رسائل دبلوماسية في زيارة محمود عباس إلى الجزائر

أخذت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الجزائر اهتماما دوليا كبيرا ليس لأنها الأولى من نوعها، إنما لتوقيتها الذي يتزامن مع التوتر الذي تعرفه العلاقات الجزائرية المغربية جراء التقارب العسكري بين الرباط و”تل أبيب”، لا سيما وأن الجزائر رفضت التطبيع بكل أشكاله.

وتعد هذه أول زيارة دولة للرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الجزائر منذ خلافته للرئيس الراحل ياسر عرفات على رأس السلطة الفلسطينية، وزيارته الوحيدة للجزائر كرئيس كانت خلال احتضانها للقمة العربية سنة 2005.

وتأتي زيارة محمود عباس إلى الجزائر قبل أشهر قليلة من انعقاد القمة العربية التي يعول أن تكون محطة لتوحيد المواقف العربية اتجاه القضية الفلسطينية ولدعم نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، كما أنها تأتي بعد أيام قليلة من زيارة وزير الدفاع لدولة الاحتلال الإسرائيلي بيني غانتس إلى المغرب.

وفي خطوة لافتة وخلال استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لمحمود عباس، استدعت الرئاسة الجزائرية جميع سفراء الدول المعتمدين لديها لتحية الرئيس الفلسطيني، وهو إجراء استثنائي وخطوة رمزية أرادت السلطات الجزائرية من خلالها التأكيد على الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، بغض النظر عن الموقف من السلطة التي يقودها عباس نفسه.

ويبدو أن توقيت الزيارة تم اختياره مسبقا نظرا للظروف والمعطيات الإقليمية السابقة، وهو ما كشفه وزير الخارجية والمغتربين الفلسطيني رياض المالكي، عشية الزيارة بتأكيده أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شدد على أهمية زيارة نظيره الفلسطيني إلى الجزائر في هذا الوقت، موضحاً أن الأول ينوي التحدث إلى عباس حول القمة العربية التي ستعقد في الجزائر في مارس (آذار) المقبل، والتنسيق على أن تكون القضية الفلسطينية هي الأولى على جدول أعمال القمة.

وأشار إلى أن عباس سيبحث مع تبون بشأن ملف قمة الاتحاد الإفريقي التي ستنعقد في شهر فبراير/ شباط المقبل، وستشهد تصويت أعضاء الاتحاد على ملف انضمام إسرائيل الى الاتحاد بصفة مراقب، فيما تقود الجزائر تحركا لمنع ذلك.

وكشف سفير دولة فلسطين لدى الجزائر فايز أبو عيطة، إن الزيارة تكتسب أهمية كونها تأتي قبيل انعقاد القمة العربية، مبرزاً أنه سيجري التأكيد خلالها على العلاقات المتينة بين البلدين وأهمية تطويرها وتعزيزها، ومشدّداً على اهتمام عباس بالتنسيق والتشاور مع الجزائر قبيل احتضانها وترأسها القمة العربية المقبلة.

وأشار إلى موقف الجزائر الثابت تجاه القضية الفلسطينية التي هي القضية المركزية الأولى بالنسبة إلى الشعب والقيادة، وكذلك الدعم الجزائري السياسي اللامحدود لدولة فلسطين.

وحظي الرئيس الفلسطيني باستقبال رسمي من طرف نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، حيث أجرى معه محادثات حول ملفات عديدة.

وقال تبون، في كلمة له في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أن الدولة الجزائرية قررت تقديم صك يتضمن مساهمة مالية من الجزائر بقيمة 100 مليون دولار لدولة فلسطين، إلى جانب تخصيص 300 منحة دراسية لفائدة الطلبة الفلسطينيين.

وأضاف تبون: “أمام حالة الجمود غير المسبوقة التي تعرفها عملية السلام في الشرق الأوسط وفي ظل السياسات الإجرامية للمحتل التي ترمي إلى تغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي وترسيخ الأمر الواقع، نرى أنه من الضروري تعزيز العمل العربي المشترك حول قضيتنا المركزية والأولى وتوحيد المواقف لدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة”.

