنية، ويرسم آفاقاً جديدة للطلبة الجدد من حاملي شهادة البكالوريا، مترافقاً مع قرار تمديد التظاهرة إلى غاية السادس من أوت، لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الراغبين في الاستفادة من التوجيه وإجراءات التسجيل الإلكتروني.

وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد الناقد والمخرج المسرحي، الدكتور حبيب بوخليفة، أن إدراج التعليم العالي الفني والأكاديمي ضمن نظام (ليسانس-ماستر-دكتوراه) يحمل جوانب إيجابية وأخرى تستدعي المراجعة، معتبراً أن هذه الخطوة من شأنها الارتقاء بالمستوى الفني والفكري والجمالي للممارسة الإبداعية، وإضفاء بعد أكاديمي وأنثروبولوجي يسهم في خدمة الثقافة الجزائرية وإنتاج أعمال فنية أكثر قدرة على ترسيخ الذاكرة الوطنية.

تفتح هذه الخطوة الإجرائية باب النقاش واسعاً حول مستقبل التأطير البيداغوجي ومدى جاهزية المؤسسات التكوينية لاستيعاب التحولات الجديدة، حيث ترتبط النجاعة العملية بمدى الموازنة بين متطلبات الرقمنة الشاملة والروح الحرة التي يتغذى منها الفن.

تأصيل الخصوصية البيداغوجية ومحاذير الصرامة الإدارية

تثير عملية إدراج التكوين الفني العالي ضمن الشبكات الرقمية الموحدة ونظام المعايير الأكاديمية الصارمة نقاشاً عميقاً داخل الأوساط الثقافية، حول التوازن المطلوب بين صيانة طبيعة الإبداع وإكراهات التسيير الإداري، إذ تعتمد المهن الفنية بالأساس على مرونة الأداء وحرية التجريب الميداني داخل الورشات التطبيقية، ما يفرض توفير مناهج تدريس خاصة تبتعد عن القوالب النمطية الجافة التي تميز التخصصات النظرية.

كما يستدعي هذا التحول التنسيقي بين قطاعي الثقافة والتعليم العالي مراعاة الطبيعة الاستثنائية للتدريب المسرحي والسينمائي والتشكيلي، بغية حماية روح المبادرة الفردية التي تشكل جوهر العمل الإبداعي.

وأوضح الدكتور حبيب بوخليفة أن تطبيق نظام (ل.م.د) لا يتلاءم بالضرورة مع جميع التخصصات الفنية، لاسيما الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا وغيرها من الفنون التي تعتمد أساساً على الورشات والممارسة التطبيقية داخل فضاءات التكوين، وهو ما يستدعي منح المعاهد العليا للفنون خصوصية بيداغوجية ضمن المنظومة الجامعية.

يضمن هذا التمييز البيداغوجي للمؤسسات التكوينية الحفاظ على قدرتها في صقل القدرات الأدائية والتعبيرية للطلبة، وتجنب تحويل العملية التعليمية إلى مجرد تراكم معارف نظرية جافة تفقد الفن حرارته الميدانية وتفاعله الصريح مع الجمهور.

وينعكس الرهان الحقيقي في بناء نموذج بيداغوجي مرن يزاوج بين الصرامة العلمية المطلوبة للشهادة الجامعية والحرية المطلوبة للعملية الإبداعية، لضمان تخرّج طلبة يملكون الأدوات النظرية والمهارات الميدانية في آن واحد.

معادلة شهادة البكالوريا ورهان استقطاب المواهب الاستثنائية

يضع شرط الحصول على شهادة البكالوريا للالتحاق بآليات التكوين الفني العالي المؤسسات الثقافية أمام اختبار جوهري يتعلق بكيفية التعامل مع الطاقات الإبداعية العصامية التي قد تفتقر إلى المسار الأكاديمي التقليدي، فالكثير من القامات الفنية والمسرحية عبر التاريخ تشكلت خارج أطر الشهادات الرسمية واعتمدت على الموهبة الفطرية والممارسة الاحترافية المباشرة.

كما يتطلب الارتقاء بالتكوين الفني إيجاد صيغ تنظيمية مرنة تتيح استيعاب المواهب الشابة المتميزة وإدماجها في مسارات التدريب العالي، دون أن يشكل العائق الإداري المتمثل في الشهادة الحجمية حاجزاً أمام بروز الشغف الفني الأصيل.

وأضاف الدكتور حبيب بوخليفة في هذا الصدد أن من أبرز التحديات التي قد تطرحها هذه الصيغة احتمال إقصاء بعض المواهب الفنية التي لم تتحصل على شهادة البكالوريا، رغم امتلاكها قدرات إبداعية تؤهلها للنجاح في مسار التكوين الفني العالي.

