الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

رؤية نقدية في “دوار غالية” للأديبة المصرية غادة مأمون


“دوار غالية” مجموعة قصصية للكاتبة غادة مأمون، تجمع بين دفتيها قصصًا إنسانية متنوعة مستوحاة من عمق المجتمع المصري، تتناول المؤلفة من خلال سردها مواضيع محورية مثل العلاقات الأسرية، وتأثير الوالدين، ومعاني الوفاء والخذلان في سياقات ريفية وحضرية مختلفة، وتبرز القصص ملامح من الحنين إلى الماضي، والبحث عن السعادة في التفاصيل البسيطة، بالإضافة إلى استعراض قضايا اجتماعية بأسلوب أدبي شيق، وتعكس المجموعة تجارب شخصية ومواقف حياتية تلامس الوجدان، حيث تكرّم الكاتبة في طياتها قيم الرحمة والترابط الإنساني، وتُعدُّ هذه المجموعة إضافة للمشروع الأدبي للكاتبة التي تملك رصيدًا من الأعمال الروائية والقصصية الموجهة للقارئ العربي.

اللغة والأسلوب:

تمتاز لغة الكاتبة غادة مأمون وأسلوبها في مجموعة “دوار غالية” بعدة خصائص فنية وجمالية، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

المزج بين الفصحى والعامية: تعتمد الكاتبة في السرد والوصف على اللغة العربية الفصحى البسيطة السلسة، بينما تلجأ إلى العامية المصرية في الحوارات لتضفي واقعية وحيوية على الشخصيات وتجعلها أقرب إلى لغة الشارع المألوفة، يظهر ذلك بوضوح في حوارات مثل “غور من وشي”، و”حرام عليك يا بابا”، و”بتقولي إيه؟”.

توظيف اللهجات المحلية: لم تقتصر الكاتبة على العامية القاهرية، بل استخدمت تنويعات لهجية تتناسب مع الخلفية الاجتماعية والجغرافية للشخصيات؛ كما ظهر بوضوح في قصة “تمني”، حيث تحدثت الطفلة باللهجة الصعيدية بعفوية باستخدام مفردات مثل “فروج”، “وكل”، “خلجات زينة جوي”، و”أبلة هالة”.

السرد بضمير المتكلم (السرد الذاتي): تعتمد معظم قصص المجموعة على أسلوب السرد بضمير المتكلم (مثل: أنا، كنتُ، ذهبتُ)، مما يخلق حالة من البوح والحميمية ويجعل القارئ يعيش الأحداث من منظور الشخصية، وقد استخدمتْ هذا الأسلوب سواء كانتْ الشخصية الرئيسية امرأة (وهو الغالب في قصص المجموعة)، أو رجلًا كما في قصة “كراسة التعبير”.

الأسلوب العاطفي والوجداني: يغلب على لغة النصوص الطابع المشحون بالعاطفة، حيث تركز الكاتبة على وصف المشاعر الإنسانية العميقة كالحنين، والفقد، والخذلان، والوجع، والحب.

وتستخدم مفردات وتعبيرات وجدانية مؤثرة تعكس الانكسار، مثل وصف مشهد الأب المهزوم في قصة “صدفة”، أو الفرحة والاشتياق كما في قصة “قطعة السكر”.

المقدمات التأملية والشاعرية: تميل الكاتبة إلى افتتاح الكثير من قصصها بمقاطع تأملية ترتبط غالبًا بعناصر الطبيعة (كالسماء، والغروب، والبحر، والمطر، والشمس) لتهيئة القارئ للمزاج النفسي للقصة، كما يظهر في بدايات قصة “اللقاء البارد”، وقصة “الذكرى الأولى”، وقصة “زهرة”.

الواقعية والبساطة في التعبير: تبتعد الكاتبة عن التعقيد اللغوي أو الرمزية المفرطة، وتتبنى أسلوبًا مباشرًا وواقعيًّا في سرد الأحداث، مما يجعل حكاياتها وقصصها قريبة جدًّا من نبض الحياة اليومية للقراء.

