السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

د. الصدّيق حاج أحمد الزيواني: “تغريبة دلدول” تستعيد مرحلة منسية من حياة الشيخ بوعمامة

Author
هارون عمري 16 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في عوالم الروائي والباحث الأكاديمي الدكتور الصدّيق حاج أحمد الزيواني، تكتسب الصحراء الجزائرية صوتا يتجاوز الصمت، وتتحول رمالها إلى أرشيف حي يعيد قراءة التاريخ بعيدا عن الجمود. في عمله الروائي الخامس “تغريبة دلدول.. العُمرة المنسيّة من نُسك بوعمامة”، لا يكتفي الزيواني بتوثيق مآثر المقاومة، ولكنه يغوص في “تغريبة” إنسانية وصوفية عاشها القائد الشيخ بوعمامة في قصور “ڤورارة“، مستعيناً ببراعته الأكاديمية في فقه اللغة ليعجن الفصحى بملح الأرض ولهجة “الزناتية” العريقة‏.

بين الحفر الأنثروبولوجي والوعي بالذاكرة الوطنية، يفتح لنا صاحب “مملكة الزيوان” و”مَنّا” نوافذ الإبداع في هذا الحوار مع “الأيام نيوز”، ليكشف عن كواليس رحلته في اقتفاء أثر “القطب الصوفي” بوعمامة، وكيف تتحوّل الرواية من مجرد سرد للحكايات إلى أداة حية لترميم الذاكرة وأنسنة الأبطال‏.

“الأيام نيوز”: يحمل عنوان الرواية (تغريبة دلدول.. العُمرة المنسيّة من نُسك بوعمامة) دلالات صوفية وتاريخية مكثفة، فكيف استلهمت مفهوم “التغريبة” لتوثيق هذه المرحلة المنسية من حياة قائد بحجم الشيخ بوعمامة، وما الرمزية التي يحملها ربط إقامته بمصطلح “العمرة”؟

الكاتب والروائي د. الصدّيق حاج أحمد الزيواني: في تراثنا التاريخي المتداول، تغريبة بني هلال، وهي مصطلح يشي بالعديد من الدلالات المرتبطة بالاغتراب والغربة والتغريب، فعند بحثي في تاريخ الشيخ بوعمامة، والأسباب التي أدّت به، لأن يفكّر في الاستقرار بڤورارة، بدا لي وكأنه كان يبحث عن مستقر آمن، بعد معركته بتازينة قرب قصر الشلالة بالبيّض مع الاستعمار الفرنسي سنة 1881، وما حقّقه من نصر مبين في تلك المعركة، ما جعل فرنسا تنتقم منه ومن قبيلته آل سيدي الشيخ بالبيّض سيدي الشيخ والبيّض جريفيل، وكل تلك النواحي، حيث هدّمت قبّة الجد الأكبر سيدي الشيخ وضريحه، وأحرقت نخيلهم، وشرّدتهم شذر مذر في تخوم الهضاب، ما جعله يحتمي غربا نحو أولاد سيدي الشيخ الغرابة بفجيج‏.

غير أن فرنسا حرّشت المخزن المغربي، وهذا الأخير، بدوره، أوعز لأهل فجيج، ألا يستقبلوا الشيخ بوعمامة، ما جعله يعود خائبا مكسورا، ولم يكن أمامه من سبيل، غير قصور ڤورارة، حيث دلدول، التي قضى بها عقدا من الزمن، ومن ثمّة يمكن اعتبار تلك الفترة المقضية، هي اغتراب. أما مسألة العُمرة المنسية، ففيها إشارة للاستدراك، وإثارة التاريخ المنسي، من حياة الشيخ بوعمامة ومقاومته بڤورارة‏.

“القارئ يحتاج إلى الدعابة والاستفزاز والسخرية أحياناً حتى يتفاعل مع النص، وتجاوب المتلقي أمر حيوي جداً لنجاح النص”‏.

“الأيام نيوز”: يُظهر الغلاف الخلفي اعتمادا لافتا على الشعر الملحون والذاكرة الشفوية، فإلى أي مدى شكلت هذه المدونة الشعبية مرجعية موازية للتاريخ الرسمي في بناء أحداث الرواية، وإعادة تشكيل ملامح قصر أولاد عبو؟

الكاتب والروائي د. حاج أحمد الزيواني: لقد أثارني ذلك الوجع القولي الملحون، لأهل قصور دلدول، وهم يودّعون الشيخ بوعمامة، بعد عِشرة عَشرة أعوام، ما حملني على نقله بظهر الغلاف، حتى يشاركني القارئ هذا التوجّع النوستالجي إن صحّ هذا التعبير، فالغلاف كعتبة من عتبات النص، يكتسي أهمية بالغة في إثارة المتلقي وجذبه بالحيّل المشروعة، كما يلحّ على ذلك، الناقد الفرنسي جيرار جينات، في تنظيره النقدي للعتبات، والمقدّمات النصيّة‏.

