الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

ديوان “لا شعر بعدك” لسليمان جوادي.. قراءة في التشكيل الشعري والبناء الفني  

Author
هارون عمري 14 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تأتي المجموعة الشعريةلا شعر بعدكللشاعر الجزائري سليمان جوادي، الصادرة عن دار التنوير للنشر والتوزيع، كإحدى المحطات الأدبية الموثقة لتحولات التجربة الشعرية في المسار الأدبي للكاتب، حيث يضم الديوان في طبعته الثانية الصادرة عام 2012 تسعاً وعشرين قصيدة، تتوزع على مئة وأربع صفحات، تتنوع التشكيلات الجمالية في هذه النصوص بين الشعر العمودي وقصيدة التفعيلة، مما يمنح المجموعة تنوعاً إيقاعياً يواكب حركية المعنى لدى الشاعر، ويقدم رؤية مستمدة من التفاصيل اليومية، والتجارب الوجدانية، والامتدادات الفنية التي خاضها الشاعر في مسيرته الثقافية. 

وتستعرض هذه القراءة الخارطة العامة للديوان وأبعاده، وتتتبع مظاهر الصياغة الأسلوبية، والتجربة الغنائية، والأبعاد التأملية، التي تشكل بمجموعها معالم هذا الإصدار الأدبي، وتعرض روحه في بورتريه كمفتاح بصري للقارئ يلج من خلاله الأبواب الشعرية لدى جوادي. 

 العتبات النصية والشهادات النقدية المصاحبة  

تفتح العتبات النصية الأولى في الديوان أفقاً واسعاً لقراءة الروافد الفكرية، والثقافية، التي صاحبت تجربة الكاتب في مراحل مختلفة من حياته، وقد استهل الشاعر ديوانه بإهداء مكثف أهداه لرفيقة دربه حرمه “السيدة فاطمة”، وقد تضمن رموزاً شفيفة تستحضر البيئة الصحراوية، وأشجار النخيل، ممهدة الطريق للدخول في العوالم المفاهيمية للنصوص الشعرية، كما تضمن التقديم النقدي للمجموعة شهادات مهمة دونها عدد من الأدباء، والناقدين، والإعلاميين، الذين عاصروا تجربة الشاعر وجيل السبعينيات. 

حيث تناولت هذه الشهادات آراء للدكتور حسن فتح الباب، والباحث قدور بن ساعد، والأستاذ عبد العزيز بلعبيدي، إضافة إلى الصحفية رجاء الصديق، والكاتب عبد الكريم قذيفة. 

كما ركز الدكتور حسن فتح الباب على الحضور المناضل في صوت الشاعر، بينما استعرض بلعبيدي أصالة الانتماء الوطني والتعبير الإنساني في كتاباته، وتسهم هذه التقييمات النقدية في ربط التجربة الشعرية للكاتب بمراحلها التاريخية، وخاصة نصوص فترة السبعينيات التي اعتبرها الناقد قدور بن ساعد حلقة وصل بين مرحلتين في الطرح الفني. 

وتشكل هذه المدخلات الأرشيفية جزءاً بنائياً يضع القارئ أمام خلفية مرجعية، تناقش الخصائص الأسلوبية المعتمدة في النصوص، بما يتيح للمتلقي استيعاب موقع الشاعر، ودوره في إغناء المدونة الشعرية الجزائرية والعربية بشكل بارز.   

المضامين الوجدانية وتقلبات العلاقات الإنسانية 

تستحوذ التيمة الوجدانية على مساحة واسعة من التشكيل النصي للديوان، حيث تتصدر العناوين الغزلية المشهد الشعري في الإصدار، وتبرز في هذا السياق قصائد مثلحصار“، وما قيمة الدنيا“، وملهمتي“، وليلاي“، واكرهيني“، لتجسد تحولات العاطفة في بؤرة التجربة الذاتية بخصوصية تحمل تيمات وملامح الشاعر، ومفاهيمه الخاصة للحب، والاغتراب، والشوق، وعلاقته بالذوات الإنسانية الأخرى. 

كما تتنوع المقاربات الوجدانية بين التغني بالجمال، والتعبير عن لوعة الغياب، ورصد انكسارات الذات أمام تحولات الزمن، فتتبع النصوص مسارات الصراع الوجداني المباشر، وتسجل تقلب المشاعر بين أطراف العلاقة الإنسانية في حالات الوصل والقطيعة. 

