2025.12.04
رحلة في أعماق \ مقالات رأي

رحلة في أعماق "أدب البحر"


ردوان كريم
22 نوفمبر 2025

في الصيف، دقائق معدودات بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس صباحًا على الشاطئ، ذلك الهدوء الأبدي الذي لا مثيل له، وصوت الموج الخفيف الذي يعانق الرمال المبتلة بالندى ثم يغادر، ولا يلبث إلا لحظات ليعود بفقاعاته البيضاء التي ترسم نهايته. زرقة البحر التي تكاد تكون مُخضرّة فاتحة، والسماء شبه مُحمرّة بفعل الفجر الصادق، وكأنه شفق الغروب لولا ازدياد النور والأشعة الذهبية. أعداد كثيرة من النوارس البيضاء تنشد الحرية، ويتناغم صوتها مع هدير الموج؛ تصطاد مرة، وتطير نحو صخرة، ومنها إلى الميناء فوق قوارب الصيد بحثا عن بقايا صيد عالقة على شباك الصيادين العائدين بثروة سمكية تُستهلك هنا وهناك. بعض الصيادين يُصلحون قواربهم وآخرون يصلحون ويرتبون شباكهم.

وفي داخل المسمكة، صيادون يدخلون بصناديق خشبية، وآخرون على طاولاتهم يقطّعون الأسماك الكبيرة، وأحدهم يذرّ الثلج على أسماكه. جزمة بلاستيكية بيضاء، وسروال جلدي، وقميص بحري مخطط بالأبيض والأزرق، وفوقه عباءة باللون الأزرق الصيني، ينادي بلهجة جزائرية:

"مرحبا بكم، خير ربي، كلش كاين، سردين روايال، سردين رقيق، سردين متوسط، لاتشا، بوقا، كروفات روايال، سورال رقيق، سورال متوسط، سورال خشين، سمكة التونة، الكحلة، ميرلون، سلمون، دوراد، ذئب البحر، غزال البحر، باجو، السلعة والسومة، والتوصيل متوفر!".

ثم تبدأ الأصوات بالتصاعد: حضور غفير من الناس، مشترٍ، سائح، عامل هناك، ومتجوّل.. بعيدًا عن هناك، عند الصخور الكبيرة، بعض الصيادين بصنّاراتهم الملقاة في مياه البحر، مستمتعين بتمضية الوقت، غارقين في أفكارهم وأحزانهم. هي ليست عملًا، ولا هواية، ولا رياضة، بل نمط حياة، وتحدٍّ للنفس والطبيعة. صوت الأمواج عند الصخور مخيف وقوي، فيه من الحجارة الصغيرة وفُتاتها ما يتحرك مع المد والجزر، وارتطامها بقاع الصخور الكبيرة يحدث صوتًا مفزعًا لغير المتعوّد.

بعيدًا عن الشاطئ والمرفأ، حيث تنتهي الصخور، تبدأ المنحدرات والصخور الشاهقة التي تعلوها أحراش وغطاء نباتي مُخضرّ كثيف ذو أشواك. بعض الغطاسين والسبّاحين المهرة والمتهورين يسبحون إلى هناك، حيث المياه نقية كالبلوّر، وقاع البحر مرئي كالزجاج. في الظهيرة، تُشمّ رائحة الأطعمة، خاصة المقليّة منها من أبعد نقطة على الشاطئ، مصدرها المطاعم المنتشرة على طول الشارع المحاذي للشاطئ.

البحر، هناك من يراه وجهة صيفية للاستجمام والراحة، عطلة وسياحة. مكان للاسترخاء، والعوم، والقفز في الماء، والاستلقاء على رمل الشاطئ. لباس خفيف، ألوان متعددة، عصير ونظارة شمسية. ممارسة أنشطة التجديف بالكاياك وقيادة الدراجات المائية (جت سكي)، وإيقاف اليخت بعيدًا عن الشاطئ والشعور بشيء من الخصوصية، إيقاف للعقل، والخلود إلى السكون.