فقد درجتُ في كل نصوصي تقريبا، على عجن اللّغة التراثية بالفصحى، وإنشاء لغة هجينة مفصّحة، طبقا لقواعد اللّغة طبعا، تنفخ الروح في التراث ببهارات الحداثة، فقد استفدتُ كثيرا من تخصّصي الأكاديمي الدقيق في فقه اللغة، ما ولّد خلطة لغوية شائقة‏.

وحسب تقدير وتعبير القرّاء والنقاد، فاللّغة اختراق للعالم وإبحار فيه، لذلك فإن الرواية تراهن كثيرا على هذا المعطى، الذي لم يُستغل من قبل بعض الكتّاب، حين يعمدون إلى رصف الكلمات العادية المستهلكة، في متواليات من الجمل تنتج فقرات، وهذه الفقرات تؤثّث نصا.. لن يتأثر المتلقي بالنص، ما لم تحرّكه اللّغة وتخاطبه، وهو الأمر الذي دعاني إلى إنتاج أسلوبي الخاص، دون غيري من العالمين، فالكاتب حين يصنع قارئا افتراضيا في سياق خطابه، يحسّ المتلقي أنه شريك في إنتاج المعنى، القارئ يحتاج إلى الدعابة والاستفزاز والسخرية أحيانا، حتى يتفاعل مع النص، وقد يضحك أحيانا، ما يجعل الكاتب يوهمه بالخيال أنه واقع دون أن يشعر، فتجاوب المتلقي أمر حيوي جدا في نجاح النص وبقاء تأثيره بعد غلق الكتاب ومغادرة الورق‏.

“تخييل التاريخ ليس سهلاً؛ بل أراه أصعب وأعقد من الكتابة الاختيارية، فالروائي لا يكتب التاريخ، إنما يساعد على فهمه”‏.

“الأيام نيوز”: قضى الشيخ بوعمامة عشر سنوات كاملة في دلدول، وهي فترة تعج بالتفاصيل الإنسانية والاجتماعية، فكيف وازنت بين صرامة التوثيق التاريخي لهذه المرحلة، وبين مساحة التخييل الروائي التي تتطلبها الكتابة السردية؟

الكاتب والروائي د. حاج أحمد الزيواني: تخييل التاريخ ليس سهلا كما يعتقد بعض الكتّاب؛ بل أراه أصعب وأعقد من الكتابة الاختيارية للثيمات والشخصيات والفضاءات، لسبب بسيط، أنك محكوم بمرجع تاريخي، ما يتطلّب منك قراءة كل ما يمكنك الوصول إليه حول الموضوع، الذي تريد تخييله، وهذا ما فعلتُ، إذ بحثتُ ما كُتب عن الشيخ بوعمامة، بالعربية في مصادرنا ومراجعنا الوطنية، وما كتبه الفرنسيون بالأرشيف الفرنسي، كما قمتُ بزيارات متكرّرة لقصور دلدول، واستنطاق الذاكرة الجمعية‏.

الروائي في زيارة إلى مواطن استقرار الشيخ بوعمامة

وقصدتُ مواطن استقرار الشيخ بوعمامة والجهات القريبة منها، مغرار، وعسلة، والعين الصفراء، والبيض، وبني ونيف، وقمتُ بإعادة مشاهدة فيلم الشيخ بوعمامة، الذي أنتج سنة 1985، عمدتُ بعدها إلى هدم ذلك المقروء والمسموع والمشاهد، وإعادة تشكيله وفق رؤيتي الفنية والجمالية، فالروائي لا يكتب التاريخ، إنما يساعد على فهمه، وأعتقد أن نص تغريبة دلدول، أثار أسئلة حول الذاكرة المنسية، وهذه هي مهمّة الرواية‏.

“الأيام نيوز”: غالباً ما تُقدم الشخصيات التاريخية الكبرى في قوالب بطولية جاهزة، فهل سعت “تغريبة دلدول” إلى أنسنة شخصية الشيخ بوعمامة، والكشف عن هواجسه وتأملاته الروحية بعيداً عن صخب المعارك؟

الكاتب والروائي د. حاج أحمد الزيواني: نعم.. أنسنة الشخصيات التاريخية، من أهم ما يجب أن يشتغل عليه الروائي الواعي، فالمؤرّخ يهتم بالأحداث الكبرى، كما أنه يتجاوز التفاصيل الصغيرة، والجانب الإنساني في الشخصية البطولية، فقد اقترب نص التغريبة من الشيخ بوعمامة ساعة حزنه وحنينه ورؤيته للحياة‏.

“المكان في فضاء الصحراء من الرهانات التي يعوّل عليها الروائي لخلق الدهشة والرغبة في الاستزادة والمتابعة”‏.

