الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

رزنامة التلقيح في الجزائر تتوسع.. لقاح جديد لتعزيز حماية الأطفال والوقاية من الأمراض

Author
سارة حمدون 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تواصل الجزائر تعزيز استراتيجيتها الوطنية للوقاية الصحية، من خلال تطوير برنامج التلقيح الموجه للأطفال، باعتباره أحد أهم البرامج الصحية التي ساهمت، على مدار عقود، في الحد من انتشار العديد من الأمراض المعدية، وحماية ملايين الأطفال من مضاعفات صحية خطيرة، كان من الممكن أن تهدد حياتهم أو تؤثر على نموهم الطبيعي.

ويأتي هذا التوجه في إطار سياسة صحية ترتكز على الوقاية قبل العلاج، حيث توفر الدولة اللقاحات بشكل مجاني عبر مختلف المؤسسات الصحية المنتشرة عبر كامل التراب الوطني، مع ضمان متابعة الأطفال منذ الأيام الأولى لولادتهم وحتى مراحل متقدمة من العمر، ضمن رزنامة وطنية للتلقيح يتم تحيينها وتطويرها وفق المعطيات العلمية والتوصيات الصحية الحديثة.

التلقيح.. أحد أكبر إنجازات الصحة العمومية

تؤكد منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن التلقيح يعد من أكثر التدخلات الصحية فعالية من حيث التكلفة، إذ يساهم سنويا في إنقاذ ملايين الأرواح حول العالم من خلال الوقاية من أمراض خطيرة ومعدية. وتشير أحدث التقديرات الدولية إلى أن اللقاحات تساهم في تفادي نحو 4,4 ملايين وفاة سنويا على المستوى العالمي، ما يجعلها من أهم أدوات الصحة العمومية في العصر الحديث.

وفي الجزائر، شكل البرنامج الوطني للتلقيح، على مدى سنوات طويلة، ركيزة أساسية في السياسة الصحية للدولة، حيث ساهم في القضاء على عدد من الأمراض أو الحد بشكل كبير من انتشارها، على غرار شلل الأطفال والحصبة والكزاز والدفتيريا، وغيرها من الأمراض التي كانت تشكل في السابق تهديدا حقيقيا لصحة الأطفال.

رعاية صحية تبدأ قبل الولادة

وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة نعيمة واندي، طبيبة عامة، أن الدولة الجزائرية توفر منظومة متكاملة للرعاية الصحية الخاصة بالأطفال تبدأ منذ مرحلة الحمل، من خلال المتابعة الطبية المنتظمة للمرأة الحامل من قبل الأطباء والقابلات، بما يضمن حملا آمنا وولادة سليمة دون مضاعفات قد تؤثر على صحة الأم أو الجنين.

وأضافت أن هذه الرعاية تتواصل مباشرة بعد الولادة، من خلال إدماج الطفل في برنامج التلقيح الوطني الذي يهدف إلى حمايته من مختلف الأمراض المعدية والأوبئة التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مؤكدة أن جميع هذه الخدمات تقدم مجانا عبر مختلف المؤسسات الصحية العمومية.

حملات وطنية متواصلة لتعزيز المناعة الجماعية

ولا تقتصر جهود وزارة الصحة على التلقيح الروتيني فقط، بل تشمل كذلك تنظيم حملات وطنية دورية تستهدف تعزيز المناعة الجماعية لدى الأطفال ومواجهة أي مخاطر وبائية محتملة.

وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة الصحة، خلال نهاية سنة 2025 وبداية سنة 2026، حملة وطنية واسعة للتلقيح ضد شلل الأطفال عبر كامل التراب الوطني، واستهدفت هذه الحملة أكثر من 4,4 ملايين طفل تتراوح أعمارهم بين شهرين وخمس سنوات، من خلال ثلاث مراحل متتالية للتلقيح، وذلك بهدف تعزيز المناعة الفردية والجماعية والحفاظ على خلو الجزائر من هذا المرض.

كما سخرت الوزارة أكثر من 274 مؤسسة عمومية للصحة الجوارية للتلقيح عبر مختلف ولايات الوطن، مدعمة بفرق طبية متنقلة للوصول إلى المناطق النائية والمعزولة، في خطوة تعكس حجم الإمكانات البشرية واللوجستية التي توضع سنويا لإنجاح برامج التلقيح الوطنية. وتندرج هذه الحملات ضمن الاستراتيجية الوطنية للوقاية الصحية التي تهدف إلى المحافظة على المكاسب المحققة في مجال مكافحة الأمراض المعدية، وضمان استمرار الحماية الصحية للأطفال.

نحو توسيع الرزنامة الوطنية للتلقيح

وفي خطوة تعكس توجه السلطات الصحية نحو تعزيز الوقاية وتحيين البرنامج الوطني للتلقيح، وقّع وزير الصحة، محمد الصديق آيت مسعودان، قرارا يتضمن تعديل جدول التلقيح الإجباري ضد بعض الأمراض المتنقلة.

وشمل القرار الوزاري، الصادر عن وزارة الصحة والمؤرخ في 10 ذي القعدة 1447 هـ الموافق لـ28 أفريل 2026م، اللقاحات المقدمة للأطفال في عدة مراحل عمرية تمتد من سن سنتين إلى غاية 13 سنة، في إطار مراجعة وتحيين الرزنامة الوطنية للتلقيح، بما يتماشى مع التطورات العلمية والاحتياجات الصحية الراهنة.