يدعو هذا الواقع التنافسي إلى تطوير آليات كشف ودعم موازية تعتمد على اختبارات القدرات الفنية والمقابلة الشفهية كمعيار أساسي لانتقاء المترشحين، بما يضمن توسيع قاعدة المشاركة ورعاية المبدعين الحقيقيين في مختلف ربوع الوطن.

وتتحول المسابقة الشفهية والاختبارات التطبيقية الميدانية في المعاهد الفنية إلى صمّام أمان يضمن عدم الاكتفاء بالمعايير المعدلية الرقمية، لتلتقي الجدارة الأكاديمية بالشرارة الإبداعية في فضاء تكويني واحد.

تكامل المنظومة الرقمية وترقية آفاق الاندماج المهني

يمثل ربط مؤسسات التكوين الفني العالي بمنصة “بروغرس” خطوة تنظيمية متقدمة تسهل على حاملي البكالوريا الجدد الاطلاع على بطاقية التخصصات المتاحة، والاستفادة المباشرة من الخدمات الجامعية المتعلقة بالإيواء والمنح والمنظومة الاجتماعية، ما يرفع عن الطالب الفني أعباء المعاملات الورقية الكلاسيكية ويساهم في تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين عبر الولايات.

ويسهم هذا الاندماج الرقمي في تعزيز الاعتراف الأكاديمي بالشهادات الممنوحة من قبل معاهد وزارة الثقافة، ويفتح أمام المتخرجين آفاقاً أرحب للاندماج في سوق الشغل والقطاعات الاقتصادية ذات الصلة بالصناعات الخلاقة.

كما تظهر المتابعة المباشرة لقطاع الثقافة عبر تنظيم جلسات التحضير للدخول الجامعي الحرص على توفير التأطير البيداغوجي والإداري المناسب، لمرافقة الدفعات الجديدة وتوجيهها نحو الممارسة الاحترافية الواعية.

وتسمح هذه الرقمنة التنسيقية بردم الفجوة التاريخية بين التعليم الجامعي الأكاديمي والتكوين الفني الميداني، ما يرسخ مفهوم الفن كقطاع حيوي يستند إلى المعرفة العلمية ويساهم في بناء الاقتصاد الثقافي الوطني، حيث تفتح هذه الشفافية الإجرائية الباب أمام خلق قاعدة بيانات وطنية للمبدعين الجدد، تتيح للمؤسسات الإنتاجية والسينمائية والمسرحية استقطاب الطاقات المتخرجة مباشرة من دكة المعاهد الأكاديمية.

تكييف المنظومة البيداغوجية مع خصوصية الممارسة المسرحية والسينمائية

تفرض طبيعة التخصصات الأدائية المسرحية والسينمائية نمطاً خاصاً من الساعات الدراسية والتقييم البيداغوجي يختلف عن الكليات النظرية والعلمية، حيث تتطلب مادة التمثيل أو الإخراج التفرغ الكامل للحصص التطبيقية والتدريبات الممتدة داخل الخشبة أو البلاتو.

ويحتاج نظام التقييم الأكاديمي إلى استيعاب مخرجات الورشة الفنية واعتبار العرض المسرحي أو المشروع الفيلمي التخرجي مادة بحثية متكاملة بحد ذاتها، تعادل الأطروحات المكتوبة في قيمتها العلمية والأكاديمية.

كما يسهم هذا الاعتراف الأكاديمي بالعمل الميداني في حماية الطالب من ضغوط الامتحانات النظرية التجريدية التي قد تشتت تركيزه عن إنجاز مشروعه الإبداعي وتطوير أدواته الأدائية.

وتتيح المرونة البيداغوجية لأساتذة المادة ومؤطري الورشات تقييم النمو والتطور الميداني للمترشح بناءً على قدرته على حل المشكلات الإبداعية وتطوير أسلوبه الشخصي في التعبير.

يضمن هذا التوازن بين الممارسة العملية والتأطير النظري تخريج صُنّاع مسرح وسينما يملكون أدوات التحليل البنيوي والقدرة الميدانية على إدارة العروض الحية والبلاتوهات المعقدة.

المعاهد المتخصصة وتحدي صيانة التراث وحفظ الممتلكات الثقافية

يمتد الرهان التكويني للتعليم الفني العالي ليشمل قطاع حفظ الممتلكات الثقافية وترميمها عبر المؤسسات المتخصصة كمدرسة تيبازة، حيث تلتقي العلوم الدقيقة بالدقة الفنية لحماية الذاكرة العمرانية والأثرية للبلاد.