في المغيب، مع الشفق الأحمر، يبدأ الناس بالاختفاء شيئًا فشيئًا، وقرص الشمس الذهبية تراه يبتلع غربًا في أقصى حدود الرؤية، حتى يفرغ الشاطئ ويسود الصمت، تُسمع الأمواج لكن لا تُرى. يهجم البرد دفعة واحدة.

في الشتاء، الشواطئ فارغة، والأمواج عاتية، والبحر يتقيّأ القمامة التي خلّفها الإنسان في الفصول الأخرى. يصبح المكان ملكًا للعميقين، لأصدقاء البحر الدائمين، لمن يشبهونه بعمق تفكيرهم، الهائجين من الداخل، الغاضبين، ذوي الأحزان والهموم الكبيرة، العاطفيين، الرومانسيين، الشاعريين، المفضلين للعزلة والوحدة، محبّي الاختلاء بالنفس مع الطبيعة، المتأمّلين، المنكسرين، والباحثين عن هدف جديد، الروائيين والفنانين الباحثين عن الإلهام ولمسة إبداعية في هدوء أو غضب البحر.

البحر يحمل كل الصفات التي تشبه الحياة والإنسان؛ فيه من الغموض والرهبة، والقوة، والشراسة، والجمال، والطمأنينة التي لا نجدها في أيّ مكان. وكما تعدّدت الرؤى بين الحكماء والأدباء، فكل شخص حكم على البحر ووجده بطريقته الخاصة. "فيكتور هوغو" يقول: "البحر هو فضاء الصرامة والحرية"، وعلى العكس، يرى "غاو شينغجيان" في كتابه "جبل الروح" أنه "بحر المعاناة بلا حدود".

أما "تينيسي ويليامز" فتؤمن بأن "من يحب الشباب، يحب البحر". ويؤكد "أليساندرو باريكو" أن "البحر بلا طرق، البحر بلا تفسيرات". بينما يراه "ألكسندر بوب" جسرًا للتواصل إذ "يصل بين المناطق التي يفصل بينها".

ولا تخلو الحكمة الشعبية من بصمتها، فالمثل التركي يذكّرنا بأن "البحر لا يشتري السمك"، بينما يرى "ستاندال" أن "منظر البحر الجميل مواسٍ". ويعبّر المثل الإنجليزي عن حكمة الحياة بقوله: "البحر الهادئ لم يصنع بحّارًا جيدًا أبدًا". أما "فيكتور هوغو" فيصفه وصفًا آخر: "يا أيها البحر الحزين! أيها القبر حيث يبدو كل شيء حيّا!".

وتكتمل الصورة بتأمّلات "كيت شوبان" التي ترى أن "صوت البحر يخاطب الروح. اتصال البحر بالجسد اتصال حسّي، يلفّ الجسد في عناق ناعم وسري". ويرى "جون دون" أن "البحر عميق في الهدوء كما في العاصفة". بينما يتخيل "أندريه مالرو" عالمًا بسيطًا إذ يقول: "كان بإمكان العالم أن يكون بسيطًا كالسماء والبحر".

وتتنوّع الحكم؛ فالمثل السويدي يقول: "عندما يكون البحر هادئًا، كل قارب له قبطان جيد". والمثل السواحيلي يذكّرنا بأن "الرجل وحده لا يستطيع إطلاق القارب إلى البحر". ويختتم المثل الروسي بأن "حتى مجد النهر ينتهي عند البحر". فيما يشبّه "مارك أوجه" الذكريات بالبحر فيقول: "الذكريات يشكّلها النسيان مثلما يشكّل البحر معالم الشاطئ". فلكلٍ بحره، ولكلٍ في هذا البحر عوالمه.

