الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

رمضان خلف قضبان الاحتلال الصهيوني.. “مجلس السلام الأمريكي”.. يا سلام!

Author
خالد عز الدين 10 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

ما الذي قدّمه “مجلس السلام الأمريكي” للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني، لا سيما خلال هذا الشهر الفضيل؟ فهم محرومون من الحق في العبادة، إلى درجة أنهم يؤدّون الصلاة بالرموش. لقد قال أحد الأسرى المحرّرين: “مُنعت الصلاة الجماعية، ودروس الدين، وصلاة الجمعة، وحتى الوضوء. بينما تخضع غرف الأسرى للمراقبة بالكاميرات، حيث تُعتبر أيّ حركة للرأس – يمينا أو يسارا، أو أعلى أو أسفل – سببا للعقوبة”، وأضاف: “كانت صلاة الأسرى في هذا السجن من خلال رموش العيون فقط”.

وكتب “عيسى قراقع”: “مجلس السلام الأمريكي لم يفتح الأكياس ويسأل الجثامين، لا محاسبة ولا مسائلة.. أدفنوا غزة، ونظفوا الرواية من الدماء والبكاء والذكريات. تبييض الجرائم وإنقاذ القتلة، هندسة الخراب السياسي والجغرافي قبل أن يستيقظ الأموات من أجسادهم المهشّمة، لا أناشيد ولا صور ولا قراءة للفاتحة، لا مساعدات ما دام الشهيد درسًا في المناهج والمدرسة”. وأضاف: “مجلس السلام الأمريكي جاء خارج نظام العدالة، أداة أخرى ناعمة للإبادة السياسية، الفناء التدريجي، نزع شرعية الرمز والمقاومة، هيكل عظمي تحت الوصاية وباسم الحداثة”.

رمضان الصمود.. حكاية أسيرات “الدامون”

بقلم: غدير حميدان الزبون

في زاوية معتمة من هذا العالم، خلف أبواب الحديد، وأقفال الصمت يقف شهر رمضان شاهدًا على حكاية إنسانية عميقة تنبض من داخل سجن “الدامون”. في مكان لا يشبه تعريف المكان في معاجم اللغة يُقاس الزمن بعدد الدقائق التي تفصل الأسيرة عن أذان المغرب، وبعدد الخواطر التي تعبر قلبها وهي تتأمل سماءً لا تراها.

أما أنت أيها القارئ، فماذا يعني لك رمضان؟ حتمًا هو مائدة عامرة، وعائلة تجتمع، وصوت دعاء يرتفع من مسجد الحي. أما هناك، فالمشهد مختلف تماما، هو صحن أشبه بالفارغ، ومساحة ضيقة، وأصوات تتقاطع بين دعاء خافت وذكر يمرّ عبر القضبان كرسالة حرية. العالم بأسره يحتفل بالشهر الكريم غير أنّ الأسيرات في “الدامون” يصنعن منه معنى آخر لشهر اختبار الإرادة، وشهر تثبيت الهوية.

من واقع الشهادات يتشكل المشهد من لوحة مقاومة يومية لأسيرة تستيقظ على وقع العدّ الصباحي، فتتوضأ بماء شحيح، ثم تعود إلى مصحف صغير تحرص على حمايته كما تحمي ذاكرتها.

تقول إحداهن إنّ السحور هناك لا يشبه أي سحور، هو قطعة خبز، وتمرات وتريّة إنْ توافرت، وكوب ماء، غير أنّ الروح ممتلئة بعزيمة لا تنكسر. تسأل نفسها: كيف يتحول الحرمان إلى قوة؟ وكيف يصبح الجوع تدريبًا على الصبر؟

ومن شهادة أخرى، نسمع عن لحظات الإفطار لتتشارك الأسيرات ما لديهن، فيغدو القليل كثيرًا، من يد تمتد لتقسيم لقمة، وأخرى تمسح دمعة اشتياق، ولا أحد في الخارج يسمع صوت الملاعق وهي تصطدم بالأطباق المعدنية، غير أنّ ذلك الصوت يحمل قصة صمود تتجاوز الجدران. في تلك اللحظة يتداخل الخاص والعام، إنه ألم شخصي يتحول إلى قضية وطن.

رمضان في الدامون طقس ديني ومساحة لإعادة تعريف الذات. فالأسيرة تعيد ترتيب يومها حول الصلاة، وتحفظ ما تيسر من القرآن، وتكتب رسائل إلى أم تنتظر. الرسائل قد تتأخر، وقد تخضع للرقابة، غير أنّ الكلمات تظل قادرة على العبور.

لم تكن القيود قادرة على كسر هذا الامتداد الروحي بين القلب ومن يحب.

يتساءل العالم عن معنى الحرية داخل الزنزانة، فيردّ الصدى: الحرية فكرة تنمو في الداخل. الأسيرات ينسجن من الدعاء طريقًا، ومن الذكر نافذة، لتتذكر إحداهن مائدة بيتها، وضحكة إخوتها، ورائحة القهوة بعد الإفطار.

الذكريات هنا ليست ضعفًا، إنها وقود الاستمرار، فعبر استحضار التفاصيل الصغيرة يتحول الغياب إلى حضور معنوي. ومن بين الجدران تخرج صورة إنسانية خالصة لأسيرات يتقاسمن الألم كما يتقاسمن الأمل، فإنْ ضاقت المساحة اتسعت القلوب، وإنْ اشتدّ التفتيش تماسك الصف، وإنْ طال الليل أشرق في النفوس فجر يقين. هكذا تتعانق الروح الوطنية مع البعد الإنساني في مشهد يذكّر القارئ بأنّ الكرامة لا تُقاس بمساحة المكان.

أيها القارئ، تخيّل لحظة الأذان هناك بلا مآذن شاهقة، وبلا ازدحام في الشوارع، فقط قلوب تترقب، ومع أول كلمة من الأذان يرتفع دعاء واحد بصيغ متعددة: اللهم حرية قريبة. الدعاء يخرج من خلف القضبان، فيعبر المسافات، ويطرق أبواب الضمير الإنساني في كل مكان.

