الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
فسيفساء

رؤية فنية وجمالية.. ديوان “وكشفت عن ساقيها” للشاعرة التونسية “شيراز جردق”


ديوان “وكشفت عن ساقيها”، للشاعرة التونسية المبدعة شيراز جردق، صدر ضمن سلسلة منشورات كتاب طيوف في طبعته الأولى لعام 2025م.

يتألف الديوان من مئتي صفحة، وقد صممه فنيًّا مروان سليمان وإحسان فهد، ويظهر من خلال الغلاف اعتماد الزخارف العربية والأشكال الهندسية والجمالية في إخراج الكتاب بصورة فنية متكاملة.

الرؤية الفنية والجمالية

تطرح الشاعرة شيراز جردق في ديوانها “وكشفت عن ساقيها” رؤية فنية وجمالية ترتكز على المكاشفة الوجدانية والارتقاء بالذات الأنثوية من خلال اللغة الشعرية، ويمكن تلخيص ملامح هذه الرؤية فيما يلي:

1 ـ الرؤية الجمالية للمكاشفة والشفافية: ترى الشاعرة أنَّ فعل القراءة هو عملية “فتح باب” كان موصدا، وتدعو القارئ ألا يطرق هذا الباب بيده بل بقلبه وفؤاده، فالرؤية الجمالية هنا تقوم على كشف المكنون السري وإخراج ما يختبئ خلف الكلمات وفي أعماق النفس، حيث ترمز عبارة “وكشفت عن ساقيها” في سياق الديوان إلى اكتشاف الأسرار الجمالية والروحية العميقة.

2 ـ الشعر كأداة للتجدد والبعث الروحي: تتجلى الرؤية الفنية لشيراز جردق في كون الشعر ليس مجرد كلمات، بل هو “نبض” مستمد من الطبيعة (البحر) ومن حركة الهوى، وهي ترى أنها “أيقظت الشعر في دمها” ليكون وسيلة لبعث روح جديدة في الدنيا، ووسيلة لتهدئة الجراح الوجدانية وتحقيق نشوة الروح الشاردة.

3 ـ التحدي وبناء صورة “المرأة الفريدة”: تطرح الشاعرة رؤية فنية تسعى من خلالها إلى نحت صورة للمرأة تتسم بـ التحدي والفرادة، فهي تبحث عن “المثيل” فلا تجده، وترى أنَّ الشعر هو الدرب الوحيد الذي يفتح الآفاق نحو “جنات رغيدة” من التحقق الذاتي والجمال الذي يضيق به الوصف والخيال.

4 ـ التمسك بالأصالة الفنية (البناء العروضي): على المستوى الفني والتقني، يظهر الديوان تمسكاً بالهوية الشعرية الفصيحة، والبحور الشعرية التقليدية، مع تطويعها للتعبير عن أحاسيس الذات المعاصرة، كما يبرز مصطلح “شيرازيات” في ختام الديوان كنمط فني خاص يتضمن مقطوعات شعرية تتراوح بين البيت الواحد والأربعة أبيات، مما يعكس ميلاً للإيجاز والتكثيف الجمالي.

5 ـ التداخل بين الفنون: تكتمل الرؤية الجمالية للديوان من خلال التداخل مع الفن التشكيلي، حيث شارك الفنان إحسان فهد في تصميم الغلاف الداخلي، ومصمم الغلاف الخارجي للديوان هو مروان سليمان، وهو مخرج تونسي، مما يشير إلى رؤية فنية متكاملة تجمع بين الكلمة والصورة البصرية.

ويمكن تشبيه هذا الديوان بالمرآة التي لا تعكس ملامح الوجه، بل تعكس نبضات القلب؛ فهي تدعو القارئ للدخول إلى عالم من المكاشفة حيث يتحول الشعر من مجرد لغة إلى تجربة للبعث والحرية الروحية.

ويمكن تشبيه صدور هذا الديوان في القاهرة بغرس زهرة في بستان عريق؛ حيث اختارت الشاعرة حاضرة الثقافة العربية لتكون منصة لانطلاق بوحها الوجداني ومكاشفتها الشعرية.

ويمكن تشبيه دور سلسلة طيوف بـ”المشتل الثقافي الذي لا يكتفي باحتضان البذور الأدبية، بل يوفر لها التربة الخصبة والرعاية الفنية الدقيقة لتزهر كتباً ومنشورات تزين بستان الثقافة العربية”.

