2025.12.04
رسالة إلى الشمس مقالات رأي

رسالة إلى الشمس


آسيا عباس
29 نوفمبر 2025

- أنتَ، يا أنتَ، مهلًا، توقّف قليلًا، ألا تسمعني!؟

هكذا، أناديه ولا يجيب..

أيّها العمر الذي يمرّ سريعًا كغفوة استفقت منها الآن، لماذا تركض؟! ومن أجل من؟!

طفلةً كنت في الأمس، أيّها الأمس السعيد، من أحزنك!؟

طفولتي صارت في مهبّ الرّيح، ولو كان عندي أمنية، لتمنّيت أن تعود..

في الحقل ما زالت آثار خطواتي، على أقدامي يعلّق الشوك والزهر، أبحث عن سعادة ربّما ضيّعها العمر منّي، أركض، أدور، أسابق الرّيح وابتسامتي حول فراشة بيضاء تتنقّل بين زهور الأقحوان، ومثلها، أنا مثلها، أحلم أن أطير.

كنت صغيرة جدًّا، وككلّ التّلاميذ ربّما، كرهت المدرسة حتى حلمت بالهرب منها دائمًا، لكنّ شيئًا منها، كان يشدّني إليها كلّما دارت في بالي أفكار شيطانيّة تدعوني للهروب، أسأل نفسي اليوم: ما هو؟ وأعرف في سرّي، أن مادّة اللّغة العربيّة، وحدها كانت تسحبني من نومي، وتجرّني لأجلس أمامها مثل سجين، لكنه سعيد، سعيد جدا.

حسنًا، أنا الآن أجلس أمام نافذتي، أشرد كمن يرى آخر اللّيل، وأفكّر: لمَ كنت أفضّل معلمات وأساتذة اللغة العربية على الجميع منذ طفولتي وحتّى الصّبا؟ لمَ كنت أحفظ القصائد التي نأخذها من غير قصد منّي، ومن دون أن أقرّر هذا؟ كنت أردّدها دائمًا، أمشي في غرف البيت، في دارنا، في الطريق، تحت شجرة حفظتني كاسمي، وكلّما فعلت، أشعر أنّني أطير! حقًّا كنت أطير، وما زلت..

اليوم، وبعدما كبرت، أعرف جيّدًا أنني لم أكن أبحث فيها سوى عن حرّيّتي..

ما زلت أذكر جيّدًا ذلك اليوم، كنّا نأخذ درسًا في التّعبير، سألت المعلّمة كلّ أحدٍ منّا عن حلمنا البعيد، لم أنسَ أبدًا ما قلته حينها، المشهد بقي ماثلًا أمامي إلى الآن رغم السنين التي مرت عليه، حتى الغبار الذي غطّاه كاملًا لم يمنع كونه ظلَّ باقيًا في ذاكرتي كنقشٍ على حجر.. كنت الوحيدة في الصّف التي كانت أحلامها أكبر منها، أصدقائي، كان أقصى حلم عندهم، أن يصبحوا دكاترة في الطبّ وما شابه. حين وصل الدّور إليّ، أجبت المعلمة عن حلمي، قمت من مكاني بحماسة لم أعهدها من قبل، كان نيسان يطلّ علينا بخجل، الشّمس فوق الأسقف كقبّعة، مشيت صوب النّافذة بخطًى سريعة كأحد يخاف أن يضيّع حلمه، نظرت إليها، وقلت: "عليّ أن أصل إليكِ، لا بدّ أن أصل..".

وهكذا، كنت كلّما أريد أن أحلم، أركض، وأنظر صوب الشّمس..

ضحكَت المعلمة، ولا أعرف لماذا، لكنّني حزنت وقتها، ربّما لأنها جعلتني أشعر كم يبدو هذا الحلم ساذجًا.. المهم، أجابتني بسخرية: "لا تنسَيْ أن تطيري.."، تقوّس فمي حتى خلته سيسقط أرضًا، منعت دمعتي من السقوط، وكانت المرة الأولى التي أكره فيها معلّمة اللّغة العربية في حياتي. كان فيّ شيء يدعوني لأكمل حديثي، فتابعت رغم شعوري الحزين لحظتها، نظرت إليها نظرة تحدٍّ، وقلت بإصرار وبكلمات عنيدة: "أحلم أن أصبح كاتبة في المستقبل، وحينها، سأفعل كل ما أريده.. أعدك..".

اليوم، أنا "آسيا عباس"، لا أعرف كيف أصنّف نفسي، أصدقائي يعتبرونني كاتبة جيّدة ربّما، أمّي تراني نجمة، وتنتظر كلماتي بكلّ حب، أبي يراني مستقبلًا يمشي على قدميه، ويفخر بي، يشير إليّ أمام النّاس كمعجزة، ولا أعرف لماذا، وأنا الآن لو سألني أحدهم ما حلمي، لأجبت: "لا أريد أجنحة، يكفيني ظلّ شجرة، أراقب العابرين بعين ثاقبة، لأكتب قصيدة تخص الجميع، ومعي فيروز، تجلس بقربي، وتغني لي:

أعطني الناي وغنِّ

فالغنا سرّ الوجود

ومثلها أغني وأنا أنظر صوب الشّمس التي تسمعني جيدًا، وتراني من بعيد، ثم تكمل فيروز بصوتها الحنون:

هل فرشت العشب ليلًا

وتلحّفت الفضا

زاهدًا فيما سيأتي

ناسيًا ما قد مضى..

الله! ما أجمل أن تكون حرًّا وطليقًا من كلّ شيء!!

أغلقت نافذتي، كسرت شرودي الطّويل، ومشيت صوب الطّريق..

من هنا، من تحت شجرة ما ملّت منّي، تجلس على الرّصيف منذ أعوام، أنظر في هذا الوجود، أكتب رسالة إلى الشمس، وأعرف أنها ستقرأ دائمًا ما سأكتب، وستفخر بي، أعرف ذلك جيّدًا..

"الأحد، ٩ نوفمبر 2025

عزيزتي الشّمس

أنا ابنتك التي تعرفينها جيدًا، عمري 22 سنة، كلّما نظرت إليكِ، حذّرني العالم منكِ، ولكن لا أبالي. بالأمس البعيد سخرت معلّمتي من حلمي، عليك أن تخبريها أنّني حقّقت أمنيتي، وأنني مهما اقتربت منك لن تحرقيني، أخبريها أنّي وصلت إليك بلا أجنحة، هكذا، تسربت إليكِ من كلماتي، أو عبر قصيدة وأغنية، قولي لها أيّ شيء، عليكِ أن تفعلي..

غدًا، عليكِ أن تأخذي رسالتي وترميها على مكتبها، وأخبريها أنّ كلّ الكتّاب، والشّعراء، والحالمين، يسافرون وهُم هنا، جالسون في أماكنهم. وأنّني كلّ يوم أسلّم عليكِ، وأهمس في أذنك: أنّ الذي يجب أن يحيا، عليه أن يكون حرًّا، ويصل إليكِ..

بالمناسبة، تذكرت اقتباسًا لـ "هانز أندرسن" يقول فيه: "لأن تكون حيًا فقط، هذا لا يكفي. يجب أن تملك ضوء شمس، وحريّة، وزهرةً صغيرة".

وداعًا أيّتها الشّمس المضيئة.. وداعًا..