الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

رحيل رمز وخلود سيرة.. وداعا أيها “الأمين”

Author
الأيام نيوز 31 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

حين يرحل الأبطال الذين صنعت مواقفهم تاريخ الأوطان، لا يكون الغياب محض خبر مؤلم، بل لحظة وطنية ثقيلة، تختلط فيها الدموع بالفخر، ويستعيد فيها الشعب فصول مرحلة عصيبة قادها رجال صدقوا ما عاهدوا عليه. وبرحيل الرئيس الأسبق والمجاهد اليامين زروال، تفقد الجزائر واحدا من أبنائها الأوفياء الذين حملوا همّ الدولة في أحلك الظروف، ورسموا بخياراتهم ملامح مرحلة حاسمة من تاريخها، فكان رحيله مناسبة مهيبة، لاستحضار سيرة قائد جمع بين صلابة العسكري وحكمة السياسي ونبل المجاهد، وترك وراءه إرثا من القيم والمواقف سيظل راسخا في وجدان الأمة.

في جنازة رسمية مهيبة وتحت حداد وطني لثلاثة أيام، ووري الثرى جثمان أحد رجالات الجزائر البررة، حيث ودّعت البلاد، أمس الاثنين، الرئيس الأسبق والمجاهد اليامين زروال عن عمر ناهز 85 عاما، في مشهد طغت عليه مشاعر الحزن والتقدير لمسيرة حافلة بالعطاء والنضال، طبعت تاريخ الجزائر الحديث وارتبطت بمحطات مفصلية في مسار الدولة الوطنية.

وبالمقبرة المركزية بحي بوزوران بباتنة، شُيّع جثمان الفقيد في موكب جنائزي مهيب تقدمه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، مرفوقا بالوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أول السعيد شنقريحة، إلى جانب رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي، وكبار المسؤولين في الدولة وأعضاء الحكومة وشخصيات وطنية، فضلا عن أفراد عائلة الفقيد وجمع غفير من المواطنين والمجاهدين الذين توافدوا لإلقاء النظرة الأخيرة على أحد أبرز رموز الدولة الجزائرية.

وفي أجواء طبعها التأثر، أجمع الحاضرون على استحضار مناقب الراحل الذي ظل رمزا في الوفاء للوطن ونكران الذات، حيث عبرت المجاهدة ساسية حليس عن حزنها لفقدان “واحد من قامات الكفاح والنضال إبان الثورة التحريرية ومرافق لمسيرة بناء الدولة كعسكري وسياسي حافظ على كيانها في أحلك الظروف”. كما أكد المجاهد العابد رحماني أن الجزائر فقدت “قامة وطنية ساهمت في الكفاح المسلح وحافظت على وحدة البلاد في ظروف صعبة وحساسة”، في إشارة إلى الأدوار التي اضطلع بها الراحل خلال فترات مفصلية من تاريخ البلاد.

من جهته، استحضر المجاهد إسماعيل حميش خصال الفقيد الذي “اتسم بالصبر وروح النضال قبل وبعد الاستقلال”، مشيرا إلى بصيرته في تسيير إحدى أخطر الأزمات التي عرفتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي تطلبت قيادة متزنة وقدرة عالية على اتخاذ القرار في سياقات معقدة. فيما أبرز المجاهد عمايري تفانيه في خدمة الوطن ومساهمته في “إنقاذ الجمهورية من التفكك”، وهو توصيف يعكس حجم التحديات التي واجهتها الدولة آنذاك.

بدوره، أكد وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت أن الجزائر “تودع قائدا وهب زهرة عمره للوطن، ومجاهدا فذا وعسكريا محنكا وسياسيا حكيما، هب لنصرة البلاد في فترة من أعسر مراحلها”، مضيفا أن الفقيد سيبقى “نبراسا تقتدي به الأجيال والأمم”، لما جسده من قيم الالتزام والمسؤولية في خدمة الدولة.

وامتد صدى الحزن إلى خارج الوطن، حيث عبّر أفراد من الجالية الجزائرية بالخارج عن تأثرهم العميق برحيل الرئيس الأسبق، مشيدين بمسيرته النزيهة ومواقفه الثابتة في الدفاع عن سيادة الدولة وكرامة المواطنين خلال مرحلة دقيقة من تاريخ الجزائر، وهو ما يعكس الامتداد الرمزي لشخصيته وتأثيره خارج الحدود.