دلالة عنوان الديوان

يعد عنوان ديوان “وكشفت عن ساقيها” للشاعرة شيراز جردق عتبة نصية غنية بالدلالات الرمزية والجمالية، وهذا العنوان لم يكن مجرد اختيار عابر، بل هو انعكاس دقيق لجوهر التجربة الشعرية داخل الديوان، كما يتضح لنا فيما يلي:

أولاً: دلالة العنوان (المكاشفة والبوح)

1 ـ الانتقال من الخفاء إلى التجلي: يرمز العنوان في عمقه إلى فعل “المكاشفة” الروحية والوجدانية؛ فالشاعرة تصف ديوانها بأنه “باب” يدعو القارئ للدخول إلى عالمها السري.

2 ـ كشف المكنون السري: تؤكد الشاعرة في مقدمة الديوان أنَّ خلف كلماتها يختبئ “خبرها السري”، وأنها هي “الأنثى” التي قررتْ عبر هذا العمل أنْ تفتتح “المكنون السري” وتخرجه إلى النور.

3 ـ تجاوز المادي إلى المعنوي: رغم الإيحاء الحسي للعنوان، إلا أنَّ الشاعرة توظفه دلاليًّا للإشارة إلى كشف “ساق الهوى” وتجليات العشق، كما ورد في قولها: “وعن ساقي الهوى قد رمتُ كشفا… ونار العشق قاسية شديدة”

ثانياً: مدى اتساق العنوان مع المضمون

يتسق العنوان مع محتوى الديوان اتساقا عضويًّا يظهر في عدة مستويات:

1 ـ المستوى الوجداني (صدق الوصف): يتضمن الديوان قصائد تعتمد “صدق الوصف” لتصوير العشق، حيث تقول الشاعرة: “بصدق الوصف قد صورتُ عشقي”، وهذا التصوير هو التطبيق العملي لعملية “الكشف” التي وعد بها العنوان.

2 ـ المستوى الذاتي (إثبات الهوية): يمتلئ الديوان بنصوص تؤكد فيها الشاعرة على هويتها وفرادتها (“أنا شيراز”، “أنا الأنثى”)، وهذا الإصرار على الظهور باسمها وصفتها يعزز دلالة العنوان في الظهور والمكاشفة بدلاً من التواري.

3 ـ المستوى الفني (خمرة المعنى): تربط الشاعرة بين “الكشف” وبين البحث عن المعاني العميقة، حيث تذكر أنَّ لها في “خمرة المعنى اشتياق”، والعنوان هنا يمهد للقارئ أنَّ ما سيُكشف عنه هو “أنغام وليدة” وأحاسيس تتدفق عبر بحور الشعر.

4 ـ المشاركة الروحية مع القارئ: تطلب الشاعرة من القارئ ألا يطرق باب ديوانها بيده بل بـ”فؤاده”، وهذا الطلب يتسق تماماً مع العنوان؛ فالمكاشفة التي يقدمها الديوان هي مكاشفة قلبية تتطلب متلقياً يستشعر “نور الصدق” خلف الكلمات.

ويمكن تشبيه دلالة العنوان واتساقه مع المضمون بـ “مرآة صافية؛ يعكس إطارها (العنوان) فعل المكاشفة والجرأة في البوح، بينما تظهر في عمقها (المضمون) تفاصيل الروح بكل جراحها، وعشقها، وتحديها لتبدو في النهاية صورة كاملة لامرأة فريدة أيقظتْ الشعر في دمها لتبعثَ في الدنيا روحا جديدا”.

دلالات عناوين القصائد

تحمل عناوين القصائد في ديوان “وكشفت عن ساقيها” للشاعرة شيراز جردق دلالات عميقة تعمل كـ”مفاتيح نصية” تفتح للقارئ أبواب عوالمها الوجدانية، وتكشف عن مضامين تتراوح بين إثبات الذات، وكشف المستور، ومعاناة العشق، ويمكن تفصيل هذه الدلالات كالتالي:

1 ـ دلالة الإعلان عن الهوية والذات: تبرز عناوين مثل “أنا شيراز”، و”أنا روح القصيدة”، و”أنا عنيدة حب” لتدل على مضمون يتمحور حول الأنا الشاعرة واعتزازها بكيانها الإبداعي والعاطفي، وهذه العناوين تعكس اتساقاً مع محتوى القصائد التي تؤكد فيها الشاعرة أنها امرأة فريدة استمدتْ التحدي من نبعها الخاص.

2 ـ دلالة المكاشفة والتحرر: يشير عنوان الديوان والقصيدة الرئيسة “وكشفت عن ساقيها” إلى رغبة ملحة في إخراج “المكنون السري” والبوح بالخبر الذي يختبئ خلف الكلمات، فالمضمون هنا يتسق مع العنوان في كونه محاولة لكسر حواجز الصمت والغموض الوجداني.

3 ـ دلالة الكثافة الشعورية وسمو العاطفة: تعكس العناوين التي تتناول الحبيب مثل “أنت العذب للقلب”، و”أنت الكل في الكل”، و”نار العشق” مضامين غزلية ووجدانية مكثفة ترفع من شأن المحبوب وتصوره كـ “كمال” في مقابل “نقص” الآخرين.

4 ـ دلالة البحث عن المعنى والجوهر الروحي: تشير عناوين مثل “ترانيم المعنى” و”خمرة المعنى” إلى مضامين تتجاوز المحسوس لتغوص في التجربة الروحية والاشتياق إلى أنغام وليدة تعبر عن جوهر الأشياء.

5 ـ دلالة الحنين والجغرافيا الوجدانية: يحمل عنوان قصيدة “بيروت” دلالة على مضمون مرتبط بالمكان والذاكرة، مما يربط بوح الشاعرة بجذورها وانتماءاتها القومية والوجدانية.

6 ـ دلالة التكثيف الفني (الوسم الخاص): يمثل عنوان “شيرازيات” دلالة على مضمون خاص يمتاز بالإيجاز الشديد (الومضة الشعرية)، حيث يُشتق العنوان من اسم الشاعرة ليصبح علامة مسجلة لمنهجها في “التغريدات الشعرية” القصيرة.

ويمكن وصف عناوين القصائد في هذا الديوان بـ “البراعم التي تحمل في طياتها لون ورائحة الزهرة قبل تفتحها؛ فكل عنوان هو اختزال ذكي لتجربة شعورية كاملة، يمهد للقارئ الطريق ليدخل باب القصيدة بـ(فؤاده) قبل أنْ يقرأها بعينه”.

دلالة الديوان على شخصية الشاعرة

يُعدّ ديوان “وكشفت عن ساقيها” بمثابة مرآة أدبية تعكس ملامح عميقة وشاملة لشخصية الشاعرة شيراز جردق، حيث يتجاوز كونه مجرد نتاج أدبي ليصبح وثيقة تعبر عن هويتها النفسية، الإبداعية، والقيادية:

1 ـ الشخصية المعتزة بالذات والفرادة: تظهر الشاعرة في نصوصها كشخصية تتمتع بثقة عالية واعتزاز بالأنا؛ فهي تصف نفسها بأنها “امرأة فريدة” استمدتْ التحدي من نبعها الخاص، كما تدمج اسمها الصريح في ثنايا قصائدها مثل قصيدة “أنا شيراز”، مما يدل على شخصية لا تواري هويتها بل تفتخر بكيانها كـ”روح القصيدة”.

2 ـ الجرأة الأدبية والمكاشفة الروحية: يدل عنوان الديوان ومحتواه على شخصية تميل إلى الشفافية وكسر حواجز الصمت؛ فهي تعلن صراحة أنها “الأنثى” التي قررتْ كشف “خبرها السري” و”المكنون” الذي يختبئ خلف الكلمات، وهذا “الكشف” لا يتوقف عند المعنى الحسي، بل يمتد ليكون كشفاً لـ”ساق الهوى” وتجليات الروح الهائمة.

3 ـ الشخصية القيادية والفاعلة ثقافيًّا: تعكس السيرة الذاتية الملحقة بالديوان شخصية إدارية وتنظيمية قوية؛ فهي ليست مجرد شاعرة، بل هي “مدير المهرجان الدولي للشعر العربي والفنون” ومنظمة لندوات ومهرجانات كبرى في تونس، مصر، ولبنان، وهذا التزاوج بين الإبداع الشعري والإدارة يعكس شخصية تجمع بين الرهافة الوجدانية والانضباط العملي.