شخصيات “دوار غالية”

تزخر مجموعة “دوار غالية” بشخصيات متنوعة تعكس نماذج إنسانية شديدة الواقعية، تتأرجح بين القوة والانكسار، والوفاء والغدر، ويمكن تصنيف الشخصيات الرئيسية وفقًا للسمات والدوافع التي حركت أحداث القصص:

1 ـ نماذج النساء القويات والمضحيات:

الحاجة غالية (قصة “دوار غالية”): هي قلب القرية النابض، امرأة حكيمة ومهيبة تدير مجلسًا عرفيًّا لحل مشاكل النساء، وتتميز بالكرم ومساعدة المحتاجين، تمثل جيل الأمهات اللاتي يحملن حكمة فطرية وقدرة على احتواء الجميع.

الأم المضحية (قصة “الفستان الأخضر”): نموذج للأم التي تدرك بقلبها انكسار زوجها لضيق ذات اليد، فتنقذه من الحرج وتصنع لابنتها فستانًا بيديها ليلة العيد لتسعدها وتستر عجزَ زوجها.

الزوجة المتمردة (قصة “العصفور الحبيس”): شخصية عانتْ من قسوة شقيقها ثم قسوة زوجها الذي عاملها بجفاء شديد وحرمها من حنانها كأنثى، لكنها استجمعتْ قواها لكسر سجنها، وخرجتْ للعمل لتستقل بحياتها متجاهلة تهديداته، خاصة بعد اكتشافها خيانته لها.

2 ـ الرجال بين الحنان المفرط والاستغلال:

الآباء المحبون (قصة “قطعة السكر”): يبرز أنموذج الأب الحنون الذي جعل طفولة ابنته مليئة بالدفء والحكايات وصنع لها ذكريات لا تُنسى في مدينة الإسكندرية، مما جعل وفاته صدمة كبرى أطفأتْ ألوان الحياة في عينيها لسنوات.

كما يظهر نموذج الزوج المخلص “فارس” في قصة “رفيق الروح” الذي كافح مع زوجته من الصفر حتى أصبح رجل أعمال ناجحًا، لكن الموت غيبه بسبب الفشل الكلوي.

الآباء الغائبون (قصة “اللقاء البارد”): الأب الذي تخلى عن زوجته وابنته ولم يقدم سوى أموال قليلة عبر أظرفٍ مغلقةٍ، لغيابه الدائم بحجة العمل، ويعود في النهاية نادمًا ومنهزمًا ليطلب العفو من ابنته بعد أنْ أصبحتْ مهندسة عالمية.

الزوج الاستغلالي (قصة “بريق الغدر”): الشاب “أحمد” الذي اصطنع الحب ليتزوج من “هند” طمعًا في ثروة والدها، وسرق أموالها واعتدى عليها بالضرب، وتزوج عليها، لينتهي به المطاف مقبوضًا عليه بتهمة الاختلاس قبل هروبه.

3 ـ الضحايا والأبرياء (ضحايا المجتمع):

الطفلة “تمني”: ضحية الفقر والجهل؛ طفلة بريئة في العاشرة تعمل في خدمة البيوت لتساعد أسرتها، ساقتها أمها لمصيرها المأساوي (الموت) بسبب عملية “ختان الإناث”، بينما كانت الطفلة تظن ببراءة أنها ذاهبة لبلدتها لتتناول الدجاج وتفرح.

الأب المقهور (قصة “صدفة”): رجل بسيط كسرته ابنته الجاحدة في حفل تخرجها الجامعي وعنفته أمام الجميع لعدم قدرته المالية على شراء باقة ورد لها لتباهي بها زميلاتها.

4 ـ شخصيات تحمل الطابع الكوميدي والساخر:

العروس العجوز “شهرزاد” (قصة “المرتبة القطن”): سيدة تبلغ من العمر 75 عامًا، تصر على الزواج وتطلب شبكة ألماس بوزن 10 جرامات و”مرتبة قطن”، وتعيش تفاصيل الخطوبة كأنَّها شابة صغيرة مفعمة بالحياة متجاهلة عوامل الزمن.

عريس منتصف الليل: رجل مخمور طرق بابَ بيتِ “المأذون” بعد منتصفِ الليل ليبرم عقد زواجه، فأجبره المأذونُ على الاستحمام بماء بارد ليفيق، والمفارقة أنه عاد بعد أقل من ثلاثة أشهر مصابًا بكدمات يطلبُ الطلاقَ من نفس العروس لأنَّها تجيد الملاكمة وضربته.