يقول "شارل بودلير" في قصيدته الشهيرة "الإنسان والبحر"، في ديوان "زهور الشر": "أيها الإنسان الحر، ستحب البحر باستمرار! البحر مرآتك؛ تتأمل نفسك في تتابع موجه اللانهائي، فليست روحك لجّة أقل مرارة من لججه. يعجبك أن تسبح في غمرة صورتك؛ تعانقها عيونًا وسواعدَ، وقلبك ظلّ يتسلى أحيانًا بصخبه الخاص في صخب ذلك الهدير الجموح والمتوحش. أنتما - كلاكما - غامضان ومحترسان".

بين الأمواج والحبر: رحلة في أعماق أدب البحر

منذ فجر الأدب، احتلّ البحر مكانة بارزة في مخيلة الكتّاب، لكنها لم تكن أبدًا علاقة رومانسية هانئة. فقد كان البحر في الأدب القديم مصدرَ رعبٍ وهيبة، وعنفٍ طبيعي لا يمكن ترويضه.

مثّلت علاقة الإنسان القديم بالبحر تجربةً مضطربة تشبه أمواجًا مثقلة بالمعاناة. لقد كان هذا الإحساس بالمخاطرة والمعاناة هو الموضوع المسيطر في أدب البحر لدى الإغريق، حيث تميّزت علاقتهم بالبحر بين الخوف والاحتياج.

بالنسبة للقدماء، لم يكن البحر مكانا ساحرا بزرقته وجماله وصفاء سمائه، بل مسرحا لعواصف مفاجئة وعنيفة، خاصة في الشتاء، ما انعكس في شعرهم الذي اتّسم إمّا بالمأساوية أو بالتحذير، أو بالتعبير عن ارتياح الوصول إلى برّ الأمان بعد الإبحار.

فعلى سبيل المثال، كان "هسيود"، أحد أقدم المؤلفين الإغريق، يقدّم نصائح عملية بحتة للإبحار في أعماله وأيامه، محذّرًا من مخاطر البحر ومؤكّدا على ضرورة الحذر والعملية. بينما نجد في أشعار "هوميروس" نظرة أكثر شاعرية لجهلهم بما خلفه وما في أعماقه من أسباب وأشكال تقلباته.

يُعدّ أدب البحر رحلة تكشف عن تحوّل جذري في تصوّرات الإنسان: من الخوف والاحتراس في العصور القديمة، إلى النظرة الدينية في العصور الوسطى، وصولاً إلى الرومانسية واللهو في العصر الحديث. إنها قصة علاقة متطورة بين الإنسان والعنصر الأزرق الأكبر، مسجّلة بحبر الأدب على صفحات التاريخ.

لطالما كان البحر مسرحًا لأعظم قصص المغامرة وتكوين الشخصية في الأدب العالمي، حيث استلهم الكتّاب من أعماقه دروسًا في الصراع والبقاء والاكتشاف. فقد خاض "هيرمان ملفيل" رحلته الأولى في "ريدبورن"، بينما نسج "جوزيف كونراد" أساطير البحر في "اللورد جيم" و"الإعصار" ومذكراته "مرآة البحر". وأبحر "روبرت لويس ستيفنسون" إلى "بحار الجنوب" وروى مغامرات "جزيرة الكنز"، بينما جسّدت "إيلا ماييار" روح المغامرة في سيرتها "المتجوّلة في البحار".

أما "جاك لندن"، فجعل من البحر مدرسةً لأبطاله، فيما قدّم "خورخي أمادو" تأملاته في "ملاحة ساحلية". ولم يتوقف شغف الكتّاب بالبحر عند هذا الحد، فقد سجّلت "أنيتا كونتي" عالم الصيادين في "كاشطو المحيطات" و"عمالقة البحار الدافئة"، وتأمّل "جان فرانسوا دينيو" في كروية البحر في "البحر مستدير"، بينما عبّر "إيرفيه آمون" عن "حاجة إلى البحر".