4 ـ المثابرة والإصرار (العناد الجميل): تبرز في المحتوى الشعري سمة العناد والمثابرة؛ فهي تصف نفسها بـ”عنيدة حب”، وتذكر في قصائدها أنها “تغالب أحرفاً ظلتْ عنيدة” حتى تطوعها لبحور الشعر، وهذا يشير إلى شخصية لا تستسلم للصعوبات، سواء في العاطفة أو في صياغة الحرف.

5 ـ العمق الوجداني والقدرة على الاستشفاء بالإبداع: يكشف الديوان عن شخصية تتخذ من الشعر ترياقا؛ فهي التي “أيقظتْ الشعر في دمها” لتبعثَ روحاً جديدة، وهي التي استخدمتْ القصيدة لـ “تهدئة جراحها” الوجدانية، كما تظهر شخصيتها المتصوفة في حب المعنى من خلال ولعها بـ “خمرة المعنى” وترانيم الروح.

6 ـ الانفتاح العروبي والثقافي: شخصية شيراز جردق تتسم بالبعد العروبي العابر للحدود؛ فبينما تُعرف بدورها في الساحة الثقافية التونسية، نجد ديوانها يصدر في القاهرة، ويتناول في محتواه مدنًا كـ”بيروت”، ويشرف على فنه فنانون من تونس وفلسطين، مما يعكس شخصية منفتحة ثقافياً ومرتبطة بجذورها العربية الشاملة.

فشخصية شيراز جردق كما يرسمها الديوان هي “شخصية المنارة”؛ فهي ثابتة في أرض الواقع من خلال دورها القيادي في المهرجانات، لكنها تطلق أشعة بوحها الشعري لتكشف عن مكنونات النفس بجرأة فنية، جاعلة من “ساق الهوى” جسراً للعبور نحو المعنى الأسمى.

السمات الأسلوبية في الديوان

يتمتع ديوان “وكشفت عن ساقيها” للشاعرة شيراز جردق بمجموعة من السمات الأسلوبية التي تمزج بين الأصالة الكلاسيكية والبوح الوجداني، ويمكن تلخيص أبرز هذه السمات فيما يلي:

1 ـ الالتزام بالبناء العروضي (الأصالة الفنية): يتبع الديوان النهج الخليلي في كتابة الشعر، حيث تعتمد الشاعرة البحور الشعرية التقليدية، كقالب موسيقي لنظم أحاسيسها، هذا الالتزام يمنح النصوص جزالة لغوية وموسيقية منضبطة.

2 ـ هيمنة “الأنا” الشاعرة (النزعة الذاتية): يبرز في الديوان أسلوب الفخر والاعتزاز بالذات، حيث تكرر الشاعرة استخدام ضمير المتكلم “أنا” مقروناً باسمها الصريح أو بصفتها الإبداعية، مثل قولها: “أنا (شيراز) تفتنني القصيدة” و”أنا من نبعها انبعث التحدي”، هذا الأسلوب يجعل من القصيدة مرآة لهوية الشاعرة وتجربتها الشخصية.

3 ـ التكثيف والإيجاز (نمط الشيرازيات): ابتدعتْ الشاعرة في نهاية ديوانها نمطاً أسلوبياً أطلقتْ عليه “شيرازيات”، وهي مقطوعات شعرية تتميز بالتكثيف الشديد؛ حيث تتراوح بين البيت الواحد والأربعة أبيات، تهدف هذه الومضات إلى تقديم الفكرة الجمالية بأقل قدر من الكلمات وأقصى قدر من التأثير.

4 ـ التوظيف الرمزي للصور المتقابلة (الثنائيات الضدية): تستخدم الشاعرة أسلوب المقابلة لتوضيح المعاني الوجدانية، مثل تقابل “الملح الأجاج” مع “العذب الزلال” لوصف الفرق بين عامة الناس وبين المحبوب، كما تستخدم صوراً رمزية مثل “نار العشق” و”نجم الليل الوحيد” لتعميق الحالة الشعورية.

5 ـ الخطاب الوجداني المباشر (دعوة القارئ للمشاركة): يبدأ الديوان بأسلوب خطابي يوجهه للقارئ، حيث تعتبر الشاعرة الديوان “باباً” وتطلب من المتلقي ألا يطرقه بيده بل بـ”فؤاده”، وهذا الأسلوب يخلق نوعاً من الألفة والشفافية بين النص والقارئ، ويحول فعل القراءة إلى تجربة مكاشفة روحية.

