الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

رغم وفرة الإنتاج.. لماذا تبقى أسعار الخضر والفواكه مرتفعة؟


على خلاف ما جرت عليه العادة، خلال مواسم الصيف السابقة، لم تنعكس وفرة الإنتاج الفلاحي هذا العام على أسعار الخضر والفواكه في أسواق التجزئة، التي حافظت على مستويات مرتفعة، إذ تجاوزت أسعار أغلب المنتجات عتبة 100 دينار للكيلوغرام، رغم تسجيل تراجع في أسعار بعض المنتجات على مستوى أسواق الجملة.

في هذا السياق، يبرز النقاش حول العوامل التي تقف وراء استمرار ارتفاع الأسعار، ومدى ارتباطها بظروف الإنتاج والمناخ وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع، إلى جانب تأثير تراجع العرض في بعض الفترات واختلال توزيع المنتجات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وما إذا كانت هذه الارتفاعات ظرفية مرتبطة بالموسم أم مرشحة للاستمرار خلال الفترة المقبلة.

في هذا الصدد، أفاد كريم حسن، رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، أن ارتفاع أسعار المنتجات الفلاحية، على غرار الخضر والفواكه، خلال هذه الفترة لا يمكن تفسيره بعامل واحد، وإنما يرتبط بجملة من العوامل المتداخلة التي تشمل مختلف مراحل المنظومة الفلاحية، بداية من اختيار المحاصيل والبذور، مرورا بتوفير المياه والأسمدة والأدوية والتمويل، وصولا إلى الإنتاج والجني والتخزين والنقل والتوزيع.

تنظيم الإنتاج والتخزين مفتاح استقرار أسعار الخضر والفواكه

وأوضح حسن أن ارتفاع أسعار بعض الخضر قد يكون ظرفيا وموسميا، نتيجة تراجع الكميات المعروضة مقارنة بمستوى الطلب، إلى جانب تأثر عمليات الجني بالعوامل المناخية، مشيرا إلى أن أسعار بعض الفواكه المحلية سجلت بدورها ارتفاعا بسبب تراجع الإنتاج في بعض المناطق بفعل موجات الحر ونقص المياه، فضلا عن ارتفاع تكاليف السقي والأسمدة والأدوية واليد العاملة والنقل.

وأبرز المتحدث أن حدة ارتفاع الأسعار تتزايد عندما تتزامن عدة عوامل، من بينها الانتقال بين موسمين إنتاجيين، والحرارة والجفاف والأمطار المفاجئة، وارتفاع أسعار المدخلات وتكاليف النقل والطاقة واليد العاملة، إلى جانب ضعف قدرات التخزين والتبريد وتعدد الوسطاء والمضاربة وسوء توزيع الإنتاج بين مناطق الوفرة ومناطق الاستهلاك.

وأشار أيضا إلى أن العامل المناخي أصبح مؤثرا بشكل متزايد في تحديد أسعار المنتجات الفلاحية، موضحا أن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يؤثر في مردودية بعض المحاصيل والأشجار وجودة الثمار وحجمها، كما يرفع الحاجة إلى السقي ونسبة التلف أثناء النقل والتخزين، في حين قد تؤدي الأمطار غير المنتظمة إلى تأخير عمليات الجني أو عرقلة وصول المنتجات إلى الأسواق في الوقت المناسب.

ويرى كريم حسن أن الإشكال لا يرتبط بالضرورة بانخفاض الإنتاج السنوي ككل، وإنما بعدم انتظامه من حيث التوقيت والمناطق، فقد تتوفر كميات كبيرة من محصول معين في منطقة، في وقت تواجه فيه منطقة أخرى نقصا مؤقتا بسبب ضعف النقل أو غياب التخزين، وهو ما يحوّل المشكلة من مسألة إنتاج إلى مسألة توزيع ولوجستيك.