ويتطلب هذا التخصص الهجين مزيجاً من المعرفة الكيميائية والتاريخية إلى جانب الحس الجمالي العالي، ما يجعل إدراجه ضمن المنصات الرقمية الوطنية خطوة لتشجيع الطلبة الشغوفين بالتراث على خوض هذا المسار الحيوي.

كما يسهم تدريب كفاءات وطنية مؤهلة في مجال الترميم والحفظ في استعادة المبادرة الميدانية لحماية المعالم التاريخية الممتدة من الشمال إلى العمق الصحراوي دون الارتهان المفرط للخبرات الأجنبية.

وتضمن الشراكة بين المؤسسات التكوينية والقطاعات الميدانية توفير مساحات تدريب واقعية داخل المواقع الأثرية والمتاحف، ما يرفع من جاهزية المتخرجين لمباشرة مشاريع الصيانة والترميم فور تخرجهم، ويشكل الاستثمار في التكوين التراثي صمّام أمان لحماية الهوية الوطنية وصيانة المعالم التاريخية باعتبارها رصيداً حضارياً واقتصادياً يغذي السياحة الثقافية المستدامة.

الصناعات الخلاقة كرافد لبناء الاقتصاد الثقافي

تتجاوز وظيفة معاهد التكوين الفني إعداد المبدعين والمنفذين الفنيين لتصل إلى صياغة رؤية اقتصادية شاملة تنظر للفن كصناعة حيوية تسهم في خلق مناصب الشغل وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.

ويتطلب الانتقال نحو الاقتصاد الثقافي المبتكر إدماج مقياس إدارة المشاريع الفنية والتسويق الثقافي ضمن مناهج التعليم العالي الفني، لتمكين الخريجين من تأسيس مؤسساتهم الناشئة وشركات الإنتاج المستقلة.

ويسهم التأسيس الأكاديمي المنظم في تحويل المبادرات الفردية العفوية إلى مشاريع استثمارية قائمة على دراسات جدوى ورؤية تسويقية تستهدف السوق الوطنية والدولية.

تساعد المنظومة الرقمية الموحدة في تقديم الخريجين للقطاع الخاص والشركات الوطنية الراغبة في الحصول على كفاءات مؤهلة للترويج البصري وصناعة المحتوى الرقمي والسينمائي الاحترافي، ويؤدي التكامل بين الإبداع الفني والآليات الاقتصادية إلى بناء صناعة ثقافية متماسكة تحقق الاكتفاء الذاتي في المادة الترفيهية والجمالية وتنافس بفاعلية في الفضاء الإقليمي.

الجامعة والصناعات الإبداعية في خدمة الأمن الثقافي

تتجاوز أهداف الأبواب المفتوحة حدود التوجيه الإداري لتستقر عند بناء رؤية وطنية شاملة تجعل من الفن أداة لاستعادة التراث وصيانة الأمن الثقافي للمجتمع، إذ تقع على عاتق المخرجات الأكاديمية مسؤولية إعادة صياغة المشهد الجمالي والارتقاء بالمحتوى الموجه للجماهير.

كما يتيح التأسيس الأكاديمي المتين للممارسين الجدد بناء أعمال سينمائية ومسرحية وتشكيلية تمتلك أدوات النقد التحليلي والوعي الأنثروبولوجي التاريخي، ما يعزز القدرة على التنافس في المحافل الدولية ونقل الرواية الوطنية بكفاءة احترافية عالية.

وختم الدكتور حبيب بوخليفة تأكيده بالقول إن إدراج التكوين الفني ضمن النظام الجامعي يمثل مبادرة مهمة لإبراز مكانة التعليم الفني الأكاديمي، ودوره في تحسين جودة المنتوج الثقافي والفني والارتقاء بمستوى الأعمال الإبداعية في الجزائر.

يظل التحدي قائمًا في الموازنة الدقيقة بين الضوابط الأكاديمية وحرية التجريب الإبداعي، لضمان تخرّج إطارات وكفاءات قادرة على قيادة التحوّل الثقافي وصناعة مشهد فني جزائري متكامل يجمع بين عمق الأصالة والاحترافية المعاصرة.

وتكتسب هذه الصياغة الجديدة معناها العميق عندما يتحوّل الخريج الأكاديمي من مجرد منفذ تقني إلى صاحب مشروع فكري وجمالي، يخوض معركة الوعي ويحمي الذاكرة الوطنية من التنميط والاستلاب الثقافي.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"