6 ـ اللغة التصويرية المستمدة من الطبيعة: تعتمد لغة الديوان على مفردات الطبيعة (البحر، والموج، والسماء، والقطر، والشمس) لترسم لوحات فنية تعبر عن العواطف، فهي تصف نبضها بـ”نبض البحر” وحركتها بـ”موج الهوى”.

فأسلوب شيراز جردق في هذا الديوان يشبه “النقش العريق على الرخام؛ فهو يجمع بين صلابة القالب العروضي القديم ورقة النقوش الوجدانية التي تعبر عن أدق تفاصيل الروح الأنثوية”.

الموسيقى الشعرية

تُعدّ الموسيقى الشعرية ركيزة أساسية في بناء ديوان “وكشفت عن ساقيها” للشاعرة شيراز جردق، حيث تزاوج الشاعرة بين الانضباط العروضي الكلاسيكي وبين التدفق الوجداني الذي يمنح النصوص رنينا خاصاً، ويمكن تفصيل ذلك كما يلي:

أولاً: البحور الشعرية

تعتمد الشاعرة في ديوانها على النظام الخليلي (الشعر العمودي)، وتحديداً البحور الشعرية التامة التي تمنح القصيدة نفسًا طويلاً وجزالة موسيقية، ومن أبرز البحور التي نص عليها الديوان صراحة:

بحر الوافر التام: الذي استخدمته في قصائد تعبر عن الفخر بالذات وعن تجربة العشق، مثل قصيدتها التي تقول فيها: “أنا (شيراز) تفتنني القصيدة”.

تذكر الشاعرة في نصوصها أنَّ أحاسيسها تتدفق عبر “وافر الأوزان”، مما يشير إلى هيمنة هذا البحر لملاءمته للحالات الشعورية المتراوحة بين الهدوء والنشوة.

ثانيا: القوافي

تتميز القوافي في الديوان بالتنوع مع الالتزام بوحدة القافية في القصيدة الواحدة، مما يوفر إطاراً موسيقياً ثابتاً، ومن أمثلتها في الديوان:

قافية اللام المطلقة: كما في القصيدة التي تقارن فيها بين المحبوب وغيره، حيث استخدمت كلمات مثل: (المثال، وزلال، وظلال، واكتمال، والكمال، والرجال).

قافية الدال: الممزوجة بياء المد، كما في الأبيات التي تتحدث عن البعث الروحي: (جديد، والعديد، ووحيد، ونشيد).

التكثيف في القافية: يبرز في قسم “شيرازيات”، حيث تعتمد مقطوعات قصيرة جداً (من بيت واحد إلى أربعة أبيات) تتطلب قوافي مركزة ومكثفة لتوصيل الومضة الشعورية بسرعة.

ثالثا: الموسيقى الداخلية

تتولد الموسيقى الداخلية في الديوان من مصادر عدة تتجاوز الوزن والقافية، ومنها:

التكرار اللفظي والمعنوي: تكرار ضمير المتكلم “أنا” في مطالع الأبيات (أنا شيراز، وأنا من نبعها، وأنا بالشعر…)، مما يخلق تياراً موسيقياً صاعداً يعزز النزعة الذاتية في النص.

المقابلة الصوتية والبيانية: استخدام الثنائيات الضدية مثل (الملح الأجاج/ العذب الزلال) و(النقص/ الكمال)، مما يوجد توازنا في إيقاع القراءة والسمع.

التناغم مع عناصر الطبيعة: استعارة أصوات الطبيعة كإيقاع داخلي، مثل “نبض البحر” و”موج الهوى”، مما يجعل القصيدة تتحرك بإيقاع حيوي يشبه حركة الموج.

الشفافية الوجدانية: دعوة القارئ لفتح باب الديوان بـ “فؤاده” لا بيده، مما يضفي جرسًا عاطفيًا يمهد للمتلقي الدخول في الحالة الموسيقية للنص قبل قراءته.

فالموسيقى في هذا الديوان تشبه “أوتار القيثارة العريقة؛ حيث يمثل البحر والقافية خشبها المتين الذي يحمل الصوت، بينما تمثل العواطف والكلمات الرقيقة الأصابع التي تداعب هذه الأوتار لتخرج ألحاناً تجمع بين رصانة الماضي وحرارة الحاضر”.