وتابع الرئيس الجزائري قائلا: “ولهذا ارتأينا ونحن نتأهب لاحتضان القمة العربية المقبلة، أن نسعى جاهدين لوضع القضية الفلسطينية فـي صلب أولويات هذا الحدث الهام الذي نأمل أن يكون شاملا وجامعا وأن يشكل انطلاقة جديدة للعمل العربي المشترك”.

ومضى الرئيس الجزائري قائلا إن “بلورة موقف موحد ومشترك حول دعم حقوق الشعب الفلسطيني عبر إعادة التمسك الجماعي بمبادرة السلام العربية لعام 2002، سيكون له الأثر البالغ في إنجاح أعمال هذه القمة وتعزيز مسيرة العمل العربي الـمشترك”.

وأكد الرئيس تبون أنه في إطار مساعي الجزائر لتقوية الصفوف الفلسطينية من خلال تحقيق الوحدة الفلسطينية، “أخذت الرخصة من الرئيس الفلسطيني أبو مازن، لأن أجمع بين كل الفرقاء الفلسطينيين في الجزائر في اقرب وقت ممكن”.

وهنا أكد الرئيس الجزائري أن “احتضان الجزائر حكومة وشعبا للقضية الفلسطينية المقدسة والدفاع عنها في كل المحافل الدولية والإقليمية يشكل بالنسبة لنا مسألة وفاء قبل كل شيء، وفاء لتاريخنا التحرري المجيد والتضحيات الجسيمة لأسلافنا الأبرار الذين آمنوا بحق أن قضية فلسطين هي قضية حق وعدالة”.

مبادرة جزائرية لاحتضان ندوة فلسطينية جامعة

وشكل إعلان الرئيس الجزائري استضافة ندوة جامعة للفرقاء الفلسطينيين، ترحيبا من نظيره الفلسطيني الذي أكد على مواصلة العمل من أجل توحيد الجهود “وتشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع كل القوى المشاركة فيها، مؤمنة بالشرعية الدولية”.

وأبرز أبو مازن أن الجزائر “بلد المليون ونصف المليون شهيد، ظلت على الدوام فعلا وقولا مع فلسطين وشعبها”، مضيفا انها “قدمت نموذجا تحرريا وإنسانيا مشرفا، وظلت على الدوام تدافع عن أمتها وقضاياها الوطنية العادلة وحقوقها القومية، وفي طليعتها قضية فلسطين”.

وأكد الرئيس الفلسطيني ان الجانب الفلسطيني “يستبشر خيرا” باحتضان الجزائر القمة العربية في مارس المقبل للم شمل الامة العربية، مبديا “ثقته بحسن تنظيم هذا الموعد العربي و إدارته في ظل القيادة الحكيمة للرئيس تبون، والاحتضان الكريم من القيادة والحكومة والشعب الجزائري الأبي المتمسك بقضايا أمته العربية وفي القلب منها قضية فلسطين”.

كما حذر الرئيس الفلسطيني من أنه “إذا ما استمرت سلطات الاحتلال في طغيانها وممارستها العدوانية ضد أبناء شعبنا وأرضنا ستكون لنا خياراتنا وإجراءاتنا في وقت قريب”.

ونوه رئيس دولة فلسطين بالمناسبة بالدور الكبير الذي يقوم به الرئيس تبون والدبلوماسية الجزائرية لإسناد القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، خاصة في الاتحاد الإفريقي، وأهمية استمرار التنسيق الثنائي بين البلدين.

وكان الرئيس الجزائري قد صرح في مناسبات سابقة، أن القمة العربية في الجزائر ستتناول “الموقف العربي من القضية الفلسطينية وكذا إصلاح الجامعة العربية”.

وأعقب الاجتماع المنفرد للرئيسين عباس وتبون، اجتماع آخر موسع، ضم وفدي البلدين.