أهم القضايا الاجتماعية والظواهر الواقعية المتباينة

تغوص مجموعة “دوار غالية” في عمق المجتمع لتسلط الضوء على العديد من القضايا الاجتماعية والظواهر الواقعية المتباينة، والتي يمكن تقسيمها إلى المحاور التالية:

1 ـ قضايا الطفولة والجهل (عمالة الأطفال وختان الإناث):

طرحتْ الكاتبة بجرأة قضايا شديدة الحساسية تتعلق بانتهاكِ حقوق الطفل، وظهر ذلك جليًّا في قصة “تمني” التي تناولتْ عمالة الأطفال من خلال طفلة في العاشرة تعمل خادمة في البيوت لتوفير لقمة العيش لأسرتها المكونة من 8 أفراد، كما سلطتْ القصة الضوء على جريمة ختان الإناث الناتجة عن الجهل والعادات الموروثة، والتي أدتْ في النهاية إلى وفاة الطفلة البريئة، بالإضافة إلى ذلك، ناقشتْ القصة طموحات الزواج المبكر للفتيات الصغيرات كمَهْربٍ من الفقر.

2 ـ قضايا المرأة (العنف الأسري، الاستغلال، والتمكين):

استعرضتْ المجموعة أشكالًا متعددةً لمعاناة المرأة ونجاحاتها:

العنف الأسري ونظرة المجتمع للمطلقة: في قصة “العصفور الحبيس”، تبرز معاناة الزوجة من قسوة وجفاء زوجها (وقبله شقيقها)، وحين تقرر طلب الطلاق بسبب خيانته، تواجه تهديدًا من أمها بمقاطعتها، مما يعكس نظرة المجتمع القاصرة التي ترفض طلاقَ المرأة وتجبرها على تحمل الإهانة.

الاستغلال المادي: في قصة “بريق الغدر”، تبرز قضية استغلال الزوج لزوجته ماديًّا بعد أنْ تزوجها طمعًا في ثروة والدها، ليتطور الأمر إلى العنف الجسدي عندما ترفض منحه المزيد من الأموال.

التمكين والاستقلال: رغم القهر، تبرز قضايا نجاح المرأة واستقلالها المادي والمهني كطوق نجاة، حيث تخرج الزوجة المقهورة للعمل في “العصفور الحبيس”، وتتحول الزوجة المخدوعة في “بريق الغدر” إلى سيدة أعمال ناجحة تمتلك مصنعًا للملابس.

تغيير الصورة النمطية لزوجة الأب: في قصة “كراسة التعبير”، كسرتْ الكاتبة الصورة النمطية القاسية لزوجة الأب، وقدمتْ نموذجًا لزوجة أب حنونة تعوض الأبناء عن غياب أمِّهم وتنقذُهم، حتى أنَّ الابن يكتب عنها موضوع تعبير في “عيد الأم”.

3 ـ التفكك الأسري وجحود الأبناء:

تناولت الكاتبة غياب الآباء وتأثيره النفسي على الأبناء في قصة “اللقاء البارد”، حيث يتخلى الأب عن ابنته بعد طلاق زوجته لأنه كان يريد “ذكرًا”، ويكتفي بإرسال نقود قليلة، مما يتركُ جرحًا عميقًا في نفس الابنة، وفي المقابل، عرضتْ قصة “صدفة” صورة قاسية لجحود الأبناء والمادية المفرطة، حيث تقوم فتاة بتوبيخ وإهانة والدها المسكين يوم تخرجها أمام الجميع لمجرد أنه لم يستطعْ شراء باقة ورد لها بسبب فقره، مفضلة المظاهر الكاذبة على احترام والدها.

4 ـ الفقر والفوارق الطبقية:

يظهر الفقر كعامل محرك للعديد من الأحداث؛ ففي قصة “الفستان الأخضر”، نرى تضحيات الآباء لإسعاد أبنائهم رغم ضيق ذات اليد، حيث تقوم الأم بحياكة فستان لابنتها ليلة العيد لتنقذ الأب من حرج عدم قدرته على دفع ثمن الفستان الجاهز، كما تناولتْ قصة “رفيق الروح” رفض الأهل لتزويج بناتهم بسبب الفوارق الطبقية والمادية، مما يدفع الأبناء للهروب والزواج سرًّا.

5 ـ العادات والتقاليد وحل النزاعات (المجالس العرفية):

في قصة “دوار غالية”، وثقتْ الكاتبة دورَ “المجالس العرفية” في القرى المصرية، حيث تتولى امرأة حكيمة (الحاجة غالية) حل مشاكل أهل القرية، سواء كانتْ مشاكل اقتصادية أو حتى قضايا حساسة جداً مثل التعامل مع “الحمل سفاحًا” وكيفية تستر المجتمع على هذه الأزمات بحلول عملية كالسفر والزواج.

6 ـ حق كبار السن في الحياة والحب:

ناقشت قصة “المرتبة القطن” قضية طريفة واجتماعية في آن واحد، وهي حق كبار السن (في السبعينيات والثمانينيات من العمر) في الحب والزواج، وكيف ينظر الشباب أو المجتمع المحيط باستنكار وتعجب لرغبتهم في ممارسة الحياة الطبيعية.

ختان الإناث والعنف الأسري

تناولت الكاتبة غادة مأمون قضيتي ختان الإناث والعنف الأسري بجرأة وواقعية من خلال قصص مجموعتها “دوار غالية”، حيث سلطتْ الضوء على الجهل والطمع والقسوة التي تتعرض لها الفتيات والنساء، وفيما يلي تفصيل لهاتين القضيتين:

أولاً: قضية ختان الإناث (قصة “تمني”)

جسدتْ الكاتبة مأساة ختان الإناث من خلال قصة الطفلة البريئة “تمني”، وهي فتاة في العاشرة من عمرها، ذات وجه بشوش وعينين خضراوين، أجبرتْها ظروفُ الفقر على العمل كخادمة في البيوت لتساعد في إعالة أسرتها المكونة من ثمانية أفراد.

وتكمن قسوة القضية في المفارقة بين براءة الطفلة وجهل الأم؛ فبينما كانت “تمني” في غاية السعادة لأنَّ أمها ستأخذها إلى مسقط رأسها لتجري لها “طهارة” (ختان)، كانت تظن بوعيها الطفولي أنَّ هذا الإجراء سيجعلها تحظى بتناول “الفروج المحمرة” (الدجاج) كل يوم، وسيجعلها تكبر بسرعة لتتزوج ابن العمدة.

وقد عكستْ الكاتبة مدى خطورة هذه العادة التي تُجرى غالبًا على يد حلاق أو أشخاص غير مؤهلين طبيًّا، ورغم محاولات بطلة القصة لتحذير والدة “تمني” من هذا الخطر وإثنائها عن “ذبح” الطفلة، إلا أنَّ الأم قابلتْ ذلك بصلف وتجاهل، متذرعة بأنَّ كل فتيات القرية قُمن بذلك ولم يُصبهن أذى. وفي النهاية، أسفر هذا الجهل والتمسك بالعادات القاتلة عن وفاة الطفلة البريئة “تمني”.

ثانياً: قضية العنف الأسري

تناولتْ المجموعة أشكالًا متعددةً من العنف الأسري، سواء الجسدي أو النفسي، والذي يمارس ضد المرأة في مراحل مختلفة من حياتها:

العنف من الأهل والمجتمع (قصة “العصفور الحبيس”):

سلطتْ الكاتبة الضوء على قسوة الأهل من خلال بطلة القصة التي عانتْ في طفولتها من ضرب شقيقها الأكبر المبرح لها، وتعمده حبسها في غرفتها كنوع من العقاب الوحشي، والأقسى من ذلك كان موافقة الأم على هذا الظلم باعتباره “تهذيباً وإصلاحاً”، ويمتد هذا العنفُ المجتمعيُّ ليلاحقها حين تقرر الانفصال عن زوجها القاسي والخائن، فتواجه تهديدًا من أمِّها بمقاطعتها طيلة حياتها إنْ تركتْ زوجَها وعادتْ لبيت أهلها، مما يعكس نظرةَ المجتمع القاصرة التي تجبر المرأة على تحمل العنف والإهانة.