وتضمنت التعديلات التي أحدثها هذا القرار إدراج التطعيم المضاد لشلل الأطفال عن طريق الفم لفائدة الرضع الذين يبلغون شهرين من العمر، ليضاف إلى اللقاح المضاد لنفس المرض عن طريق الحقن، وذلك بهدف تعزيز الحماية المناعية وتقوية المناعة الفردية والجماعية ضد هذا المرض.

كما نص القرار على إدراج اللقاح المضاد لفيروس الورم الحليمي البشري (HPV)  ضمن التطعيمات الإجبارية للفئة العمرية من 11 إلى 13 سنة.

ويعد هذا اللقاح وسيلة وقائية فعالة ضد أنواع معينة من الفيروس التي قد تسبب مشاكل صحية خطيرة، من بينها سرطان عنق الرحم، وبعض أنواع السرطان الأخرى مثل سرطان الحلق أو الشرج، إضافة إلى الثآليل التناسلية.

كما حدد القرار أيضا تلقي الرضع في سن شهرين و4 أشهر و12 شهرا لقاحات أساسية تشمل التلقيح ضد شلل الأطفال والتهاب الكبد والمكورات الرئوية، في إطار تعزيز الحماية الصحية منذ المراحل الأولى من الحياة.

وفي هذا الإطار، أوضحت الدكتورة واندي، أن إدراج لقاح فيروس الورم الحليمي البشري ضمن الرزنامة الوطنية للتلقيح يمثل خطوة مهمة في مجال الوقاية الصحية، مؤكدة أن هذا القرار يعكس توجه الدولة نحو تعزيز الحماية الصحية للأطفال ومواكبة التطورات العلمية في مجال التلقيح والوقاية.

مجانية اللقاحات.. ضمان للعدالة الصحية

من بين أهم نقاط القوة التي يتميز بها برنامج التلقيح في الجزائر، مجانية اللقاحات وإتاحتها لجميع الأطفال دون تمييز، وهو ما يسمح بتحقيق نسب تغطية واسعة والحد من الفوارق الصحية بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.

كما تحرص السلطات الصحية على توفير اللقاحات بشكل منتظم عبر المؤسسات العمومية للصحة الجوارية والمؤسسات الاستشفائية، مع تنظيم حملات تحسيسية دورية لتوعية الأولياء بأهمية احترام مواعيد التلقيح وعدم التأخر عن الجرعات المقررة.

وفي جوان 2025 أطلقت وزارة الصحة حملة وطنية خاصة بالأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات، والذين لم يستفيدوا من التلقيح أو تأخروا عن تلقي بعض الجرعات، بهدف تحسين نسب التغطية بالتلقيح الروتيني عبر مختلف ولايات الوطن.

 

الصحة المدرسية شريك أساسي في الوقاية

وأكدت الدكتورة نعيمة واندي أن جهود الدولة في حماية صحة الطفل لا تتوقف عند حدود التلقيح، بل تمتد إلى مختلف جوانب الرعاية الصحية، من خلال خدمات الصحة المدرسية التي تتابع الوضع الصحي للتلاميذ داخل المؤسسات التربوية.

وتشمل هذه الخدمات إجراء فحوصات دورية للكشف المبكر عن اضطرابات البصر والسمع، واعوجاج العمود الفقري وبعض الأمراض المزمنة، إضافة إلى متابعة صحة الفم والأسنان والتكفل المبكر بالمشاكل الصحية التي قد تؤثر على المسار الدراسي للطفل.

كما أشارت إلى أن الصحة النفسية أصبحت تحظى باهتمام متزايد من خلال توفير مختصين في علم النفس والأرطوفونيا على مستوى عدد من الهياكل الصحية، بهدف مرافقة الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم أو التأخر الدراسي أو بعض الاضطرابات النمائية.

استثمار في صحة الأجيال القادمة

ويرى مختصون أن الاستثمار في التلقيح يعد من أكثر الاستثمارات الصحية مردودية على المدى البعيد، إذ لا يقتصر أثره على حماية الفرد فقط، بل يمتد إلى المجتمع ككل، عبر تقليص انتشار الأمراض وتقليل الضغط على المؤسسات الصحية وخفض تكاليف العلاج.

وفي ظل التحديات الصحية العالمية وعودة بعض الأمراض المعدية للظهور في عدد من الدول، بسبب تراجع نسب التلقيح، تواصل الجزائر تعزيز برامجها الوقائية للحفاظ على المكاسب الصحية المحققة وضمان حماية الأطفال من المخاطر الوبائية.

وفي هذا السياق، تؤكد مختلف المؤشرات أن التلقيح سيظل أحد الأعمدة الأساسية للسياسة الصحية الوطنية، خاصة مع توجه السلطات نحو توسيع الرزنامة الوطنية وإدراج لقاحات جديدة تعزز حماية الأطفال وتواكب التطورات العلمية الحديثة.

وبينما تتواصل الجهود لتطوير المنظومة الصحية وتحسين الخدمات الوقائية، يبقى الهدف الأساسي هو ضمان حق كل طفل في الحماية الصحية والرعاية الطبية الجيدة، بما يساهم في بناء جيل يتمتع بصحة أفضل وقدرة أكبر على المساهمة في تنمية المجتمع مستقبلا.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي