الإثنين، 20 يوليو 2026 — 3 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

رمضان.. حين يختبر الجوع صدق إنسانيتنا!


أكتب عن رمضان كامرأةٍ مسيحية، لكنني أكتبه من ذاكرةٍ لا تعترف بالفواصل الطائفية. في الحيّ الذي كبرتُ فيه، لم يكن الشهر الفضيل شأنًا يخصّ “الآخرين”، بل كان موسمًا يبدّل إيقاع الشارع كله. عند الغروب، كان الأذان يهبط مثل سكينةٍ شفافة، فتخفت الحركة لثوانٍ، وكأن الحيّ يتنفس بروحٍ واحدة.

كنتُ طفلة أراقب الاستعدادات خلف النوافذ، وأتساءل: كيف يستطيع الجوع أن يجعل الناس أكثر رقة؟ كانت الجارة المسلمة تطرق بابنا قبيل المغرب، تحمل طبقًا من طعامها، وتقول لأمي: “لتشاركونا البركة”. لم تكن البركة في الطعام وحده، بل في المعنى: أن الجوع لا يكتمل إلا إذا لامس القلب. كان الامتناع عن الأكل يفيض حضورًا إنسانيًا، وكان الصوم يصنع وفرةً في التعاطف، لا في الموائد.

في تقاليدنا المسيحية أيضًا نصوم. نصوم لنخفف ضجيج الجسد كي نسمع همس الروح، ولنذكّر أنفسنا بأن الإنسان ليس رغبةً فقط، بل مسؤولية. لذلك رأيت في رمضان صومًا علنيًّا لمدينةٍ بأكملها؛ اعترافًا جماعيًا بحدود الجسد، وبقيمة التراحم. كان الشهر يعلّمنا أن الامتناع ليس حرمانًا، بل إعادة ترتيب للأولويات، وتذكيرًا بحاجة بعضنا إلى بعض.

رمضان الأمس كان أقل امتلاءً بالموائد، وأكثر امتلاءً بالوجوه. البيوت مفتوحة، الزيارات غير مؤجلة، والسهر مساحة حكايات لا شاشات. كان الأطفال يتعلمون أن الصوم ليس إنجازًا فرديًا، بل انتماء: أن تشعر بجوعك فتتذكر من لا يملك خيار الإفطار. كان الحيّ يتحول إلى عائلة كبيرة، يتقاسم أفراده الصبر قبل الطعام.

اليوم تغيّر المشهد. لم يعد السؤال: هل نصوم؟ بل: ماذا يبقى من الصوم؟ صرنا نعرض موائدنا أكثر مما نتقاسمها، ونوثّق اللحظة أكثر مما نعيشها. الجوع الذي كان يوحّد الشارع، يوشك أن يُحاصر بثقافة استهلاك تبتلع معناه. نجلس إلى المائدة الواحدة، لكن كلٌّ منا في جزيرته الصغيرة. نتبادل التهاني سريعًا، فيما يبهت اللقاء الحقيقي، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة.

الفردانية هنا لا تأتي بوصفها وعيًا صحيًّا بالذات، بل كعزلةٍ ناعمة تُضعف الروابط. يتحول الصوم إلى تجربة مغلقة: “أنا صائم”، لا “نحن نصوم”. والخطر ليس في أن يعتني الإنسان بنفسه، بل في أن ينسى أن اكتماله مرهون بالآخر. الصوم الذي لا ينعكس رحمةً وعدلًا ولطفًا، يظل امتناعًا جسديًا لا أكثر.

من زاويتي المسيحية، أؤمن أن الصوم الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات التي نكفّ فيها عن الطعام، بل بعدد المرات التي نكفّ فيها عن الأذى. أن نصوم عن القسوة، عن الإهمال، عن اللامبالاة. أن نعيد النظر في علاقتنا بالفقراء، بالغرباء، وبأقرب الناس إلينا. فالجسد حين يجوع يذكّرنا بهشاشتنا، لكن الروح حين تستيقظ تذكّرنا بمسؤوليتنا.

ومع ذلك، لا أكتب من موقع الحنين العاجز. فما تزال هناك بيوت تُضيء ببساطة، وأيادٍ خفية تطعم وتواسي، وقلوب تبحث عن معنى أعمق من ضجيج العالم. رمضان لم يفقد رسالته، لكنه صار مرآة أكثر صدقًا: يكشف ما فينا، لا ما نتمنى أن نكونه.

السؤال الحقيقي ليس: هل تغيّر رمضان؟ بل: هل ما نزال نسمح له أن يغيّرنا؟ هل نملك الشجاعة لنخفف سطوة “الأنا” لصالح “النحن”؟ أن نجعل من الجوع جسرًا لا استعراضًا، ومن الصوم فعل مصالحة لا عادة موسمية؟

أكتب هذا لا لأنتمي دينيًّا إلى الشهر، بل لأنتمي إنسانيًّا إلى معناه. حين يصبح الصوم فعل رحمة، لا يهم اسم العقيدة. وحين تنتصر “نحن” على ضيق “أنا”، يستعيد رمضان جوهره: تمرينًا سنويًّا على استعادة إنسانيتنا.

يبقى القرار لنا: إما أن نسمح للشبع أن يعزلنا.. أو نسمح للجوع أن يوقظ فينا المعنى الذي يجمعنا.

Author رانية فؤاد مرجية
كاتبة من فلسطين