التصوير البياني

يُعدّ التصوير البياني في ديوان “وكشفتْ عن ساقيها” للشاعرة شيراز جردق أداةً تعبيرية مركزية، حيث لا تكتفي الشاعرة بنقل العواطف مجردة، بل تجسدها في صور شعرية ملموسة تمزج بين عناصر الطبيعة، والمحسوسات الجسدية، والمعاني الصوفية الوجدانية.

ويمكن تصنيف أنماط التصوير البياني في الديوان إلى ما يلي:

1 ـ نمط التشخيص وأنسنة المعاني:

تمنح الشاعرة صفات بشرية وحركية للأشياء الجامدة والمفاهيم المجردة لتعميق الحالة الشعورية، ومن ذلك:

تشخيص الحروف والقصيدة: تصف الشاعرة الحروف بأنها “ظلتْ عنيدة”، وتصور القصيدة ككيان يفتنها.

أنسنة الروح والهوى: تصف الروح بأنها “تختال هائمة مريدة”، وتصوّر الهوى ككيان له “ساق” تسعى للمكاشفة عنه.

استنطاق الصمت: حيث تجعل لـ “آثار الشوق” قدرة على توليد “أنغام وليدة”.

2 ـ نمط الاستعارة المستمدة من عناصر الطبيعة:

تستخدم الشاعرة عناصر الكون (الشمس، والقمر، والبحر، والمطر) لرسم لوحات بيانية تعكس حالتها الوجدانية:

الصور السماوية: تصف الحبيب بأنه “البدر” الذي يضيء ليلها، و”الشمس” التي تحنو بعد هطول المطر.

الصور المائية: تقابل بين “ملح أجاج” يمثل عامة الناس، وبين “عذب زلال” يمثل المحبوب، كما تستخدم صورة “النبع” الذي ينبعث منه التحدي.

الصور الفضائية: تصف فعل الكتابة بـ “التحليق في سماء الشعر”، مما يوحي بالتحرر والنشوة.

3 ـ نمط الصور الحسية والمادية (الجسد والوجع):

تعتمد الشاعرة على صور مستمدة من الحواس والجسد لتقريب المعنى النفسي:

صورة الدم والنبض: تربط بين الإبداع والحياة البيولوجية في قولها “أيقظت شعري في دمي”، وتصف إيقاعها بـ “نبض البحر”.

صورة الجراح والاستشفاء: يظهر الشعر كأداة مادية “تهدئ الجراح”، مما يحول القصيدة من نص أدبي إلى ترياق حسي.

4 ـ نمط الرمزية الروحية (خمرة المعنى):

تستعير الشاعرة لغة رمزية تقترب من الأجواء الروحية لتعبر عن عمق التجربة:

تستخدم رمز “خمرة المعنى” للتعبير عن السكر الوجداني بحقائق العشق.

تصف محتويات الديوان بـ “المكنون السري” الذي يختبئ خلف الكلمات، داعية القارئ لطرق باب القصيدة بـ “فؤاده” لا بيده، وهي صورة بيانية تخرج فعل القراءة من إطاره المادي إلى إطار روحي خالص.

5 ـ نمط التكثيف البياني (الشيرازيات):

يبرز هذا النمط في المقطوعات القصيرة، حيث تعتمد على “الومضة التصويرية” التي تقدم تشبيهاً أو استعارة واحدة مركزة جداً، أطلقتْ عليها الشاعرة اسم “تغريدات شعرية” تحمل “نور الصدق”.

فالصور الشعرية عند شيراز جردق تشبه “المرآة العاكسة؛ فهي لا تكتفي بعكس ملامح الواقع، بل تعيد تشكيله بضوء خيالها لتجعل من العاطفة رداءً ملموساً ومن الكلمة نبضاً يتحرك في عروق الورق”.

تحية مني لشيراز جردق الصديقة والشاعرة المبدعة، وتهنئة من القلب بديوانها الثالث “وكشفت عن ساقيها”، وأمنيات صادقة بمزيد من الإبداع الشعري والتألق في سماء الشعر الوجداني، والقومي.

وعسانا نلتقي في ديوان مشترك يضم معارضاتنا الشعرية معا للتأكيد على عروبة شيراز جردق التي تتخذ من الشعر وسيلة للإبداع الفني والتواصل الإنساني.

Author بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديمي، قسم اللغة العربية، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر
↑