ومن الأعمال الخالدة في أدب البحر، نذكر "البحر القاسي" لـ"نيكولاس مونسارات"، و"في البحر" لـ"توين هيجمانز"، الحائز على الجائزة الطبية للأدب الأجنبي، و"صياد أيسلندا" لـ"بيير لوتي". ولا يمكن إغفال كلاسيكيات "جول فيرن" في "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" و"متمردو السفينة باونتي"، ولا رواية "يوكيو ميشيما" العميقة "البحر الذي نبذه البحر"، ولا تأمّلات "غي دو موباسان" في "على الماء"، وأخيرا ملحمة "روديارد كبلينغ" الخالدة "قباطنة شجعان".

ولا يمكن لمقال واحد أن يُبحر عبر كل النصوص الأدبية القديمة والحديثة لاكتشاف كيف تحوّلت صورة البحر من مصدرٍ للرعب إلى عنصرٍ للجمال والإلهام، لكثرتها وغزارتها، ولكن يمكن تسليط الضوء على أبرزها.

البحر في "الأوديسة".. ذلك العدُوّ الوفي!

في ملحمة "هوميروس" الخالدة، لم يكن البحر مجرد مسرح لأحداث الرحلة، بل كان شخصية فاعلة تحمل في أعماقها أسرار النجاة والهلاك. انطلق "أوديسيوس" عبر أمواج لم تكن ممرًّا للملاحة فقط، بل كانت امتحانًا للبصيرة والإرادة.

من غضب "بوسيدون" بعد عمى ابنه العملاق، إلى أغنية "السيرينات" القاتلة، ومن دوامة "كاريبديس" المميتة إلى وحش "سكيلا" المفترس، صاغ البحر مصير البطل بيدٍ لا ترفّ. حتى الرياح المحبوسة في كيس خُدعت بها عودة السفن، وكأن البحر يرفض أن يمنح "أوديسيوس" عودة سهلة.

لكن البحر، رغم قسوته، كان أيضًا جسرًا للخلاص: حمله إلى شاطئ الفياكيين، وأخيرًا إلى إيثاكا. لقد كان البحر في الأوديسة ذلك التناقض الأبدي: سجن من الماء، وطريق للحرية.. عدواً يختبر البطولة، وحليفا يمنحها معناها.

السندباد بحّار الأساطير.. أبحر من بغداد إلى عالم العجائب

يظل "السندباد البحري"، ذلك الشخص الأسطوري البارز من حكايات "ألف ليلة وليلة"، رمزا خالدا لروح المغامرة والاستكشاف. وُلد في بغداد زمن الخلافة العباسية، ويُعتقد أن السندباد الحقيقي كان تاجرا بغداديًّا استقر في عُمان.

تدور حكاياته حول سبع رحلات بحرية خيالية مليئة بالمخاطر والعجائب، حيث أبحر عبر سواحل شرق إفريقيا وجنوب آسيا، واجه خلالها وحوشًا بحرية مرعبة، وزار جُزرا سحرية لا تُصدّق. بفضل ما اتصف به من شجاعة نادرة وذكاء حاد، استطاع السندباد أن يتغلب على جميع المصاعب التي واجهته، لتعكس مغامراته الأبدية روح التحدي والإصرار التي تُميّز الإنسان في سعيه نحو المجهول.

إرنست همنغواي: البحرُ رفيقا وروحا ورمزا

لم يكن البحر مجرد مساحة مائية بالنسبة للكاتب "إرنست همنغواي"، بل كان رفيقا وجوديًّا وشريكا إبداعيا، ومصدرا لا ينضب للإلهام الذي شكّل أهم محطاته الأدبية. فعلى شواطئ "كي ويست" في فلوريدا، حيث امتلك قاربه الشهير "بيلار"، تشكّلت علاقة حميمة بين الأديب الأمريكي وعالم الصيد في مياه الكاريبي، لتصبح هذه العلاقة نواة لأعظم إبداعاته الأدبية.