رجل.. لن ينساه التاريخ

وفي هذا الإطار، أبرز الأمين العام لحركة الديناميكية للجالية الجزائرية المقيمة بفرنسا (موداف)، ناصر خباط، أن الراحل كان “رجل دولة تحمل مسؤولية عظيمة في فترة عصيبة، وأظهر حكمة بالغة واضعا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار”، مؤكدا أن مسيرته ستظل راسخة في الذاكرة الوطنية. من جانبه، أكد البروفيسور بجامعة لندن، الياس بوكرامي، أن اليامين زروال “كان رجل دولة قبل أن يكون رجل سياسة أو عسكريا، وكان همه استمرارية الجمهورية وصون كرامة الشعب”، معتبرا أنه من “الشخصيات النادرة التي لا ينساها التاريخ”.

وشهدت سفارات الجزائر بالخارج، التي نكست الأعلام الوطنية حدادا على روح الفقيد، توافدا كبيرا لأفراد الجالية في أجواء من الحزن، حيث عبرت المجاهدة عروس فتيحة من بروكسل عن تأثرها بوفاة “أخيها في السلاح”، فيما اعتبرت السيدة حوفاني نصيرة، المقيمة ببلجيكا، أن الجزائر فقدت “واحدا من أبنائها البررة الذين خدموها بإخلاص”. كما أكدت رئيسة جمعية “بيت الجالية الجزائرية بإسبانيا”، صبرينة بوخنوفة، أن الراحل “سيخلده التاريخ لما قدمه في سبيل الحفاظ على البلاد”، مشددة على أن مسيرته ستبقى مصدر إلهام للأجيال.

ومن جهته، أبرز عبد الرحمن بلحوت، المستشار بجامعة الدول العربية، أن الفقيد كان “رمزا للوطنية الصادقة وقائدا حافظ على وحدة الجزائر واستقرارها”، وهو نفس ما أكده جمال جاب الله الذي وصفه بـ”الرجل الصادق المتفاني والمؤمن بقدرات شعبه”، مستحضرا التزامه بقيم ثورة نوفمبر ووفاءه لأمانة الشهداء خلال فترة توليه المسؤولية.

وبالعودة إلى مسار الراحل، يُعدّ اليامين زروال، المولود في 3 يوليو 1941 بباتنة، من أبرز رجالات الجزائر الذين جمعوا بين العمل العسكري والمسؤولية السياسية، حيث التحق مبكرا بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1957، قبل أن يواصل مسيرته بعد الاستقلال ضمن الجيش الوطني الشعبي، متدرجا في مناصب عسكرية سامية، من بينها قيادة المدرسة العسكرية بباتنة والأكاديمية العسكرية بشرشال، ثم قيادة القوات البرية سنة 1989، ما جعله من الإطارات التي ساهمت في بناء المؤسسة العسكرية الوطنية.

كما شغل عدة مناصب عليا، أبرزها رئاسة الدولة سنة 1994، قبل أن ينتخب رئيسا للجمهورية سنة 1995، في مرحلة اتسمت بالحساسية البالغة، حيث قاد البلاد في ظرف استثنائي، وتمكن من الإسهام في الحفاظ على مؤسسات الدولة وتعزيز استقرارها. ومن بين أبرز المحطات التي طبعت مساره، قراره تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة سنة 1999، منهيا بذلك عهدته، في خطوة عكست تمسكه بمبدأ التداول على السلطة وتغليب مصلحة الوطن على أي اعتبارات أخرى.

وفي سياق قراءة أعمق لمسيرته، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور بوحاتم مصطفى، أن الراحل استطاع ببساطته وتواضعه، رغم تقلده أعلى المناصب، أن يرسخ في الوعي الجماعي قيما نبيلة، على غرار النزاهة والتعفف عن التمسك بالسلطة، مفضلا مصلحة الوطن على أي اعتبار شخصي. وأوضح أن تجربته تظل نموذجا في كيفية إدارة الأزمات، خاصة وأن التحديات التي عرفتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي كانت استثنائية وخطيرة، وهددت بشكل مباشر كيان الدولة.

وأضاف المتحدث أن التمسك بكيان الدولة والحفاظ على مؤسساتها كان آنذاك خيارا حاسما أسهم في الحفاظ على تماسك المجتمع وإفشال مخططات التفكيك، مشيرا إلى أن قراءة تلك المرحلة تبرز أهمية الوعي الجماعي والالتفاف حول مؤسسات الدولة في مواجهة الأزمات، وهو ما جسده الراحل من خلال مواقفه وقراراته.

كما تبرز هذه المسيرة، بما تحمله من دلالات، أن بناء الأوطان لا يقوم فقط على الكفاءة، بل يرتكز أيضا على منظومة من القيم الأخلاقية التي تشكل أساس العمل السياسي الرشيد، حيث ظل اليامين زروال مثالا في الصدق والالتزام والوفاء لمبادئه، وهي خصال جعلت منه شخصية تحظى باحترام واسع داخل الوطن وخارجه.