تعتمد القصائد في بنائها الصوتي على التعبير الصريح عن الذات الشاعرة، وتجسيد لحظات الشك، والعتاب، والتعلق العاطفي بمفردات حسية ملموسة، فتتضح هذه الحركة المفهومية في قصيدةحصارالتي تطرح مفهوم الحصار العاطفي الممزوج بالرضا والانسجام النفسي 

وتتجلى الصياغة الغزلية من خلال توظيف معجم لغوي ميسور التداول، يعتمد على البساطة التركيبية، ويستحضر المشاهد اليومية للتعبير عن التفاصيل النفسية، فيمنح هذا التوظيف الخطاب الوجداني طابعاً حوارياً متدفقاً، يعكس طبيعة التفاعل بين الشاعر والآخر في البناء الشعري، ويظهر ذلك أيضًا في قصيدتياكرهينيوجربي حظك“، حيث تتصاعد نبرة التحدي والكبرياء لتكشف عن عمق العلاقات النفسية المركبة. 

التجربة الغنائية والتعاون مع المطربين والملحنين 

امتدت التجربة الإبداعية للشاعر سليمان جوادي لتتجاوز حدود الصفحات المكتوبة، متصلة بعوالم الموسيقى والأغنية العربية والجزائرية، حيث كتب كلماته لعدد كبير من المطربين والملحنين البارزين. 

وتجلت هذه الشراكة الفنية في أداء أسماء غنائية بارزة لقصائده الفصيحة والشعبية، وفي مقدمتهم الشاب خالد الذي أدى من كلماته قصيدةحتى أنت طوالو جنحيكالشهيرة، إلى جانب الأعمال الوطنية التي كتب كلماتها جوادي، ولحنها قويدر بركان. 

وعلى غرار العديد من المطربين والملحنين ارتبطت تجربة الشاعر ارتباطًا وثيقًا مع الملحن والمغني الراحل محمد بوليفة الذي لحن وأدى قصيدةما قيمة الدنيا وما مقدارهاالمدرجة ضمن هذا الديوان، لتتحول إلى لحن غنائي معروف على آلة العود وراسخ في ذاكرة الآذان، ليعود مع تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الموسيقى وإعادة توزيعه حضوره في مواقع التواصل ذلك أنه يحمل جزء من الحنين الدافئ إلى تلك الحقبة التاريخية لدى الجيل القديم.

الشاعر سليمان جوادي رفقة الملحن بوليفة محمد والشاب خالد

 وقد اتسع نطاق هذا التعاون الفني ليشمل قامات غنائية وملحنين متعددين في الساحة الجزائرية والعربية، من بينهم الفنان مصطفى زميرلي، والمطربة زكية محمد، والفنانة صليحة الصغيرة، والمطرب يوسفي توفيق، وغيرهم. 

حيث اتسمت الكلمات الشعرية التي قدمها الشاعر للملحنين بالانسيابية الموسيقية، ووضوح الجرس الصوتي، والقدرة على التكيف مع المقامات والنغمات المختلفة. 

وقد ساعد هذا التناغم بين النص الشعري والرؤية الموسيقية في انتشار الأغنية الراقية، وتقريب قصيدة الفصحى الموزونة من الجمهور العريض، وقد سجل هذا البعد الفني حضوراً إعلامياً وثقافياً متواصلاً، حيث نجح الشاعر في المزاوجة بين النص الأدبي المطبوع والعمل الفني المسموع. 

وقد عززت هذه التجارب الغنائية من القيمة التعبيرية لنصوصه، وجعلت كلماته تردد على ألسنة المطربين وفي الوسائط الإعلامية الوطنية والعربية، كما استمر هذا العطاء الموسيقي ليكون شاهداً على مرونة اللفظ الشعري عند جوادي، وقدرته على الانتقال بين المنبر الأدبي والخشبة الغنائية بانسجام. 

الصياغة الأسلوبية وحركية البناء اللغوي 

يتأسس المعجم الشعري في قصائد المجموعة على استخدام الألفاظ القريبة من لغة التداول اليومي، مع الحفاظ على سلامة التركيب النحوي، فيبتعد الشاعر عن التعقيد اللفظي لتجه نحو سلاسة التركيب وسهولته، مما يجعل النصوص قادرة على إيصال الفكرة الشعرية بوضوح وسلاسة للمتلقي. 

ويمزج الشاعر بين الأسلوب الشعري المباشر والرصانة الشعرية، محققاً توازناً تعبيرياً يخدم البناء العام للنص، كما تستند الصور البيانية في القصائد خصوصا ما تضمنه ديوان ” لا شعر بعدك” من ثيمات إلى مفردات الطبيعة الملموسة، كالورد، والنخلة، والرياح، والأمواج، والحدائق. 

فتشكل هذه العناصر لوحات استعارية تساند التداعي الشعوري داخل النص، وتمنح المضمون الوجداني أبعاداً بصرية متناسقة مع الحالة النفسية للشاعر. 