ملحمة "العجوز والبحر": مسرح الكرامة الإنسانية

تتجلى عظمة هذه العلاقة في رائعته "العجوز والبحر" (1952)، تلك الملحمة الإنسانية التي تروي قصة الصياد الكوبي العجوز "سانتياغو"، الذي يقضي أربعةً وثمانين يوما من الفشل قبل أن يخوض رحلة صيدٍ أسطوريةً لمدة ثلاثة أيام، يصارع خلالها "مارلين" عملاقا بشراسة، لتنشأ بينهما علاقة فريدة تجمع بين الإعجاب والتحدي. وبعد معركة مرهقة ينتصر العجوز، لكن أسماك القرش تلتهم غنيمته خلال رحلة العودة، ليعود محطّما حاملاً هيكلاً عظميًّا فقط.

هذه الرواية التي تدور أحداثها في تيار الخليج قبالة كوبا، لم تكن مجرد قصة صيد، بل أصبحت أيقونة للصمود الإنساني في مواجهة قوى الطبيعة اللامبالية، ورمزا للكرامة الإنسانية حتى في لحظات الهزيمة. وقد نالت هذه التحفة الأدبية جائزة "بوليتزر" (1953)، وساهمت بشكل حاسم في حصول "همنغواي" على جائزة نوبل في الأدب (1954).

البحر: مختبر إبداعي ومسرح حياة

من مزرعته "فينكا فيجيا" بالقرب من هافانا، كان "همنغواي" يبحر على متن "بيلار" في رحلات صيد في أعماق البحر، بل ووصل شغفه إلى درجة البحث عن الغواصات الألمانية قبالة الساحل الكوبي خلال الحرب العالمية الثانية. هذه التجارب البحرية المكثّفة في مياه الكاريبي والمحيط الأطلسي، تجسّدت لاحقا في أعماله الأدبية، وخاصة في روايته التي نُشرت بعد وفاته "الجزر في التيار" (1970)، التي تصوّر الحياة في بيميني وهافانا والبحر المفتوح.

ظل المحيط حتى نهاية حياة "همنغواي" رفيقه الأساسي، ومصدرا للمغامرة والتأمل والتجديد الفني، وشاهدا على روح كاتبٍ جعل من البحر مسرحا لأعظم صراعات الإنسان، ومرآة عكست أعمق معاناته وانتصاراته.

هيرمان ملفيل: البحر في "موبي ديك"..

في رواية "موبي ديك"، لم يكن البحر مجرد إطار للأحداث، بل كان شخصية رئيسية تشكّل مصير البشر. تنطلق سفينة "بيكود" من "نانتوكيت" في رحلة صيد حيتان روتينية، لكنها تتحول تحت قيادة الكابتن "آهاب" إلى مطاردة هوسية للحوت الأبيض الأسطوري "موبي ديك".

عبر المحيطين الهندي والهادئ، يصبح البحر مسرحا للصراع المصيري بين الإنسان والقوى الطبيعية. يتحوّل هدير الأمواج إلى خلفية لصرخة انتقام "آهاب"، الذي فقد ساقه في مواجهة سابقة مع الحوت العملاق. بينما يقدّم "هيرمان ملفيل" وصفا تفصيليًّا لعالم صيد الحيتان، يبقى البحر هو الحاضر الدائم، ساحة المعركة التي تجمع بين "آهاب" وعدوّه.

في المشهد الأخير المأساوي، تتحوّل المطاردة إلى كارثة. على مدى ثلاثة أيام، يلفّ البحر المشهد بدراماتيكية متصاعدة، لينتهي بغرق السفينة وموت طاقمها بالكامل، باستثناء "إسماعيل" الناجي الوحيد الذي يطفو على تابوت، ليحكي قصة الهزيمة التي صنعها هوس الإنسان في مواجهة طبيعة بحرية لا ترحم.

جوشوا سلوكوم: من مواجهة الأعاصير إلى سرد الملحمة

بين دفَّتي الأدب البحري، تبرز رحلة "جوشوا سلوكوم" كأسطورة لا تُنسى، إذ تحوَّلت مغامرته الفردية إلى إرثٍ خالدٍ ألهم أجيالًا من الملاحين. في ربيع عام 1895، انطلق "سلوكوم" ـ البالغ من العمر واحدًا وخمسين عامًا ـ من ميناء بوسطن على متن مركبه الخشبي "سبراي" الذي يبلغ طوله أحد عشر مترًا، في رحلةٍ حول العالم استمرت ثلاث سنواتٍ وأربعة أشهر، ليعود في صيف 1898 بعد أن قطع ما يقارب ستةً وأربعين ألف ميلٍ بحري، محققًا لقبَ أوّل إبحارٍ منفردٍ حول العالم.

لم تكن رحلته مجرّد إنجازٍ ملاحيٍّ فحسب، بل تحوّلت إلى نصٍّ أدبيٍّ خالدٍ عبر كتابَيه "ملاّحٌ منفرد" و"حول العالم بالإبحار"، اللذين جمعا بروح الدعابة والبساطة تفاصيلَ مغامراته بين أهوال البحر وأفراحه. وقد احتفى القرّاء بشخصيّته الفريدة كبحّارٍ خشنٍ وعطوف، ومغامرٍ استثنائيٍّ تميّز بسردٍ شائقٍ لمخاطر المحيطات.

وقد شكّلت تجاربه البحرية المبكّرة أساسًا لهذه الملحمة، إذ بدأ حياته بحّارًا في السادسة عشر بعد وفاة والديه، وترقّى في الرّتب على متن السفن الشراعية بين بريطانيا والشرق الأقصى، قبل أن يستقرّ في أمريكا ويقضي خمسةً وعشرين عامًا في عُباب المحيط الهادئ. وتظلّ نهاية "سلوكوم" الغامضة في المحيط الأطلسي عام 1909 لغزًا يليق بأسطورةِ البحّار الأبدي، بينما تبقى رواياته نبراسًا لأدب البحر وخالدةً في ذاكرة الإنسانيّة.

جاك لندن: حياة من المغامرة والأدب وُلدت من رحم البحر

من مدينة سان فرانسيسكو حيث وُلد، تشكّلت حياة "جاك لندن" الأدبية والمغامرة عبر علاقته الوثيقة بالبحر. بدأ شغفه مبكرا بشراء قاربه الشراعي "رازِل - دازِل"، الذي ألهم عنوان روايته "رحلة الدازلر". كبحار على متن قارب صيد الفقمة، كتب أولى قصصه: "إعصار قبالة اليابان"، كما استلهم من تلك الرحلة روايته الشهيرة "ذئب البحار". انعكست تجربته كلصٍّ للبلح مع بلطجية الخليج ثم بحارا مع الشرطة البحرية في قصص "دورية الصيد".

سافر "لندن" حول العالم على متن قاربه "السنارك"، وسجّل تلك الرحلة في كتابه "رحلة السنارك"، وكتب خلالها روايته الأشهر "مارتن إيدن". أنتجت رحلاته في المحيط الهادئ مجموعة من أبرز أعماله مثل "سلحفاة تسمانيا" و"حكايات البحار الجنوبية" و"مايكل كلب السيرك" و"ابن الشمس". حتى في سطور سيرته الذاتية الأخيرة في "مارتن إيدن"، بقي البحر هو المصير النهائي، حيث يموت البطل بحثاً عن السكينة في قلب المحيط. بينما رواياته "دورية الصيد"، "ذئب البحر"، و"متمردو السفينة إلسينور"، هي كتبه الأشهر التي تناولت البحر والإبحار في العالم.