“الأيام نيوز”: المكان في سردياتك يرفض أن يكون مجرد ديكور صامت، فكيف تجلت جغرافية “ڤورارة” وتحديداً “دلدول” كفاعل أساسي في احتضان المقاومة، وتشكيل الوجدان الصوفي والاجتماعي لأبطال العمل؟

الكاتب والروائي د. حاج أحمد الزيواني: المكان في الرواية عموما وفي فضاء الصحراء خصوصا، هو الخلفية التي تتحرّك فيها الشخصيات لتصنع الأحداث وفق سيرورة الزمن، ومن ثم يضحى المكان الصحراوي، من الرهانات التي يعوّل عليها الروائي في فضاء الصحراء، لأنك تخلق شيئا من الدهشة والرغبة في الاستزادة والمتابعة، ولن يتحقّق ذلك للروائي في كتابة نص الصحراء، ما لم يكن ماهرا في الوصف، الذي لا يخلّ بريتم السرد‏.

“الاعتراف بالجميل من شيّم الأصول، وتناغم الشيخ بوعمامة مع أهل دلدول يظهر مشاركة الصحراء في الحركة الوطنية”‏.

“الأيام نيوز”: أشرت إلى رسالة الشيخ بوعمامة لأهل دلدول بعد فراقه لهم، فما هو الدور السردي الذي تلعبه هذه الوثيقة في تعميق الإحساس بالحنين، وتوضيح طبيعة العلاقة الروحية التي ربطت القطب الصوفي بأهالي المنطقة؟

الكاتب والروائي د. حاج أحمد الزيواني: الاعتراف بالجميل، والردّ به، من شيّم الأصول، فقضاء عقد من الزمن بين ظهراني أهل دلدول ليس سهلا، فحنين الشيخ بوعمامة لأهل دلدول في وثيقة الرسالة، يظهر مشاركة الصحراء وقصورها في الحركة الوطنية، وقد ظهر ذلك التناغم بين الشيخ بوعمامة وأهل دلدول في وداعهم إياه وحنينه إليهم بعد الفراق‏.

 

“الأيام نيوز”: يزخر المقطع المقتبس بمصطلحات دقيقة من القاموس الثقافي المحلي مثل “أمسورطة” و”التضراي”، فكيف تدير فنياً مسألة تطعيم اللغة الروائية الفصحى بهذه المفردات التراثية، لضمان أصالة النص دون الإخلال بانسيابية السرد الموجه للقارئ العربي؟

الكاتب والروائي د. حاج أحمد الزيواني: نعم.. الثقافة الوطنية غنية بتمثلات اللغة الأمازيغية، حيث اللهجة الزناتية بقصور ڤورارة، لا تزال لغة اليومي إلى يوم الناس هذا، لذلك عمدتُ إلى توظيفها، لأنها تشكّل التنوّع للثقافة الجزائرية، والنص حافل بمفردات اللهجة الزناتية، التي وُظفّت في سياقات كثيرة من النص، غير أني ابتكرتُ طرقا لشرحها دون الإخلال بعضوية السرد ومركزيته في الكتابة الروائية‏.

“عبّدت كاماراد والطانفا ومنّا طريقاً جديداً للرواية الجزائرية والعربية نحو إفريقيا جنوب الصحراء، وهذا الوعي بالذاكرة تعمّق أكثر في تغريبة دلدول”‏.

“الأيام نيوز”: تمثل هذه الرواية خامس أعمالك السردية، فكيف تتموقع “تغريبة دلدول” ضمن مشروعك الروائي المستمر في الحفر داخل العمق التاريخي والأنثروبولوجي للصحراء الجزائرية، وما الإضافة التي تقدمها في مسارك الأدبي مقارنة بإصداراتك السابقة؟

الكاتب والروائي د. حاج أحمد الزيواني: المتتبع لأعمالي الروائية المتواضعة، سيلاحظ أني بعد روايتي الأولى (مملكة الزيوان) التي تتمثّل المجتمع القصوري التواتي، قلتُ إن المتقصّي لنصوصي، قد لاحظ هجرتي لقصري وطيني في الرواية الثانية (كاماراد) والثالثة (مَنّا)، حيث عبّدتُ طريقا جديدا للرواية الجزائرية والعربية على السواء نحو إفريقيا جنوب الصحراء، وقد كان ذلك فتحا مبينا، أشاد به النقاد، ولقي مرافقة وعناية إعلامية وطنيا وعربيا‏.

غير أني في روايتي الرابعة “الطانفا” عدتُ إلى قصري الطيني مع بقائي في المناخات الإفريقية جنوب الصحراء، الأمر لم يقف عند هذا الحد في رواية “الطانفا”، إنما التفاتي للتاريخ الوطني والوعي به، من خلال انخراط بطل “الطانفا” التاجر التواتي بوغرارة في الجبهة الجنوبية بغاو من شمال مالي، حيث أصبح بريدا للجبهة بشاحنته في نقل السلاح من شمال مالي نحو أدرار وضخّه نحو شمال الوطن، عن طريق الولاية الخامسة‏.

“أعتقد أن هذا الوعي بالذاكرة والتاريخ الوطني، تعمّق أكثر في روايتي الأحدث “تغريبة دلدول”، حين أثارت فترة منسية من الحركة الوطنية في مقاومة الشيخ بوعمامة واستقراره بقصور دلدول”‏.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"