ديدوش وزبانة و طالب عبد الرحمن ..قصة تمريغ شباب الجزائر لرابع قوة عسكرية عالميًا

تضافرت إرادات كوكبة من الشباب الجزائري الغضّ قبل 67 سنة ليفجّروا أعظم ثورة تحررية في العصر الحديث، ولعلّ كل باحث قام بدراسة الظروف الكارثية التي كان يحياها الجزائريون آنذاك، يقرّ بقيمة ما جسده الشباب النوفمبري الفذّ، فثورة التحرير ما كانت لتولد لولا أولئك الفتية البواسل… شباب وزنهم من ذهب دوّخوا ومرّغوا رابع قوة عسكرية في العالم.

لم ينتظر سويداني بوجمعة والعربي بن مهيدي ولا محمد بوضياف وأقرانهم من أحد أن يطلب منهم أخذ زمام المبادرة، ولعب دورٍ رياديٍ في المشهد الثوري، ففي خضمّ أزمة مصالي الحاج الذي كان الزعيم آنذاك “يصوم الشعب أيام سجنه تضامنًا ووفاءً”، استطاع ثلّة من الشباب تشكيل اللجنة الثورية للوحدة والعمل، هذه الأخيرة شكّلت أولى لبنات تفجير ثورة نوفمبر، ولم يدفع الصراع على الزعامة بهؤلاء الشباب إلى الهجرة الجماعية أو السقوط في مستنقع الآفات الاجتماعية، بل تحمّلوا مسؤولياتهم كاملة وأجادوا تسيير المواقف الصعبة.

وبجرد بسيط لقائمة أبرز قادة وفاعلي الثورة، نلاحظ أنّهم كانوا شبانًا عشرينيين وثلاثينيين، في صورة ديدوش مراد (27 سنة)، العربي بن مهيدي (31 سنة)، ياسف سعدي (34 سنة)، علي ملاح (30 سنة)، أحمد محساس (31 سنة)، عبان رمضان (34 سنة)، العقيد أحمد بن عبد الرزاق حمودة “سي الحواس” (31 سنة)، سويداني بوجمعة (32 سنة)، مصطفى بن بولعيد (37 سنة)، والقائمة زاخرة بملايين الشباب الذين اختاروا التضحية بأرواحهم فداءا للجزائر.

ويعدّ الشهيد “عمر ياسف” المعروف باسم “عمر الصغير”، مثالاً لتضحيات ناشئة الجزائر أثناء الثورة، فقد انضمّ هذا الرجل الصغير بسنه، الكبير بشكيمته، إلى الثورة وسنّه لم يتعدّ 13 عامًا، وكان من مجاهدي حي القصبة العتيق، شارك في الكفاح مع رجال في سن والده، حيث نهض بمهمة إيصال وتبادل الرسائل بين مسؤولي وناشطي الثورة، وكان حلقة الوصل بين القائد  العربي بن مهيدي وياسف سعدي وباقي الفدائيين، حتى شهد له الرمز العربي بن مهيدي بحماسه الفياض وبإرادته الفولاذية، إلى غاية استشهاده رفقة حسيبة بن بوعلي وعلي لابوانت وحميد بوحميدي فجر الثامن أكتوبر 1957.

أمثلة نادرة

يعدّ الكثير من الثوّار الجزائريين الشباب، أمثلة نادرة، في صورة الشاب “أحمد زهانة” المعروف ثوريًا باسم “زبانة”، بشجاعته وصبره، ما جعله ينال الشهادة ببطولة أذهلت زبانية الاستعمار، ففي 19 جوان 1956 حينما كان عمر زبانة 30 سنة فحسب، اقتيد في حدود الرابعة فجرًا من زنزانته وسيق نحو المقصلة وهو يردّد بصوت عال: “مسرور جدًا أن أكون أول جزائري يصعد المقصلة، وبوجودنا أو بغيرنا ستعيش الجزائر حرة مستقلة”، وكان زبانة كلّف محاميه بتبليغ رسالة إلى أمه، كتب فيها:” أقاربي الأعزاء، أمي العزيزة: أكتب إليكم ولست أدري أتكون هذه الرسالة هي الأخيرة، والله وحده أعلم، فإن أصابتني مصيبة كيفما كانت، فلا تيأسوا من رحمة الله، إنما الموت في سبيل الله حياة لا نهاية لها، والموت في سبيل الوطن واجب، وقد أديتم واجبكم حيث ضحيتم بأعز مخلوق لكم، فلا تبكوني بل افتخروا بي… وفي الختام تقبّلوا تحية ابن وأخ كان دائمًا يحبكم وكنتم دائما تحبونه، ولعلها خير تحية مني إليكم، وإني أقدمها إليك يا أمي وإليك يا أبي وإلى نورة والهواري وحليمة والحبيب وفاطمة وخيرة وصالح، وإليك يا أخي العزيز عبد القادر وإلى جميع من يشارككم في أحزانكم .. الله أكبر وهو القائم بالقسط وحده ابنكم وأخوكم الذي يعانقكم بكل فؤاده.. احميدة”.

عبد الرحمن طالب … الكيميائي الفريد

يعدّ كيميائي الثورة المجيدة، عبد الرحمن طالب، أنموذجًا فريدًا للرعيل الأول من الطلاّب الجزائريين الذين لقّنوا المحتلّ القديم دروسًا من ذهب، واستشهد عبد الرحمن في ريعان شبابه إعداما بالمقصلة فجر 24 أفريل 1958، بعدما أجبر فرنسا الاستعمارية على الاذعان لعبقريته والتزامه التام باستقلال الجزائر.

بالتزامن مع احتفال الفرنسيين بانقضاء قرن على “احتلال الجزائر”، وُلد عبد الرحمن طالب عام 1930 بحي القصبة في الجزائر العاصمة، وكانا والداه من منطقة ميزرانة بتيزي وزو، وتشبّع الشهيد عبد الرحمن طالب بقيم ومُثل الحركة الوطنية، مما جعله يقول “الهلاك من أجل وطني ومُثلي وشعبي ما هو إلا تضحية سامية سأنالها، والجزائر ستكون حرة تجاه وضد الكل”، وكان عبد الرحمن الحيي رجلاً كريًما، بحسب رفيق دربه محمد رباح، وسعى دائما إلى مساعدة طلاب الثانوية الذين كان يلتقيهم في مقهى تلمساني بضاحية لامارين (La Marine)، واستمتع أيضا بأوقات فراغه في الصيد بمنطقة “راس المول”.   

وعلى مدار سنتين، تابع عبد الرحمن طالب، دراسات الطب بكلية الجزائر العاصمة، لكن شغفه بالكيمياء حمله على التخصص في هذا المجال، حيث اختار هذا التخصص لأجل أن يصنع قنابل ومتفجرات لجيش التحرير الوطني، بحسب ابن أخيه، عبد الرحمن طالب الذي يحمل اسم ابن عمه.

وتعلّم عبد الرحمن طالب اللغة الألمانية لأجل أن يتمكن من تحليل تجارب صانع الصواريخ V2، فيرنر فون براون الذي صنع الصواريخ العسكرية الأولى التي لها مدى 350 كيلومترًا، ووصلت سرعتها 5800 كلم/الساعة، وهي الصواريخ التي استعملت في قصف لندن خلال الحرب العالمية الثانية.

في الجبل، أطلق عليه رفقاء الدرب اسم مستعار محند أكلي لكي لا يجذب الانتباه، حيث كان اسمه الحقيقي معروفًا من طرف القوات الاستعمارية وكان محل بحث حثيث، ويقول ابن أخيه إنّ عبد الرحمن كان يتبادل الرسائل مع الثائر العالمي تشي غيفارا، وكان معجبًا بالمقاوم السابق ورئيس فيتنام، هو شيء منه.

وأشار الباحث في التاريخ، محمد رباح الذي عاش مع الشهيد وأعضاء آخرين من عائلة طالب، أنّه إثر وشاية رعناء، سقط الشهيد في 1957 في كمين نصبه مظليو الجيش الاستعماري الذين جعلوه يعاني من ويلات العذاب، فكان كل مساء، يتم تجريده من ملابسه ويدفن بالثلج حتى يغطي رأسه، ثم يتم اخراجه بعد ذلك في الصباح الباكر.

وفي يوم إعدامه بسجن سركاجي (بربروس سابقا) بالعاصمة الجزائرية، صدح عبد الرحمن طالب الذي لم يتجاوز آنذاك 28 سنة، للإمام الذي عينته الادارة العسكرية لقراءة الفاتحة، بأقوالٍ ما تزال تثير القشعريرة: “خذ سلاحًا والتحق بالجبل”، وبعد أشهر من ذلك، التحق الإمام بالجبل وسقط في ميدان الشرف.

تلك العبارة التي أطلقها طالب عبد الرحمن تلخص الشخصية القوية، وتبرز التزام هذا المفكر الشاب الذي كان صدرت في حقه ثلاثة قرارات بالإعدام، حسبما أوضحه رباح صاحب كتب “السبل والرجال”.

وقال عبد الرحمن طالب لجلاديه: “يطالبون برأسي من جديد وللمرة الثالثة. لكن، يا سادة، أنا ميّت من قبل، وصدّقوني قرار إعدامي الثالث لن يخيفني أبدًا”، علمًا أنّ الجلاد المشؤوم فيرناند ميسونييه المكلف بتنفيذ الإعدامات إبان حرب الجزائر، أدلى بشهاداته في مذكراته ” كلمات جلاّد”، مشيرًا إلى أنه من بين 340 جزائريًا أعدموا، ذكر ثلاثة حُكم عليهم بالإعدام، من بينهم عبد الرحمن طالب الذي أقرّ ميسونييه بشجاعته.

وبخصوص طالب عبد الرحمان، كتب الجلاد في مذكراته ما يلي: “لقد توفي بشجاعة، بل تنتابني مشاعر ندم، لكن ستقولون لماذا، حيث أردت انقاذه، كنت أود أن يموت إثر سكتة قلبية وأن لا أقطع رأسه واحتفظت بنظاراته كذكرى”، علمًا أنّ ميسونيي أراد بيع نظارات البطل في المزاد العلني، لكن السلطات الفرنسية منعت ذلك.

وعلى منوال طالب عبد الرحمن، يتشامخ العربي بن مهيدي الذي وُلد عام 1923 بدوار الكواهي التابع لولاية عين مليلة شرق الجزائر، من أسرة ميسورة، ودخل المدرسة الابتدائية الفرنسية بمسقط رأسه، وبعد سنة دراسية واحدة انتقل إلى باتنة لاستئناف التعليم الابتدائي بها، وغداة حصوله على الشهادة الابتدائية، انتقل العربي إلى مدينة بسكرة وفيها تابع دراساته، قبل أن ينتقل مجدّدًا إلى مدينة قسنطينة، وفي عام 1939 انضم بن مهيدي إلى صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية، وانتمى إلى “فوج الرجاء”، وأصبح بعد بضعة أشهر قائدًا لفرقة الفتيان. 

عام 1942 انضم الشهيد إلى صفوف حزب الشعب، واهتمّ كثيرا بتفاعلات الشأن السياسي الجزائرية وأفق الحركة الوطنية، وعند تنظيم مظاهرات الثامن ماي 1945 الدامية، كان العربي بين آلاف المعتقلين، لكنه غادر السجن بعد ثلاثة أسابيع قضاها تحت وطأة استنطاق وتعذيب جهنمي.

وفي سنة 1947، كان بن مهيدي بين أوائل الشباب الذين شكّلوا نواة المنظمة الخاصة، وما لبث أن أصبح من أبرز عناصر هذا التنظيم، حيث أسندت له مسؤولية الجناح العسكري بعد سنتين، كما أصبح نائبا لرئيس أركان التنظيم السري على مستوى الشرق الجزائري الذي كان يتولاه آنذاك الراحل محمد بوضياف، وسرعان ما صار بن مهيدي الرقم الأول في شرق الجزائر بعد انتقال بوضياف إلى العاصمة، وبعد حل المنظمة السرية، عُيّن بن مهيدي مسؤولا عن الدائرة الحزبية بوهران إلى غاية  1953، ولدى تشكّل اللجنة الثورية للوحدة والعمل في مارس 1954، كان الشهيد من أبرز عناصرها، ثم عضوًا فعالاً في مجموعة الــ 22 التاريخية.

ولعب بن مهيدي دورا كبيرا في التحضير للثورة المسلحة، وسعى إلى إقناع الجميع بالمشاركة فيها، وقال الشهيد مقولته المدوية:” القوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب”، أصبح أول قائد للمنطقة الخامسة (وهران)، وكان الشهيد من بين الذين عملوا بجد لعقد مؤتمر الصومام التاريخي في 20 أوت 1956، وعّين بعدها عضوا بلجنة التنسيق والتنفيذ للثورة الجزائرية (القيادة العليا للثورة).

وفي منعطف ثوري حاسم، قاد بن مهيدي معركة الجزائر بداية سنة 1956 ونهاية 1957، إلى أن اعتقل نهاية شهر فيفري 1957، واستشهد بعدما أقدم السفاح بيجار على شنقه ثم اغتياله رميًا بالرصاص ليلة الثالث إلى الرابع من مارس 1957، ورحل بن مهيدي عن هذا العالم بعد أن أعطى درسًا في البطولة والصبر لجلاديه الذين سلخوا فروة رأسه دون أن ينالوا مرادهم.