الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

رغم التحوّلات المتسارعة.. “الوزيعة” إرث جزائري وعادة متجذرة تأبى الاندثار


يتميّز عيد الأضحى المبارك بقدسية ومكانة خاصة لدى الجزائريين، باعتباره فضاء اجتماعيا تُعاد فيه صياغة العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتُستحضر فيه قيم التضامن والتكافل بأشكال ملموسة.

ومن بين العادات المُتجذرة التي تطبع المشهد الاجتماعي خلال العيد، تبرز “الوزيعة” أو “تيمشرط” كعادة متجذّرة، تتجاوز كونها مجرد تقاسم للحم الأضحية، لتتحوّل إلى ممارسة اجتماعية تُعيد إنتاج الروابط الإنسانية داخل الحي والعائلة والمجتمع ككل.

الوزيعة.. ذاكرة اجتماعية قبل أن تكون عادة موسمية

تُعد “الوزيعة” من العادات التي ارتبطت تاريخيا بالبنية الاجتماعية الجزائرية القائمة على الحي والقرية والعائلة الممتدة، حيث كان الجار يُعامل كامتداد طبيعي للعائلة.

وفي هذا السياق، لم يكن تقاسم الأضحية خيارا ثانويا، بل كان جزءا من “واجب اجتماعي” غير مكتوب، يعكس مفهوما عميقا للعيش المشترك.

ومع التحوّلات العمرانية التي عرفتها المدن الجزائرية، خصوصا مع انتشار العمارات وتراجع نمط الأحياء التقليدية، تغيّرت بعض تفاصيل هذه الممارسة، لكنها لم تختف، إلا أن أشكالها تكيفت مع الواقع الجديد، لتستمر في أداء وظيفتها الاجتماعية الأساسية، والمتمثلة أساسا في الحفاظ على الحد الأدنى من الترابط بين الجيران.

البعد الاجتماعي.. حين تتحوّل “الوزيعة” إلى رابط إنساني

من منظور سوسيولوجي، يرى الأستاذ أحمد ڤوراية، المختص في علم الاجتماع، أن “الوزيعة” أو “تيمشرط” تُعد من أعرق العادات الاجتماعية المتجذرة في التاريخ الجزائري، باعتبارها إرثا إنسانيا وحضاريا يعكس قيم التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع، ويكرّس ثقافة الوحدة والعيش المشترك التي حافظ عليها الجزائريون عبر الأجيال المتعاقبة من خلال الممارسة الفعلية لهذا التقليد المتوارث.

وأوضح ڤوراية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن “الوزيعة” لا يمكن اختزالها في كونها مجرد عادة موسمية مرتبطة بالمناسبات الدينية، بل تمثل نظاما اجتماعيا متكاملا يهدف إلى الحفاظ على تماسك المجتمع وتعزيز روح المساواة بين أفراده، حيث لا فرق فيها بين الغني والفقير.

وأشار إلى أن التحضيرات الخاصة بها تتم ضمن طقوس جماعية تشرف عليها “تاجماعث”، التي تضم أعيان القرية أو الدشرة، من خلال الإعلان عن موعدها وجمع الأموال لاقتناء الذبائح المخصصة للتوزيع.

وأضاف المتحدث أن عملية توزيع اللحوم تتم وفق نظام دقيق يضمن تقسيم الحصص بالتساوي بين جميع العائلات دون استثناء، بما يحفظ كرامة الفئات المعوزة ويعزز شعور الانتماء داخل المجتمع، مؤكدا أن هذه الممارسة تجسد أسمى معاني الأخوة والتضامن والتعاون بين أبناء المنطقة.

كما أبرز المختص في علم الاجتماع أن “الوزيعة” تحمل أبعادا حضارية ودينية عميقة، لارتباطها بمبادئ الدين الإسلامي الداعية إلى التآزر ونبذ الكراهية وتعزيز روح المحبة بين الناس، مشيرا إلى أنها تسهم في غرس قيم الأصالة والعطاء والتكافل الاجتماعي داخل المجتمع الجزائري.

المساهمة في الحد من مشاعر الطبقية والحرمان

ونوّه ڤوراية إلى أن هذه العادة لا تقتصر على عيد الأضحى فقط، بل تُنظم كذلك خلال عدد من المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى، على غرار شهر رمضان، وعاشوراء، وعيد الفطر، والمولد النبوي الشريف، إضافة إلى مواسم الحصاد وجني الزيتون ورأس السنة الأمازيغية “يناير”، خاصة في الفترات التي ترتفع فيها مؤشرات الحاجة والعوز، حيث تضمن وصول اللحوم إلى العائلات الفقيرة والمحرومة دون إقصاء.

وأكد محدثنا أن “الوزيعة” تترك آثارا نفسية واجتماعية عميقة على الأفراد، من خلال تعزيز الشعور بالكرامة والانتماء ودعم الاستقرار النفسي والاجتماعي، معتبرا أن استمرار مثل هذه العادات الإيجابية يساهم في الحد من مشاعر الطبقية والحرمان، ويحقق نوعًا من التوازن العاطفي داخل المجتمع.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد أحمد ڤوراية على أن “الوزيعة” لها دور مهم في تنشئة الأجيال الصاعدة على قيم التضامن والإحسان واحترام الآخر، مشددا على أنها تمثل “خزانا حضاريا ومعرفيا” يرسخ الأخلاق الحميدة ويقوي الروابط الاجتماعية، بما يجعلها واحدة من أهم الممارسات الاجتماعية التي حافظت على استمراريتها داخل المجتمع الجزائري رغم مختلف التحولات الحديثة.

التحوّلات الحديثة.. بين التكيّف والاستمرارية

ورغم ما يعرفه المجتمع الجزائري من تغيّرات سريعة في أنماط العيش، خصوصا في المدن الكبرى، إلا أن “الوزيعة” استطاعت أن تظل حاضرة، وإن بأشكال مختلفة، ففي بعض الحالات، لم يعد التبادل يتم بشكل مباشر فقط، بل أصبح يُنظم عبر الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم الاتفاق مسبقا على طريقة التوزيع.

ومع ذلك، فإن جوهر الممارسة لم يتغيّر، فالهدف لا يزال ذاته، وهو ضمان عدم انفراد أي بيت بفرحة العيد، وإعادة توزيع اللحظة على أكبر عدد ممكن من الأفراد داخل المحيط الاجتماعي.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.