العنف الجسدي والاستغلال المادي (قصة “بريق الغدر”):

تظهر في هذه القصة أبشع صور العنف الزوجي المقترن بالاستغلال، حيث يتزوج “أحمد” من “هند” طمعًا في ثروة والدها، ويبدأ باستغلالها ماديًّا وأخذ قروضٍ منها لمشروعه، وحين ترفض “هند” أنْ تطلبَ المزيدَ من الأموال من والدها لصالحه، يكشف الزوج عن وجهه القبيح ويعتدي عليها بالضرب والركل واللكمات حتى يتورم وجهها وتسقط مغشيًّا عليها.

العنف النفسي والإهمال (قصة “العصفور الحبيس”):

بجانب العنف الجسدي، تبرز معاناة الزوجة من العنف النفسي والجفاء العاطفي، حيث يعاملها زوجُها بعبوس دائم وقسوة، وينهى أيَّ نقاشٍ بينهما بفظاظة تشعرُها بضحالة تفكيرها، متجاهلًا مشاعرَها وأنوثتَها، ليحول حياتَها إلى سجن كئيب وممل.

نماذج للمرأة القوية

تبرزُ بطلاتُ الكاتبة غادة مأمون في مجموعة “دوار غالية” كنماذج للمرأة القوية التي ترفض الاستسلام للقهر والظلم والخذلان، وقد اختارتْ هؤلاء البطلات طريقَ التمردِ الإيجابيّ، والعمل، والاستقلال الماديّ والنفسيّ للتغلب على معاناتهن، ويظهر ذلك جليًّا في القصص التالية:

النجاح العلمي والعالمي للرد على الخذلان: في قصة “اللقاء البارد”، عانتْ البطلة في طفولتها من قسوة الأب الذي تخلى عنها وعن والدتها لعدم إنجاب الذكور، وبدلًا من الاستسلام لهذا الجرح، وجهتْ طاقتها نحو التفوق الدراسي، فحصلتْ على مجموع عالٍ وسافرتْ لدراسة هندسة الكمبيوتر في أوروبا، حتى أصبحتْ من الخبراء في مجالها وتم اختيارها ضمن أفضل عشر نساء في هندسة الكمبيوتر عالميًّا، وتوجتْ نجاحها بتوفير حياة راقية لوالدتها التي ساندتها، ووصلتْ لمرحلة من القوة النفسية جعلتها قادرة على عدم مسامحة والدها المهزوم.

الاستقلال المهني وكسر قيود التحكم: في قصة “العصفور الحبيس”، واجهتْ البطلة عنفًا مبرحًا من شقيقها في طفولتها، ثم تزوجتْ رجلًا جافًّا وقاسيًا حبسها في روتين قاتل، وتخلتْ عنها والدتُها وهددتْها بالمقاطعة إنْ تطلقتْ، فتغلبتْ البطلة على سجنها بالتواصل مع صديقة قديمة ساعدتها في الحصول على وظيفة بشركة سياحة كبرى، وبالفعل، أثبتتْ كفاءتَها في فترة وجيزة وتجاهلتْ تهديدات زوجها، رافضة أنْ تظل “العصفور الحبيس”.

الريادة في عالم الأعمال بعد التعرض للعنف: في قصة “بريق الغدر”، تعرضتْ “هند” لصدمة كبرى بعدما استغلها زوجُها ماديًّا واعتدى عليها بالضرب المبرح حينما رفضتْ إعطاءه المزيد من الأموال، فانتفضتْ هند لكرامتها وواجهته بحقيقته، وبعد طلاقها، قررتْ الخروج من حالتها النفسية السيئة بالعمل مع والدها، وأسستْ مصنعًا للملابس الجاهزة واكتسبتْ خبرة كبيرة، لتفتتح عدة فروع وتصبح من أهم سيداتِ الأعمال، في حين انتهى المطاف بطليقها كـ “مختلس” هارب من العدالة.

تحويل مرارة الفقد إلى عطاء خيري: في قصة “رفيق الروح”، تحدتْ البطلة رفضَ أسرتها وزوجتْ نفسها لحبيبها “فارس” الذي كان يعاني من ظروف مادية متواضعة، وكافح الزوجان معًا من الصفر حتى أسسا شركة ومزرعة ووصلا للثراء، ورغم النهاية المأساوية بوفاة الزوج بمرض الكلى، فلم تستسلم البطلة لليأس، بل تغلبتْ على أحزانها بتخصيص كل مدخراتها لتأسيس “دار فارس للأعمال الخيرية”، وكرستْ ما تبقى من حياتها لإسعاد الأطفال واليتامى والأرامل تخليدًا لروح زوجها.

التفاني والمثابرة لبلوغ القمة: في قصة “زهرة”، تغلبتْ البطلة على مشقة الترحال الدائم والتعب في مجال الضيافة الجوية، وحصدتْ ثمرة جهودها بالحصول على ترقية كبرى سعتْ إليها طويلًا لتعيش حالة من السلام والرضا.

التصوير الفني

يمتاز التصوير الفني في مجموعة “دوار غالية” للكاتبة غادة مأمون بالغنى والقدرة العالية على تجسيد المشاعر الإنسانية والحالات النفسية المعقدة من خلال توظيف الاستعارات، والتشبيهات، والتشخيص ببراعة، ويمكن إبراز جماليات هذا التصوير في النقاط التالية:

1 ـ التشخيص وبث الحياة في المعنويات الطبيعة (Personification) :

تشخيص “الوحدة”: في قصة “زفاف المرحومة”، أضفتْ الكاتبة طابعًا إنسانيًّا على “القطة”، فجعلتها الرفيقة والصديقة الوحيدة التي تصطحبُ البطلة أينما كانتْ، وتستمعُ لبوحها دون ضجر.

أنسنة الطبيعة: في قصة “الذكرى الأولى”، صورتْ الكاتبة البحر وأمواجه وكأنَّها حبيبة تسارع الخطى والزمن لتصل بشوق وترتمي في أحضان البطل لتستكين أنفاسُها وتسكن روحه، كما وصفتْ مدينة الإسكندرية في قصة “قطعة السكر” بأنَّها “مثل المرأة الجميلة التي لا يشبهها أحدٌ”، وفي قصة “زفاف المرحومة” صورتْ السحاب بأنه يحمل الآلام، والنجوم تحمل الهموم.

2 ـ الاستعارات والتشبيهات العميقة:

عناوين دالة بصرية: استخدمت الكاتبة عناوين هي في ذاتها استعارات تعكس حالة الشخوص، مثل “العصفور الحبيس” لتمثيل الزوجة المقهورة المسجونة في حياة قاسية وتنتظر فكَّ قيودِ قفصِها، و”قطعة السكر” كاستعارة تدل على فرط حنان الأب وتدليله لابنته.

التصوير النفسي المادي: لكي تعبر الكاتبة عن الفراغ الداخلي والاكتئاب في قصة “زفاف المرحومة”، شبهتْ البطلة أيامَها بـ “صفحات متشابهة في رواية حزينة”، وعمرها الذي ضاع بـ “صحراء كبيرة وفراغ رحب”، وللتعبير عن قسوة جلد الذات، صورتْ البطلة نفسها وهي تضع ذاتها تحت “مقصلة الأسئلة”.

التعبير عن قوة المشاعر: شبهتْ الكاتبة المشاعر العاتية في قصة “الذكرى الأولى” بـالوحش الكاسر الذي يلتهم ما في طريقه، وبالبركان الذي لو انفجر لحرقَ كل مَنْ يلتقيه صدفة.

3 ـ توظيف دلالات الألوان:

لعبتْ الألوان دورًا فنيًّا في عكس الحالة المزاجية للأبطال؛ ففي قصة “قطعة السكر”، ارتبط حزن البطلة لوفاة والدها برؤيتها لمدينة الإسكندرية بـ “اللون الرمادي”، وحين تصالحتْ مع ذكرياتها تبدل المشهد في عينيها إلى “اللون السماوي”، وفي قصة “زفاف المرحومة” تتأمل البطلة الكئيبة “السماء الرمادية” ذات اللون المبهم.

4 ـ الانعكاس النفسي على عناصر الطبيعة (المزاج العام للقصة):

كثيرًا ما تمهد الكاتبة للحالة الشعورية للقصة بوصف الطبيعة المحيطة؛ ففي قصة “اللقاء البارد” التي تعج بمشاعر الخذلان والجفاء، وصفتْ الكاتبة السماء بأنها ملبدة بالغيوم والمطر يغسل الشوارع، والليل “يسدل ستاره”، وعلى النقيض، في قصة “زهرة” التي تحمل معاني النجاح والأمل، يبدأ المشهد بسطوع الشمس وتفتح الزهور وتغريد العصافير معلنة سعادتَها بيوم جديد.

تقنيات السرد القصصي

اعتمدتْ الكاتبة غادة مأمون في مجموعتها القصصية “دوار غالية” على مجموعة من تقنيات السرد القصصي التي أسهمتْ في تكثيفِ الحدثِ وتعميق البعد النفسي للشخصيات، ومن أبرز هذه التقنيات:

1 ـ تقنية القفلة المفاجئة والمفارقة (Twist Ending) :

برعتْ الكاتبة في إنهاء العديد من قصصها بنهاياتٍ غير متوقعة تصدم القارئ وتصنع مفارقة درامية حادة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك:

قصة “كراسة التعبير”: حيث ينتهي الحدثُ باكتشاف الزوج عبر كاميرات المراقبة أنَّ قاتلة ابنه هي طليقته (أم الطفل) وليستْ زوجته الحالية التي اتَّهمها الجميع ظلمًا.

قصة “العصفور الحبيس”: بعد أنْ تقرر الزوجة التنازل عن كرامتها والعودة لـ “سجن” زوجها هربًا من مقاطعة أمِّها لها، تتفاجأ في النهاية بوجوده في أحضان جارتها.

2 ـ تقنية الاسترجاع الزمني (Flashback) :

تعتمد الكاتبة بشكلٍ مكثفٍ على تكسير الزمن الخطيّ للقصة؛ حيثُ تبدأ من لحظة حاضرة، ثم تعود بالذاكرة إلى الماضي لكشفِ الجذور النفسية للأزمة، ثم تعودُ للحاضر مجددًا لحل العقدة.

يظهر ذلك في قصة “قطعة السكر”، حيثُ تبدأ البطلة من لحظة عودتها للإسكندرية بعد ربع قرن من وفاة والدها، ثم تسترجع ذكريات طفولتها السعيدة معه على شاطئ العصافرة وبائع الفريسكا، لتختم القصة بعودتها للزمن الحاضر ولقائها بابن بائع الفريسكا القديم.

وفي قصة “اللقاء البارد”، تبدأ مِنْ مشهد جلوسها في طائرة وتأمُّلها للسماء، ثم تسترجع قسوة والدها في طفولتها وتخليه عنها، لتعود إلى نقطة التكريم في الحاضر.

3 ـ المونولوج الداخلي والبوح النفسي:

لتسليط الضوء على معاناة شخصياتها، استخدمتْ الكاتبة تقنية الحوار الداخلي (حديث الشخصية مع ذاتها)، مما يعمق الإحساس بواقعية الألم، ففي قصة “زفاف المرحومة”، تجلس البطلة وتضع ذاتها تحت “مقصلة الأسئلة” وتحاور نفسها حول جدوى حياتها الكئيبة مع زوج يتجاهلها، وفي قصة “العصفور الحبيس”، تقف البطلة مع نفسها لتسألها عن سبب قسوة زوجها رغم عطائها، وكيفية بناء هوية جديدة لنفسها.

4 ـ الاستهلال الوصفي والنفسي:

تستخدم الكاتبة تقنية التمهيد عبر وصف الطبيعة أو الزمان كمرآة عاكسة للحالة النفسية للبطلة قبل الدخول في الحدث الرئيسي، ففي قصة “صدفة”، تمهد ليوم تخرج ابنها المليء بالفرح بوصفِ يوم مشرق بنسيم هواء يهفهف على روحها، وفي قصة “زهرة”، تبدأ بوصف سطوع الشمس وتفتح الزهور للدلالة على الأمل والنجاح المهني الذي ستحققه.

5 ـ تقنية التكثيف والاقتصاد اللغوي في الحوار:

تقتصد الكاتبة في الحوارات الخارجية (الديالوج) وتجعلها قصيرة ومكثفة ومحملة بالدلالات، وغالبًا ما تكون بالعامية لكسر رتابة السرد بالفصحى وإضفاء واقعية شديدة، كما في الحوار القصير الصادم بين الفتاة الجاحدة ووالدها في قصة “صدفة”: “حرام عليك يا بابا.. إنتَ وعدتني بالورد”، أو حوار “تمني” البريء باللهجة الصعيدية حول أحلامها البسيطة في أكل “الفروج”.

Author بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديمي، قسم اللغة العربية، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر