الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

راهبة القدس في مرمى الكراهية والعدوان

Author
يونس العموري 05 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في القدس، لا تسقط الأقنعة دفعة واحدة، بل تتآكل رويدا رويدا حتى ينكشف الوجه الحقيقي بلا مواربة… مدينة يقال إنها مقدسة، لكنها في يومياتها تعيش تدنيسا متواصلا، لا يطال الحجر وحده، بل يمتد إلى الإنسان، إلى الكرامة، وإلى المعنى ذاته… الاعتداء على الراهبة في شوارعها ليس حادثة شاذة، بل لحظة مكثفة تختصر مشهدا كاملا من الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي ترعاه منظومة الاحتلال، وتغذيه، ثم تتظاهر بالدهشة حين ينفلت إلى العلن.

حين تُضرب راهبة في القدس، فإن اليد التي امتدت إليها ليست معزولة، بل هي امتداد مباشر لذهنية كاملة تُربّى على احتقار الآخر، وعلى نزع إنسانيته، وعلى التعامل معه بوصفه فائضا يمكن إهانته بلا حساب. هذه ليست جريمة فردية، بل تعبير فج عن ثقافة باتت ترى في الاعتداء على رجال الدين المسيحيين فعلا عاديا، بل ومبررا أحيانا. البصق على الكهنة، دفعهم في الأزقة، شتمهم في وضح النهار، لم يعد استثناء، بل أصبح جزءا من مشهد يومي في مدينة تدّعي سلطاتها حماية حرية العبادة.

أي حرية هذه التي تُهان فيها الرموز الدينية على مرأى من الجميع؟ وأي قدسية تبقى لمدينة تُدنّس فيها الكرامة الإنسانية بهذه الوقاحة؟

المشكلة ليست في مستوطن هنا أو متطرف هناك، بل في البنية التي تنتجهم وتمنحهم شعورا مطلقا بالإفلات من العقاب. حين يدرك المعتدي مسبقا أن أقصى ما سيواجهه هو توصيف سطحي بأنه ( يعاني من حالة نفسية )، فإنه لا يرى نفسه مجرما، بل شخصا محميا. هذا التبرير الجاهز، الذي تلوكه الرواية الرسمية الإسرائيلية عقب كل اعتداء، ليس بريئا، بل جزء من آلية متكاملة لتبييض العنف وتحويله إلى حادث عرضي، بينما هو في جوهره نتاج سياسة ممنهجة.

كم مرة سمع العالم هذه الأسطوانة؟ ( حادث فردي )، ( مختل نفسيا)، ( لا يمثل المجتمع ). غير أن تكرار الاعتداءات، وتشابه أنماطها، يكشف أن المسألة أعمق بكثير من فرد مضطرب. ما يجري هو نتيجة مباشرة لخطاب سياسي وديني متشدد يُغذّى في المدارس، وفي المستوطنات، وفي أروقة السلطة ذاتها. خطاب يقوم على فكرة التفوق، وعلى اعتبار الآخر، خصوصا العربي والمسيحي والمسلم، كائنا أقل استحقاقا للكرامة.

السلطات الإسرائيلية ليست متفرجا على هذا المشهد، بل هي شريك فيه، بالفعل أو بالصمت. حين تتقاعس عن محاسبة المعتدين، وتكتفي ببيانات خجولة لا تتجاوز حدود العلاقات العامة، فإنها تمنح الضوء الأخضر لمزيد من الانتهاكات. بل إن بعض رموزها لا يلتزمون الصمت، بل يضخون خطابا تحريضيا يبرر الإقصاء ويشرعن الكراهية، ما يجعل الشارع أكثر جرأة على ترجمة هذا الخطاب إلى عنف ملموس.

وإذا كان الاعتداء على الراهبة في القدس صادما، فإنه ليس منفصلا عن المشهد الأوسع في الضفة الغربية، حيث تشن مجموعات المستوطنين حربا مفتوحة لا يمكن وصفها إلا بأنها منظمة ومحمية. قرى تُحرق، مزارع تُدمر، عائلات تُرهب، وكل ذلك تحت أعين “جيش” يفترض أنه “قوة نظام”، لكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى غطاء لهذا الانفلات، أو يقف على الأقل موقف المتفرج.

هناك خيط واضح يربط بين بصقة في وجه كاهن في القدس، وحرق منزل في قرية فلسطينية في الضفة. كلاهما يصدر عن العقلية ذاتها … عقلية ترى في الآخر هدفا مباحا، لا شريكا في الأرض ولا في الحياة. هذه العقلية لا تنشأ في فراغ، بل تُصنع وتُغذى عبر سياسات رسمية، ومن خلال منظومة تعليمية وإعلامية تعيد إنتاج الكراهية بشكل يومي.

وحين ننظر إلى ما يجري في المسجد الأقصى، تتضح الصورة أكثر. اقتحامات متكررة، قيود على المصلين، محاولات دائمة لفرض واقع جديد بالقوة، وكأن الهدف ليس فقط السيطرة على المكان، بل كسر رمزيته في وعي الناس. الأقصى ليس بعيدا عن الاعتداء على الراهبة، بل جزء من السياق ذاته: استهداف كل ما يمثل الآخر، دينيا وثقافيا وروحيا.

القدس اليوم ليست مدينة تعايش، بل ساحة صراع مفتوح، تُستخدم فيها الرموز الدينية كأهداف مباشرة. الاعتداء على رجال الدين المسيحيين، والتضييق على المسلمين في الأقصى، يكشفان عن سياسة لا تميز كثيرا بين دين وآخر، بقدر ما تميز بين من يُعتبر “صاحب حق” ومن يُدفع إلى الهامش.

الأخطر في كل ذلك هو محاولة تسويق صورة مغايرة للعالم. “إسرائيل” تحرص على الظهور كواحة ديمقراطية تحترم التعددية، لكن ما يجري على الأرض يفضح هذا الادعاء يوميا. لا يمكن الجمع بين صورة كيان يدّعي حماية الحريات، وواقع تُهان فيه الراهبات ويُبصق فيه على الكهنة ويُقمع فيه المصلون.

هذا التناقض لم يعد قابلا للإخفاء، لأن الوقائع باتت أكثر صراحة من أي خطاب دعائي. الكاميرات تنقل، الشهادات تتكرر، والأنماط تتشابه، ما يجعل من الصعب الاستمرار في رواية ( الحوادث الفردية) .

القدس لا تحتاج إلى بيانات تعاطف، بل إلى مواجهة حقيقية مع الأسباب التي تجعل مثل هذه الاعتداءات ممكنة. وما لم تتم مساءلة المنظومة التي تنتج هذا العنف، فإن الراهبة لن تكون الضحية الأخيرة، ولن يكون البصق على الكهنة آخر مظاهر الانحدار.

في مدينة يفترض أنها ترفع الإنسان إلى مرتبة القداسة، يُداس الإنسان كل يوم. وهذه هي الحقيقة التي تحاول سلطات الاحتلال إخفاءها، لكنها تنكشف، مرة بعد أخرى، في كل اعتداء، في كل إهانة، في كل صرخة تُقمع في أزقة القدس.

وفي استحضار الذاكرة العميقة للألم، يطل مشهد صلب السيد المسيح كأحد أكثر الفصول قسوة في تاريخ الإنسان، حيث تماهت أباطرة سلطة الرومان مع العنف، وتحول القضاء إلى أداة لإسكات صوت الحق. في درب الآلام، لم يكن الجسد وحده هو الذي يُساق مثقلا بالجراح، بل كانت الحقيقة نفسها تُجلد وتُهان أمام حشود صامتة أو متواطئة. ذلك الطريق لم يكن مجرد مسار حجري في مدينة قديمة، بل كان رحلة مكثفة للمعاناة، تجسد كيف يمكن للخوف والتحريض وسوء استخدام النفوذ أن يصنع مأساة تتجاوز لحظتها التاريخية، لتبقى حية في الوجدان الإنساني. صلب المسيح لم يكن مجرد عقوبة، بل ذروة مشهد من القسوة المنظمة، حيث اجتمعت قوى متعددة على كسر إنسان لأنه حمل رسالة مختلفة. وما بين السياط والخشبة، يتكرر السؤال ذاته عبر العصور: كيف يمكن للإنسان أن يبرر تعذيب إنسان آخر باسم الدين أو السلطة أو النظام؟ هذا السؤال لا ينتمي إلى الماضي وحده، بل يمتد إلى الحاضر، حيث تتشابه الأنماط وإن اختلفت الأسماء، ويظل الألم ذاته يتكرر في وجوه جديدة، من درب الآلام إلى شوارع القدس اليوم.

وكأن هذا المشهد لا يكتمل إلا بامتداده خارج حدود القدس، حيث تمتد اليد ذاتها، بالعقلية نفسها، لتطال المقدسات في أماكن أخرى. في جنوب لبنان، لم تسلم الكنائس من هذا النهج العدواني، حين اقتحم جنود الاحتلال إحدى الكنائس وعبثوا بمحتوياتها، في مشهد يكشف استخفافا صارخا بكل ما هو مقدس. تحطيم تمثال السيد المسيح لم يكن مجرد تخريب لمجسم ديني، بل فعل رمزي مثقل بالدلالات، يعكس نزعة عدائية لا تفرق بين دين وآخر، ولا تحترم رمزا أو عقيدة. ما حدث هناك يتقاطع مباشرة مع ما يجري في القدس: إهانة متكررة للرموز الدينية، وسلوك عنيف يجد له دائما مبررات جاهزة أو صمتا متواطئا. بين راهبة يُعتدى عليها في شوارع القدس، وتمثال للمسيح يُحطم في كنيسة جنوب لبنان، تتشكل صورة واحدة لا يمكن تجاهلها؛ صورة سلطة تتعامل مع المقدس بوصفه هدفا مباحا، ومع الآخر بوصفه شيئا يمكن كسره، معنويا وماديا، دون رادع حقيقي.

في النهاية، الاعتداء على الراهبة ليس مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار صارخ. إنه يعلن بوضوح أن المدينة التي يفترض أن تكون مساحة للسلام تتحول، بفعل سياسات الاحتلال، إلى فضاء للعنف الممنهج. ويؤكد أيضا أن الصمت الدولي، والتعامل مع هذه الجرائم ببرود، يسهمان في استمرارها.