وتنسجم المفردات الطبيعية مع البيئة الجزائرية والصحراوية، لتعكس أثر المكان في التشكيل الجمالي للقصيدة والانتماء الروحي للشاعر، كما تظهر الأساليب السردية والحكائية في قصائد متعددة، مثلشارع حب“، وفواصل للحب“. 

تعتمد القصيدة في هذه العناوين على حركية المشاهد المتتابعة بوضوح، وتطور الأحداث الشبيهة بالسيناريو القصصي، فيمنح هذا التشكيل الفني البناء الشعري أبعاداً تتكئ على الحوار، وتعدد الأصوات، ما يمنح النص نسقًا تفاعليا، ويضع القارئ في قصة الشاعر. 

أدب الرثاء والنزعة الأسرية الذاتية 

يشكل البعد الأسري والذاتي محوراً رئيساً في المضمون الفكري للديوان، ويتجلى ذلك بوضوح في قصائد الفقد والرثاء، لتعكس هذه النصوص الارتباط العائلي الأصيل، وتوثق لحظات الحزن الإنساني الناجم عن رحيل الوالدين. 

وتتحول التجربة الفردية في هذه القصائد إلى حالة إنسانية عامة، تشاطر القارئ لوعة الفقد والوفاء، كما يظهر هذا المنزع الإنساني في نصوالدتي.. سحر الحقول“، حيث يعبر الشاعر عن مشاعر المشاطرة الوجدانية مع الأم الراحلة “رحمها الله”. 

يستحضر النص أثر الأم في التكوين النفسي والأخلاقي للشاعر، مصاغاً بأسلوب مباشر ينقل عاطفة الألم والوفاء الذاتي، كما لو أن الشاعر يرى أمه قارئة لهذا النص فيراعي خصوصية التلقي وفي نفس الوقت يراعي القارئ الآخر. 

ترتبط صورة الأم برمزية الحقول والخصب والدفء، مما يمنح نص الرثاء عمقاً حسيًا يمتزج بالطبيعة، فتتجسد النزعة الرثائية أيضاً في قصيدةلا تغبالمهداة لرثاء والده الراحل، والتي تعد من المطولات الشعرية في المجموعة. 

كما يتتبع الشاعر في هذه القصيدة خصال الوالد، ودوره في تشجيعه على العلم والقراءة، مسجلاً أثر الغياب على النفس في قالب شعري متصل الفكر، وتظهر القصيدة جانباً توثيقياً يتعلق بتضحيات الأب الذي آثر شراء الكتب لنفعه الأدبي، مستعيداً حوارات التقدير والبر العائلي 

البعد التأملي والتمثلات الوجودية في قصائد المجموعة 

تتطرق نصوص متعددة في الديوان إلى قضايا تأملية ترتبط بمفهوم الزمن، والانتظار، وتحولات المصير الإنساني في الواقع المعاش، ويتضح هذا التوجه الفكري في عناوين مثلكل شيء مؤجل“، ووجهان للأسى“، والاحتمال الجميل“، حيث تناقش النصوص مشاعر العزلة والبحث عن التوازن النفسي. 

وتطرح القصائد أسئلة وجودية تتصل بمسار الإنسان ومواجهته للانكسارات والخيبات اليومية بأداة شعرية هادئةتتنوع البنية الإيقاعية في الديوان بين نظام العمودي القائم على وحدة الوزن والقافية، ونظام التفعيلة، مما يوفر مرونة صلبة لدى الشاعر في نقل الشحنات الفكرية، كما يتيح هذا التنوع التجميلي تمازجاً صريحاً بين البنية الإيقاعية وحركية المضمون التأملي، مما ينعكس على بنية المقاطع وتتابع الأفكار. 

وتظهر قصيدةتشخصت فيكأبعاداً تربوية ووطنية توظف الرموز التاريخية والنسوية في التراث العربي والإسلامي لخدمة النص التأملي، حيث تعكس هذه المعالجات التأملية نضج الرؤية الشعرية لدى سليمان جوادي، واعتناءه برصد التحولات الاجتماعية والنفسية بلغة واضحة لا تجعل أي حاجز بينها وبين القارئ فتصله ويصلها. 

تجمع القصائد بين البعد الوجداني المركب بخصوصية الشاعر وعمقه الإنساني، محققة حضوراً مهما في ذاكرة الشعرية الجزائرية، ليبرز الإصدار كوثيقة أدبية تلخص طائفة من الشواغل الفكرية والأسلوبية التي وسُمت بها التجربة الإبداعية لسليمان جوداي عبر مسيرته. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"