وفي هذا السياق، أكد محدثنا أن تطوير قدرات التخزين والتبريد يمثل أحد المفاتيح الأساسية للحد من تذبذب الأسعار، موضحا أن غياب هذه المنشآت قد يجبر الفلاح على تسويق إنتاجه بسرعة، ما يؤدي أحيانا إلى إغراق السوق خلال ذروة الإنتاج، قبل أن تظهر حالة نقص وارتفاع في الأسعار بعد أسابيع.

كما أشار إلى أهمية الانتقال من معالجة الاختلالات بعد حدوثها إلى استباقها، من خلال تطوير خرائط إنتاج ومناخ محدثة تسمح بتحديد مواعيد الإنتاج والكميات المتوقعة ومناطق الفائض والعجز، بما يساعد على توجيه المحاصيل وتنظيم عمليات التخزين والتوزيع قبل ظهور الاختلالات في السوق.

وأضاف أن استقرار السوق الفلاحية يتطلب كذلك توفير المدخلات في الوقت المناسب، لاسيما البذور والأسمدة والأدوية والعتاد، إلى جانب تسهيل التمويل والإرشاد التقني، مشيرا إلى أن نجاح حملة الحرث والبذر يرتبط بمدى جاهزية هذه المدخلات ووصولها إلى الفلاح في الآجال المناسبة.

وأبرز المتحدث أن الرقمنة يمكن أن تؤدي دورا مهما في تحسين تسيير القطاع، شريطة ألا تقتصر على المنصات الإلكترونية، وإنما تمتد إلى إنشاء منظومة تربط المزرعة بالتعاونية والبنك والديوان وسوق الجملة والجهات الرقابية، بما يسمح بإحصاء المساحات المزروعة، وتوقع الإنتاج، وتتبع حركة المحاصيل، ورصد مناطق العجز والفائض ومراقبة الأسعار والمخزون.

واعتبر حسن أن تطوير الفلاحة التعاقدية يمكن أن يساهم بدوره في الحد من التذبذب في الإنتاج والأسعار، من خلال تحديد نوع المنتج والكميات والجودة ومواعيد التسليم والسعر أو طريقة احتسابه وشروط الدفع، بما يساعد الفلاح على اتخاذ قرارات إنتاج أكثر ارتباطا بحاجات السوق، ويقلل مخاطر فائض الإنتاج أو انهيار الأسعار عند الحصاد.

وأكد أن معالجة ارتفاع الأسعار تتطلب رؤية استشرافية تقوم على توقع المخاطر قبل بداية الموسم، من خلال دراسة العوامل المناخية والمائية والاقتصادية والسوقية واللوجستية، إلى جانب وضع خطط لتصريف الإنتاج وخطط بديلة في حال تراجع الطلب أو الإنتاج.

وفيما يتعلق بموعد عودة الأسعار إلى مستوياتها المستقرة، أوضح أن ذلك يبقى مرتبطا بعودة التوازن بين العرض والطلب وتحسن انتظام الإنتاج والتوزيع، مشددا على أن الاستقرار المستدام لا يتحقق بإجراءات ظرفية أو حملات مراقبة مؤقتة، وإنما ببناء منظومة متكاملة تقوم على إنتاج منظم وفق حاجات السوق، وتوفير المدخلات، وتطوير التخزين والتبريد، وتحسين النقل والتوزيع، وتعزيز الرقمنة والتعاقد والتنبؤ بالمخاطر.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أشار كريم حسن إلى أن المرحلة الانتقالية بين موسمي الحبوب 2025-2026 و2026-2027 تمثل فرصة لإعادة تنظيم القطاع، من خلال الاستفادة من معطيات الموسم الحالي في بناء المخزون وتحسين التخطيط، بالتوازي مع التحضير المبكر للموسم المقبل عبر توفير البذور والمدخلات والتمويل، بما يعزز قدرة القطاع على مواجهة التقلبات وحماية المنتج والمستهلك.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