هذا المقال ليس رصدًا لحدث عابر، إنما حوار مفتوح معك ومع العالم.

ماذا يعني أنْ تصوم امرأة حُرمت من أبسط حقوقها؟ وماذا يعني أنْ تصنع من شهر العبادة ساحة ثبات؟ في الإجابة تتكشف قيمة التجربة فالصمود اختيار يومي، والكرامة قرار داخلي، والإيمان قوة تتجاوز القيود.

رمضان الصمود.. حكاية أسيرات “الدامون”، مقال يدقّ جدران الإنسانية ليضع أمامنا مرآة إنسانية تعكس وجوهًا غابت عن الشاشات كثيرًا غير أنها حاضرة في ضمير القضية. بين السطور صورة زنزانة، وصوت أسيرة، ونداء وطن. وهكذا ترتبط الفقرات كما ترتبط القلوب من وجع المكان إلى أفق الأمل، ومن تفاصيل اليومي إلى اتساع المعنى، ومن خصوصية التجربة إلى عالميتها.

رمضان هناك قصة مقاومة تُكتب بالصبر، وتُروى بالإيمان، وتظل مفتوحة حتى يكتمل المشهد بحرية تليق بكلّ أسيرة تحتبس دموع القلب، وتعتكف بين جدارين. عند تخوم الدعاء تتجلى الحقيقة كاملة فمهما ارتفع الجدار يظل أدنى من روح تعانق السماء، ومهما ضاقت الزنزانة تعجز عن احتواء وطن يسكن الصدر.

في ذلك السكون المشبع بالذكر تولد معاني جديدة للثبات، فتصير الدمعة وعدًا، ويغدو الصبر جسرًا نحو فجر يلوح من بعيد. من خلف القضبان لا يُسمع سوى همس آيات وصوت قلب يؤمن بأنّ العدالة طريق لا يتيه، وأنّ الحرية قدر يتقدم بخطى واثقة صوب من يستحقها. وبين ركعة وصبر ينكتب التاريخ بصيغة إنسانية خالدة، هي صيغة تؤكد أنّ الكرامة لا تُعتقل، وأنّ الضوء مهما طال احتجابه لا بُدّ أنْ يعود أكثر صفاء.

هكذا يظل المشهد مفتوحًا على أفق يتسع على الجدران، ويكسّر القيود، أفق تصعد إليه أرواح صائمة متعبدة ثابتة لتعلن للعالم أنّ رمضان في الأسر ليس موسم حزن، إنما هو موسم يقين فالفجر آتٍ، ولكلّ اعتكاف نهاية تُفضي إلى فضاء الحرية.

زنازين الجوع

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

في قلب الليل، حيث تذوب الأصوات خلف القضبان ويضيع صدى الخطوات بين جدران إسمنتية سميكة، تتدلى على مشهد الأسرى الفلسطينيين ملامح المأساة الكبرى: جوع متعمد، مرض يتفشى كالطاعون، عزل يلتهم الذاكرة، واعتقال بلا تهمة ولا نهاية. هنا، في زنازين الاحتلال الصهيوني، يُعاد تعريف القسوة، ويُختبر صبر البشر إلى أبعد الحدود، ويُكتب فصل جديد في ملحمة الحرية الفلسطينية التي لا تخبو مهما اشتد الحصار.

منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد السجون مجرد أماكن احتجاز، بل صارت مسالخ بشرية تُدار بعقلية إبادة جماعية. ارتفع عدد الأسرى والمعتقلين إلى أكثر من 11 ألفًا حتى سبتمبر 2025، بينهم 49 أسيرة و400 طفل وأكثر من 3500 معتقل إداري، إضافة إلى 2600 مصنفين كـ”مقاتلين غير شرعيين”. لكن الأرقام وحدها لا تقول الحكاية؛ فكل أسير هو حياة ممزقة، وعائلة تذبل على باب السجن، وذاكرة تحاول النجاة من القهر.

التجويع.. جريمة بدم بارد

الطعام، أبسط مقومات الحياة، صار أداة للإذلال. تقارير المؤسسات الحقوقية تؤكد أن الاحتلال يمارس سياسة تجويع منهجية وصلت إلى حد المجاعة. وجبات لا تكفي طفلاً واحدًا تُقسم على اثني عشر أسيرًا. أجساد هزيلة فقدت نصف وزنها، مناعة منهارة، أمراض تتكاثر كالأشباح في الأجساد الضعيفة. لم يعد الجوع عرضًا عابرًا، بل سلاحًا استراتيجيًّا يستخدمه السجان لكسر الروح. الأسير الشبل وليد أحمد (17 عامًا) من سلواد استشهد في مارس الماضي بسجن مجدو، ونتائج التشريح قالتها بوضوح: التجويع الممنهج كان القاتل. كل وجبة ناقصة إذن هي رصاصة مؤجلة، وكل حرمان من الغذاء هو إعدام بطيء.

المرض كسلاح

ليس الجوع وحده من يفتك. الأمراض المعدية تتحول إلى أدوات للتعذيب. في سجن “عوفر وجلبوع” ومجدو والنقب، يتفشى مرض الجرب (السكابيوس) بين الأسرى، حتى بين الأطفال، بلا علاج. الحكة لا تُطاق، الدم يسيل من أجسادهم، لكن الإدارة تتعمد وضع المصابين مع الأصحاء، لتتحول الزنازين إلى بؤر عدوى. الأسير أحمد خضيرات (22 عامًا)، مصاب بالسكري والجرب، فقد 20 كلغ من وزنه، لم يعد يقوى على الحركة منذ شهرين، وحيدًا في معركته ضد المرض والجوع معًا.

وفي سجن “الرملة”، المرضى الذين كان يفترض أن يحظوا بالعلاج، تعرضوا للغاز المسيل للدموع بدل الدواء، في عملية قمع مروعة. مأساة الأسير كامل صباريني، المصاب بأزمة تنفس حادة، تختزل حجم الجريمة: شاب في العشرين من عمره، بحاجة لبخاخ دائم، يختفي خبره في زنازين مكتظة بلا هواء ولا دواء، بينما أسرته تحيا على بقايا الشائعات والقلق.

الاعتقال الإداري.. محاكم بلا عدالة

ما يزيد القيد قسوة أنه بلا تهمة. أكثر من 3500 أسير يقبعون رهن الاعتقال الإداري، أسرى ملفات سرية لا يعرفونها، يجدد اعتقالهم بلا سقف زمني. المحاكم العسكرية مجرد ختم مطاطي على قرارات الشاباك، تلبس القمع ثوب القانون الزائف. 90 بالمائة من استئنافات الأسرى الإداريين رُفضت، ليصبح القضاء الصهيوني شريكًا مباشرًا في الجريمة. هذه السياسة لا تستهدف الأفراد فقط، بل تسعى لتفكيك المجتمع الفلسطيني: قيادات وطنية، طلاب جامعيون، أسرى محررون، نساء، وأطفال. الجميع عرضة للاعتقال بلا محاكمة.

عائلات مقطوعة من جذورها

في الخليل، تحكي عائلة الشيخ رزق الرجوب قصة الأسر كقدر يتوارثه الأبناء. الأب فاقد للذاكرة في العزل الانفرادي، ابنه أحمد معتقل إداريًا تاركًا أربعة أطفال بلا معيل، وابنه محمد حُرم من جامعته ليذبل في الزنزانة. ثلاثون عامًا من الاعتقالات والاقتحامات ومصادرة الأموال، تحولت خلالها العائلة إلى نموذج حي للعقوبات الجماعية. هكذا لا يكتفي الاحتلال باعتقال الفرد، بل يعتقل العائلة كلها، ويمزق نسيجها الاجتماعي، في محاولة لقتل الروح الفلسطينية من الداخل.

موت بطيء وإعدام مباشر

منذ بداية حرب الإبادة، استشهد 77 أسيرًا داخل السجون بوسائل مختلفة: تعذيب، صعق بالكهرباء، اغتصاب، حرمان من الطعام، إهمال طبي. الاحتلال يحتجز جثامين 74 منهم، كأنه يريد أن يسجن الموتى أيضًا. ومنذ 1967 ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 314. هذه الأرقام ليست إحصاءات، بل شواهد على مقابر سرية خلف القضبان.

الجنود.. موت من نوع آخر

المفارقة أن القمع لم يعد يحطم الضحية فقط، بل ارتد على الجلادين. الصحافة العبرية تكشف عن ارتفاع حالات الانتحار بين الجنود الإسرائيليين منذ حرب غزة: 48 جنديًّا انتحروا، آلاف يعالجون من اضطراب ما بعد الصدمة، 3700 شخصوا بالانفصام الذهني، وعشرة آلاف يخضعون للعلاج النفسي. غزة تلاحقهم في الكوابيس، صرخات الأطفال لا تغادر آذانهم، الدماء لا تُمحى من ذاكرتهم. جندي قال أمام الكنيست إنه لم يعد قادرًا على أكل اللحوم لأنها تذكره بالجثث التي مزقتها جرافته في غزة. آخر يرى دمًا يخرج من جسده بلا جرح. هكذا تتحول الحرب إلى لعنة تطارد القاتل قبل أن تترك الضحية.

الرموز.. قناديل في العتمة

رغم كل هذا الظلام، تبقى الرموز الوطنية منارات للكرامة. مروان البرغوثي، الأسير الذي يواجه خمسة مؤبدات، تحول إلى ضمير حي داخل الزنزانة. زيارة وزير الأمن المتطرف بن غفير له داخل زنزانته، مصورة بالكاميرات، كانت لحظة كاشفة: رجل مكبل يواجه وزيرًا مدججًا بالتهديدات، لكنه خرج منها أكثر ثباتًا. البرغوثي لم يعد مجرد أسير، بل قضية، ورمز لوحدة الفلسطينيين وصمودهم. الاحتلال يخاف من رمزيته أكثر مما يخاف من رصاص المقاومة، لأنه يفضح عجزه أمام الإرادة التي لا تُكسر.

شهداء يحررون الأحياء

الأسرى والشهداء معًا يشكلون معادلة الحرية الفلسطينية. “الأموات يحررون الأحياء”، كما كتب عيسى قراقع. فكل شهيد يُسقط أوهام القوة ويزرع سؤالًا في ضمير العالم: من يملك الحق في الحياة؟ ومن يملك أن يمحو الآخر؟ في غزة، الشهداء يخرجون من تحت الركام ليحرروا الوعي، ليقولوا إن الموت ليس النهاية، بل بداية لحياة جديدة في ذاكرة شعب لا ينسى.

مسؤولية العالم

الاحتلال يواصل جرائمه، لكن العالم يتفرج. الأمم المتحدة عاجزة، المؤسسات الدولية صامتة، والقانون الدولي يتحول إلى أوراق بلا معنى. ومع ذلك، فإن نداء الأسرى يظل صرخة مفتوحة: الحرية حق، والاحتلال جريمة، والتجويع والقتل والإهمال الطبي جرائم حرب موثقة. كل تأخير في المحاسبة مشاركة في الجريمة، وكل صمت خيانة للضمير الإنساني.

خاتمة

في زنازين الجوع هذه، حيث يُقتل الإنسان مرتين: مرة بالقيود، ومرة بالصمت، يولد المعنى الأعمق للحرية. الحرية التي لا تعني غياب القضبان فقط، بل تعني انتصار الروح على السجان. الأسرى الفلسطينيون اليوم ليسوا ضحايا فحسب، بل طليعة مقاومة إنسانية وأخلاقية، خط دفاع أخير عن كرامة البشر في عالم يتساهل مع القتلة. إنهم يقولون لنا: “قد نذبل، لكننا لا ننكسر. قد نجوع، لكننا لا نستسلم. قد نموت، لكن موتنا حياة لكم جميعا”.

وهكذا، تبقى زنازين الجوع شاهدة على أن الحرية لا تُمنح من سجان، بل تُنتزع من قلب العذاب. وفي كل زنزانة، وفي كل قصة أسير، وفي كل شهيد يُحرم من دفنه، تنبض فلسطين بالمعنى: أن الاحتلال إلى زوال، وأن الحرية، مهما طال ليلها، آتية لا محالة.

70 أسيرة وطفلة وحيدة.. رمضان يتحول إلى معاناة في الدامون

بقلم: وسام زغبر (كاتب وصحفي وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين)

رمضان في سجن “الدامون”، شمال فلسطين، ليس مجرد شهر صيام وعبادة، بل أصبح اختبارًا يوميًّا للصبر والمعاناة. خلف الجدران، تعيش نحو 70 أسيرة ظروفًا تجعل من الشهر الفضيل تجربة قاسية، حيث تتقاطع المعاناة الإنسانية مع الانتهاكات الحقوقية.

بين شهادات الأسيرات تتكشف ملامح هذه المعاناة. دلال الحلبي تتحدث عن اعتماد الإدارة على إمساكية خاطئة، ما يجعل الصيام تجربة مربكة ومرهقة. رولا حسنين تصف الطعام بأنه “لا يكفي لإطعام عصفور”، في صورة صادمة عن التجويع الممنهج واستخدام الغذاء كأداة ضغط. أما بشرى الطويل فتشير إلى تلوث المياه وسوء جودة الطعام وغياب أي احترام لقدسية الشهر، ما يزيد من وطأة الظروف اليومية على الأسيرات.

الأكثر مأساوية هي حالة الطفلة إيلياء مليطات، البالغة من العمر 10 أعوام، التي تقضي رمضان بلا والدين؛ والدها مصعب أعيد اعتقاله إداريًا، ووالدتها أسيل معتقلة منذ 3/6/2025، تاركة إيلياء تواجه الشهر الفضيل وحيدة بين جدران السجن.

إيلياء، مثل كثير من الأطفال الفلسطينيين في الأسر، تعيش آثارًا نفسية مضاعفة نتيجة تجويع الأم والأب وفقدان الرعاية، ما يجعل من رمضان مناسبة للألم أكثر من كونه شهر رحمة.

من منظور حقوقي، ما يحدث في الدامون يشكل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية للأسرى، حيث يتم تقييد الشعائر الدينية، وعدم الالتزام بالمعايير الصحية والغذائية، واستخدام الغذاء كأداة ضغط. هذه الممارسات لا تؤثر على الأسيرات فقط، بل تمتد آثارها لتشمل أطفالهن وعائلاتهن، مضاعفة حجم المعاناة النفسية والجسدية.

رمضان خلف القضبان، إذًا، يتحول إلى رمز مزدوج: للقسوة والاضطهاد من جهة، وللصمود الإنساني والكرامة من جهة أخرى. شهادات الأسيرات ليست مجرد روايات عن الألم، بل صرخة من أجل العدالة والكرامة الإنسانية، تدعو المجتمع الدولي والهيئات الحقوقية للتدخل العاجل لحماية النساء والأطفال في الأسر وضمان احترام القوانين والاتفاقيات الدولية.

في “الدامون”، يصبح رمضان شهادة حيّة على المعاناة الإنسانية، وعلى قدرة الإنسان على الصمود والإصرار على كرامته رغم كل الظروف القاسية، ليتحول الشهر الفضيل من مناسبة للتقوى إلى رمز للمقاومة والصمود في وجه الظلم.

عائلة الشيخ جمال أبو الهيجا.. حين يتحوّل البيت إلى سجن مفتوح وتتوزّع القلوب بين الزنازين

بقلم: ثامر سباعنة – جنين – فلسطين

في زوايا الحكاية الفلسطينية، ثمّة عائلات لا تُروى قصتها على عجل، لأن الألم فيها متشعّب، متراكم، ومتوارث جيلاً بعد جيل. من بين هذه العائلات، تقف عائلة الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا مثالاً حيًّا على المعاناة الممتدة خلف القضبان وخارجها.

الشيخ جمال، الذي تجاوز الستين من عمره، لم يكن اعتقاله حدثاً عابرا في حياة أسرته، بل تحوّل إلى قدرٍ يومي تعيشه العائلة بكل تفاصيله. أصيب خلال ملاحقته، وتعرّض لبتر يده، ليبدأ رحلة قاسية من الألم الجسدي إلى جانب المعاناة النفسية داخل سجون الاحتلال. جسدٌ أنهكته الإصابة، وروحٌ تتكئ على الإيمان، يقاوم بها سنوات الأسر الطويلة، في ظروف صحية صعبة وإهمال طبي متكرر، يزيد من وجعه ولا ينقصه.

لكن مأساة الشيخ جمال لا تتوقف عند حدود زنزانته. فالعائلة بأكملها تكاد تكون خلف القضبان. اليوم، يقبع نجلاه عبد السلام وعاصم في سجون الاحتلال، بينما يُعتقل ابنه عماد لدى السلطة الفلسطينية. أما ابنته بنان، فهي أيضاً أسيرة لدى الاحتلال، لتتحوّل الأمومة لديها إلى اختبار يومي من الصبر الموجع؛ أمٌّ خلف القضبان، وابنةُ أسير، وأختُ أسرى، تعيش الفقد المركّب بكل معانيه. بنان لا تحمل فقط همّ حريتها، بل تحمل قلقها على والدها الجريح، وعلى إخوتها، وعلى طفلها الذي يكبر بعيداً عن حضنها.

ولم تتوقف الفاجعة هنا. فالأسير الشيخ جمال هو ابن شهيد، ووالد شهيد؛ فقد ارتقى نجله حمزة شهيداً، لتزداد شجرة العائلة نزفا، وكأنها تدفع الثمن جيلاً بعد جيل. بين أبٍ أسيرٍ جريح، وابنٍ شهيد، وأبناءٍ معتقلين، تتشكل صورة عائلة تتقاسم الألم كما يتقاسم الناس أفراحهم.

وفي قلب هذه الحكاية، رحلت زوجته، الأسيرة المحررة أسماء سباعنة، بعد معاناة طويلة مع المرض. رحلت بصمتٍ موجع، دون أن يتمكن زوجها الأسير من إلقاء نظرة الوداع، ودون أن يحتضنها أبناؤها المعتقلون. ماتت الأمّ التي حملت عبء الغياب سنواتٍ طويلة، وحيدةً منكسرة الجسد، كبيرةَ القلب. كان رحيلها فصلاً قاسيا في سيرة هذه الأسرة، إذ لم يُكتب لها أن تجتمع بزوجها وأبنائها في لحظة الوداع الأخيرة.

تبقى الابنة الوحيدة خارج القضبان، ساجدة، شاهدةً على كل هذا الفقد. تعيش اليوم شهر رمضان محرومةً من أبيها وإخوتها وأختها، بعد أن فقدت أمها أيضاً. موائد الإفطار في بيتها لم تعد كما كانت، وصوت الدعاء يعلو ممزوجاً بدمعٍ لا يُرى. رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر العائلة والدفء، تحوّل لديها إلى مساحة فراغ واسعة، تسكنها الصور والذكريات.

قصة عائلة الشيخ جمال أبو الهيجا ليست مجرد حكاية أسرٍ فردي، بل نموذج لمعاناة ممتدة تضرب جذورها في تفاصيل الحياة اليومية. إنها حكاية أبٍ جريحٍ يقاوم في زنزانته، وأمٍّ رحلت حسرة، وأبناءٍ وبناتٍ توزّعتهم السجون، وابنةٍ وحيدة تحرس ما تبقى من البيت.

في هذه العائلة، لا يُقاس الزمن بالسنوات، بل بعدد الزيارات الممنوعة، والرسائل المؤجلة، وأعياد الفطر التي تمرّ بلا لقاء. إنها حكاية ألمٍ صامت، لكنه عميق بما يكفي ليحكي عن شعبٍ بأكمله.

رمضان خلف القضبان.. وجع الإفطار وحرمة الصائم

بقلم: ثورة ياسر عرفات

رمضان في السجن ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل اختبارا يوميا للروح والكرامة. داخل هذه الجدران، تُختبر حرمة الشعائر الدينية بطرق قاسية، ويُنتَهك حق الأسير في لحظة صيامه وإفطاره.

في دقائق الإفطار الأولى، قبل أذان المغرب، كثيرًا ما يقتحم السجّانون الغرفة فجأة بحجة التفتيش. الأيدي تُكبّل إلى الخلف، يُجبر الأسرى على الخروج قسريًا إلى غرف الدُشّات الباردة، بينما تمرّ اللحظة الأهم في اليوم بلا طعام، بلا ماء، وبلا أي شعور بالسكينة أو الخصوصية. هذه الإجراءات ليست مجرد أمنية، بل انتهاك واضح لحرمة الصائم، وتغيب فيها أدنى درجات احترام الشعائر الدينية، حيث يُسلب الأسير حقه في أن يصوم ويفطر بكرامة.

الوجبة نفسها غالبًا بسيطة: أرز، قطعة دجاج صغيرة، قليل من الخضار، وخبز. لكن الأسير لا يتذكر الطعام فقط، بل يحنّ للحرية التي تتيح له أن يفطر كما يشتهي، أن يختار ما يريد، أن يجلس مع والدته على المائدة، وأن يسمع صوت دعائها وهو يرفع يده بالدعاء قبل تناول أول تمره.

في خيالهم، يحلم الأسرى بالإفطار مع أمهاتهم، يطلبون منهن أن تعدّ لهم ما يشتهون، أن يضعن على المائدة كل ما يحلو لهم من أطعمة، أن يجلسوا حول المائدة، يضحكون، ويتبادلون الحديث، بعيدًا عن القيود والباب الحديدي والصمت القسري. هذا الحلم أصبح ملاذهم الروحي، لحظة يلتقون فيها مع حنينهم ودفء البيت، ولو في الخيال فقط.

رغم كل القيود، يحاول الأسرى صنع دفء صغير داخل الغرف المظلمة. يجمعون ما استطاعوا من “الكانتينا”، يقسمون اللقمة بعدل، يجلسون حول صحن واحد، ويتشاركون اللحظة كما لو كانوا يحافظون على جزء من إنسانيتهم. كل تمرة، كل رشفة ماء، هي انتصار صامت على الجوع، وعلى محاولات السجان أن ينزع من القلب شعور الكرامة.

رمضان في السجن ليس شهر طعام، بل شهر صبر مضاعف، ووجع عميق، وكرامة لا تُقهر.

هو حلم الإفطار مع الأهل الذي يملأ خيالهم، وبين الجدران الباردة، يبقى الصيام فعلًا مقاومًا.. وفطرةً لا يستطيع أي قيد أن يكسرها.

هيكل عظمي غير مكتمل

بقلم: عيسى قراقع

في مشهد ينتهك حرمة الموت وقدسية الآدميين، سلمت سلطة الاحتلال يوم (5/2/2026) خمسة عشر جثمانا للشهداء الفلسطينيين المفقودين من قطاع غزة، وذلك ضمن سلسلة عمليات تسليم متقطعة، فكانت الصدمة أكبر من الفاجعة. جثث مهروسة تحت جنازير الدبابات، وأخرى مبتورة الأصابع والأطراف، وعيون معصوبة، وأيدٍ مقيدة إلى الخلف، وآثار تعذيب وحروق وطلقات نارية من مسافة صفر، مشهد يثير الرعب في النفوس، ويدفع العقل إلى التساؤل: كيف يمكن التعامل مع جثث الموتى بهذه الوحشية؟ وأين القانون الدولي من كل هذا؟

عاد الشهداء المخفيون في أكياس بلاستيكية بيضاء، أكوام جماجم وعظام مفتتة، كأنهم لم يعودوا، لا أحد يستطيع التعرف عليهم، بكاء وترقب وحزن أمام مجمع الشفاء الطبي، أهالي المفقودين بنبشون في أكوام الأجساد المدمرة كأنهم بنبشون في مقبرة، أهالي الشهداء رأوا في أبنائهم صورة غزة المنكوبة، وان الإبادة مستمرة في القلوب والذاكرة. كل كيس يحتوي على جثمان شهيد علقت علية ورقة كتب عليها بأصابع ميتة: هيكل عظمي غير مكتمل، أو بقايا عظام، أو جثة متحللة.

في هذا المسلخ البشري ترى أشلاء بلا ملامح أو هوية واضحة، لا وجوه ولا عيون، لا جنازات ولا وداع ولا تقارير موثقة ولا اسماء، هياكل عظمية ناقصة.

يقول محمد ابو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة: وجدنا في هذه الأكياس جماجم مقصوصة وبطون مبقورة، وسرقة لأعضاء بشرية تستوجب تحقيقا دوليا. هيكل عظمي غير مكتمل، ربما هذا الشهيد كان أسيرا في معتقل “سدي تيمان” الدموي، وهناك عذب حتى الموت، الضرب والتكسير والتجويع والاغتصاب والاحتجاز في حاويات باردة، وربما هذا الشهيد مزقته القذائف حتى تحول إلى غبار، وربما هذا الشهيد أكلته الأمراض والديدان حتى تعفن في تلك الحجرات الأسمنتية تحت الأرض، وربما هذا الشهيد أجري عليه اختبارا للإعدام بحبل مشنقة أو بساطور يقطع الرقبة، سياسة ممنهجة لمحو الأجساد ودفن آثار الجرائم المتعمدة، جثث أطعموها للكلاب على الأرصفة، جثث لا تزال تحت الأنقاض، جثث قتلها العزل والبرد والقيود المشددة، جثث استخدمت دروعا بشرية في العمليات العسكرية، فجرها صاروخ أو قنبلة، جثث سرقت واستخدمت للتجارة والقرصنة والتجارب الطبية.

رصدت الفرق الطبية وجود جثامين بعظام وأطراف محطمة، وجروح غائرة في الرأس والبطن والرقبة، وجلد ممزق ومحترق، ووجوه مشوهة، مشاهد تحيل الذهن إلى أن الموت لم يكن نهاية المعاناة، بل كان بداية لمرحلة أكثر بشاعة من التنكيل، الانتقام من الموتى بعد الموت، تحويل الفقد إلى حالة دائمة وانتظار، حتى صارت غزة أكبر بيت للعزاءات المؤجلة.

هيكل عظمي غير مكتمل، بشر يسحقون في غزة والضفة المحتلة، حياة ناقصة يسرقها هذا الحاجز العسكري وتلك المستوطنة، مقابر ارقام وثلاجات باردة متحركة في كل مكان، أحلام مطاردة وأرض مستباحة من ميليشيات المستوطنين الإرهابية، تجريف وطرد وتهجير واعتقالات واعتداءات ومداهمات يومية، ضم زاحف وإبادة صامتة، الناس أرقام بلا معنى إنساني ومشاعر وتطلعات قومية، أشياء تدار وفق العقلية الاستعمارية الصهيونية، منزوعة الصلاحية والقرار، خطة الحسم وجدانيا وجسديا وثقافيا، الكل في المشرحة، والكل في زنزانة ضيقة، ومن شارع إلى شارع، ومن مدينة إلى مدينة، حواجز وأسلاك شائكة، الكل يمشي إلى موته بعكازة واحدة.

هيكل عظمي غير مكتمل، فكرة دولة فلسطينية غير مكتملة، مسلوخة اللحم والعظم والسيادة، والأهالي يفتشون هذا الهيكل، لعلهم يجدون ما يدل عليه، سن مكسورة، جرح قديم، وشم على الكتف الايسر، علامة مميزة، امل أو نافذة، صرخة من الغياب وصوت معجزة، طريق يقود إلى طريق ورؤية، ينتظرون من يرمم الموت والذكرى، الآن وغدا في الدنيا والآخرة.

مجلس السلام الأمريكي لم يفتح الأكياس ويسأل الجثث، لا محاسبة ولا مسائلة، أدفنوا غزة ونظفوا الرواية من الدماء والبكاء والذكريات، تبييض الجرائم وإنقاذ القتلة، هندسة الخراب السياسي والجغرافي قبل أن يستيقظ الأموات من أجسادهم المهشمة، لا أناشيد ولا صور ولا قراءة للفاتحة، لا مساعدات ما دام الشهيد درسا في المناهج والمدرسة.

مجلس السلام الأمريكي لا يفهم أن هذه الانتهاكات الجسيمة تمثل خرقا صارخا للقانون الدولي الإنساني، وتحديدا اتفاقيات جنيف التي تنص بوضوح على احترام الموتى في النزاعات المسلحة وحظر الاعتداء على جثثهم، فالمادة (17) من اتفاقية جنيف الأولى لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول الملحق بها يؤكدان على حق ذوي القتلى في معرفة مصيرهم، والحفاظ على جثث ذويهم وعدم المساس بها أو تشويهها، وحقهم دفنها بكرامة، مجلس السلام الأمريكي جاء خارج نظام العدالة، أداة أخرى ناعمة للإبادة السياسية، الفناء التدريجي، نزع شرعية الرمز والمقاومة، هيكل عظمي تحت الوصاية وباسم الحداثة.

في شهر رمضان الفضيل:

الصوم والصبر والجوع العنيد،

رأيت الشهداء على المائدة،

هنا في القدس،

وهناك في غزة،

عادوا في الصلاة وفي الضوء،

سبحانك،

السماء تتلو أسماءهم الكاملة.

سبحانك،

الشهداء يحرثون ارض حياتنا القادمة،

يمشون جماعات جماعات من رفح حتى الجليل،

الشهداء أطروحة دامية تتساقط منها آيات الرحمن والاسئلة،

سبحانك،

لأول مرة في فلسطين،

يعود الشهداء من الحديد.

رمضان خلف القضبان.. صيام بلا هلال ووجع بلا صوت

بقلم: غدير حميدان الزبون – فلسطين

في اللحظة التي يرتفع فيها الأذان من مآذن القدس، وتتلألأ الفوانيس في شوارع غزة، وتنبض البيوت العربية بروح الانتظار يقف الزمن عند أبواب الزنازين.

هناك في العتمة الثقيلة يمرّ الهلال خافتا فلا تراه عيون الأسرى، ويبدأ رمضان بعيداً عن قلوبٍ تتوق إلى سماع تكبيرةٍ واحدة تؤكد أنّ الرحمة قد أقبلت.

خلف جدران السجون التابعة لـ”مصلحة السجون الإسرائيلية” يعيش الأسرى الفلسطينيون عزلةً تقطع صلتهم بالمواقيت والمناسبات فيدخل الشهر الكريم إلى العالم العربي والإسلامي كضيفٍ عزيز، بينما يتسلّل إلى زنازينهم كسرٍّ غامض. لا إعلان، ولا تهنئة، ولا مدفع يدوّي في الأفق، فقط قلوب تتحسّس الزمن بحدسها، وتسأل بصمت: أأقبل رمضان؟

رمضان في وجدان الأمة أكثر من شهرٍ في التقويم. هو نبضٌ جماعي، ولحظة اصطفاف روحي تمتد من المحيط إلى الخليج، ومن القدس إلى جاكرتا. هو دفء العائلة حول مائدة واحدة، ودعاء الأم عند الغروب، إنّه ارتجافة الطفل وهو يجرّب صيامه الأول.

وفي مقابل هذا المشهد المضيء تقف الزنازين كجزرٍ معزولة في بحر الزمن؛ صيامٌ بلا هلال، وإفطارٌ بلا عائلة، وليلٌ طويل بلا تراويح جماعية. أيُّ إحساسٍ يمرّ في قلب أسيرٍ يتحسّس الأيام بعدّها على الجدار؟ وأيُّ شوقٍ يتراكم في صدره وهو يتخيّل مائدةً في بيتٍ بعيد ينقصها صوته؟

في غزة والضفة والقدس والشتات، أمهاتٌ يضعن أطباقا، ويعرفن أنّ أصحابها غائبون خلف القضبان. آباءٌ يرفعون أكفّهم بالدعاء مع أذان المغرب، وأعينهم معلّقة بصورةٍ على الجدار، وأطفالٌ يكبرون عاماً بعد عام، يتعلّمون معنى الصبر قبل أنْ يتعلّموا معنى العيد.

وفي الجهة الأخرى من الجدار رجالٌ ونساءٌ وشباب يواجهون الشهر بالصبر، ويصنعون من القليل طقساً، ومن الصمت تسبيحاً، ومن الانتظار عبادة. رمضان في الزنزانة امتحانٌ للروح، وللصيام معنى مضاعفا من جوع الجسد وجوع الحرية إلى عطش النهار وعطش اللقاء. ومع ذلك يبقى الأمل حيّا؛ لأنّ الإيمان الذي حملهم إلى درب التضحية يمنحهم قدرةً على تحويل الجدران إلى محاريب، والقيود إلى سلاسل من نور في يقينهم الداخلي.

فيا أمةً يجمعها الهلال كلّ عام، يا من توحّدكم تكبيرةٌ واحدة في مشارق الأرض ومغاربها، إنّ للأسرى حقا في ذاكرتكم، وحقا في أصواتكم، وحقاً في دعائكم الذي يتجاوز الأسلاك الشائكة. إنهم جزء من هذا الجسد الكبير؛ إذا تألم عضوٌ فيه تألمت الأمة كلها.

رمضان لحظة مراجعة للضمير الجمعي، وفرصةٌ لأن يتحوّل التعاطف إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى فعل. رمضان هو أن يبقى اسم الأسير حيّا في المجالس، وحاضرا في الخطب، ومذكوراً في الدعوات.

هو أن يشعر العالم العربي والإسلامي أنّ خلف تلك الجدران أرواحا تصوم معنا، وتدعو معنا، وتحلم معنا بفجرٍ تتسع فيه السماء للجميع.

قد لا تصل تكبيرات العيد إلى داخل الزنازين، وقد يغيب عنهم صوت المدفع، غير أنّ حضورهم في قلوبنا يجعل الهلال أقرب، والرحمة أوسع، والعدالة حلماً قابلاً للتحقق.

رمضان خلف القضبان حكاية حزن، وشهادة على صمود الإنسان حين يُحاصر. شهادة على أنّ الروح أقوى من الجدار، وأنّ الإيمان أوسع من الزنزانة، وأنّ الأمة مهما طال صمتها تبقى قادرة على أنْ تستعيد صوتها.

وفي كل تكبيرةٍ نرفعها هناك دعاءٌ خفيّ بأن يجيء رمضانٌ قريب والهلال يُرى من نافذة حرية لا من شقٍّ في جدار. وفي الليلة التي يكتمل فيها القمر، وتفيض السماء بضيائها يبقى سؤال الحرية معلقاً كنجمةٍ لا تنطفئ، فخلف كل بابٍ موصد روحٌ تؤمن أنّ الفجر لا يُلغى، وأنّ الضوء، مهما تأخر يعرف طريقه إلى الشقوق الصغيرة.

الأسرى لا ينتظرون شفقةً، إنهم ينتظرون عدلاً ينهض من سباته، وضميراً عربيا إسلاميا يتذكّر أنّ الكرامة لا تتجزأ، وأنّ رمضان رسالة تحرّر قبل أنْ يكون موسماً للصوم.

ليكن دعاؤنا هذا العام أوسع من حدود بيوتنا، وأعلى من سقوف مساجدنا، وأصدق من دمعةٍ عابرة. ليكن دعاؤنا وعداً أخلاقيًّا بأن يبقى اسم الأسير حيّاً في الذاكرة، ونابضاً في الخطاب، وحاضراً في الفعل. فالهلال الذي لا تراه عيونهم اليوم تراه قلوبهم يقينا. نعم، يقينا بأنّ الليل مهما طال سيسلّم مفاتيحه للفجر.

وعند أول تكبيرة عيدٍ قادم سيكتب التاريخ أنّ الصبر انتصر، وأنّ الزنازين انكسرت أمام إرادة الإنسان، وأن رمضان كان شاهدا على أنّ الروح الفلسطينية وروح الأمة معها أقوى من كلّ قيد.

رمضان خلف القضبان.. عزل عن الزمن وكسر للروح

بقلم: د. منى أبو حمدية (أكاديمية وباحثة من فلسطين)

في مشهدٍ يختصر القسوة كلّها، يسأل أسيرٌ فلسطيني محاميه داخل قاعة المحكمة: “اليوم رمضان ولا لسه؟”. السؤال لم يكن عابرا، بل كان صدمةً إنسانية مدوّية.

المحامي خالد محاجنة، محامي هيئة شؤون الأسرى، روى أنه خلال زيارته لأحد الأسرى في سجن “جلبوع”، في اليوم الأول من رمضان، بادره بالتحية: “رمضان كريم، كيف الصيام؟”، فجاءه الرد مذهولاً: “اليوم رمضان؟! ما حد قال لنا إنه بدأ”.

المأساة هنا لا تختصر في الجوع، بل في القطيعة مع الزمن ذاته. أن يُحرم الإنسان من معرفة دخول شهره المقدّس، أن يُعزل عن التقويم، عن الأخبار، عن أي إشارة تدلّه على تعاقب الأيام، فذلك شكلٌ من أشكال الإلغاء المعنوي؛ إذ يتحول الوقت إلى فراغٍ ثقيل، وتذوب الأيام في عتمةٍ بلا ملامح.

رمضان في الوعي الجمعي ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام، بل زمنٌ مشترك تتواطأ فيه القلوب على الطمأنينة. هو صوت الأذان، اجتماع العائلة، لحظة الإفطار التي تحمل معنى الشكر والسكينة. غير أن الزنزانة تعيد تعريف الأشياء: لا أذان يُسمع، لا تقويم يُعلّق، لا نافذة تطلّ على هلالٍ يبشّر بالبداية. هناك جدارٌ صامت، وصمتٌ أكثر صلابة من الحديد. أما الطعام، فالصورة أشد قسوة.

بحسب ما نُقل، لا تتجاوز كمية الأرز اليومية خمسين إلى سبعين غراما. لا زيادة في رمضان، ولا مراعاة لخصوصية الشهر. يجمع الأسرى وجباتهم الثلاث، ينتظرون بها حتى المغيب، ثم ينقعون الخبز في الماء والأرز ليصنعوا إحساسا هشّا بالشبع. الإفطار هنا ليس احتفاءً بانقضاء الصيام، بل محاولةً للبقاء.

هذه الحادثة تكشف بوضوح أن العزل لا يطال الجسد وحده، بل يستهدف الوعي والروح. فحرمان الأسير من معرفة التاريخ، ومن أبسط وسائل التواصل مع العالم الخارجي، يعني تجريده من شعوره بالانتماء إلى دورة الحياة الطبيعية.

الزمن في السجن يصبح أداة ضغط، لا إطارا للحياة. ورغم ذلك، يظل في السؤال ذاته بُعد مقاومة. أن يسأل الأسير عن رمضان، فهذا إعلانٌ ضمني بأن روحه لم تُقهر، وأن ذاكرته ما زالت معلّقة بسماءٍ لا تستطيع القضبان أن تحجبها.

رمضان قد يُمنع صوته، لكن لا أحد يستطيع أن يمنع حضوره في القلب.

وقد يُحرم الأسير من رؤية الهلال، غير أن الإيمان يظل نافذته المفتوحة على الضوء.

المشهد ليس تفصيلاً عابرا، بل شهادة على معركةٍ أعمق: معركة الحفاظ على الكرامة الإنسانية في وجه العزل والإلغاء. وفي سؤالٍ بسيطٍ عن بداية الشهر، تتجلى حقيقة موجعة: أن أقسى أشكال السجن هو أن يُنتزع من الإنسان إحساسه بالزمن، ومعه جزءٌ من إنسانيته.

“كرسيّان فارغان” على مائدة رمضان.. الأسيران الشقيقان مجد وصادق أبو مازن

تقرير: إعلام الأسرى

في أول أيام شهر رمضان، زيّنت أمّ صادق مائدة الإفطار. كان رمضان مختلفًا هذا العام؛ لا مظاهر فرح ولا زينة، والألم يسكن التفاصيل.. لكنه جاء مضاعفًا. فابناها الوحيدان أصبحا معتقلين في سجون الاحتلال، ولن يكون هناك كرسيٌّ واحدٌ فارغ خلال هذا الشهر، بل كرسيّان.

منذ عام 2017، تفتقد العائلة نجلها البكر صادق ناصر أبو مازن (28 عامًا) من بلدة بيتا جنوب نابلس، أسيرًا في سجون الاحتلال. لكن الألم تضاعف هذا العام مع اعتقال نجلها الآخر، الشبل مجد ناصر أبو مازن (17 عامًا).

قدّمت الأم مائدة الإفطار، ووضعت على كل مقعد صورة لابنٍ أسير. أبت إلا أن يرافقا العائلة، ولو صورتين. تعلو المائدة ذكريات اعتقال صادق، ويتضاعف الوجع باعتقال مجد الذي لا يزال شبلًا في مقتبل أحلامه. في هذا الشهر تحديدًا، تتكاثر الأسئلة في قلب الأم: كيف يفطران؟ كيف يعيشان أيام الصيام؟ كيف هي أوضاع مجد الذي اعتُقلت طفولته معه؟

منذ عشرة أعوام وجسد الأسير صادق أبو مازن غائب عن منزله، حاضرٌ بروحه ومرحه في الذاكرة. اعتُقل بتاريخ (9/2/2017) بتهمة تنفيذ عملية إطلاق نار في بتاح تكفا، وصدر بحقه حكم بالسجن الفعلي لمدة 26 عامًا، إضافة إلى تعويض مالي بقيمة 185 ألف شيقل، لتبدأ رحلة العائلة مع السجون.

اليوم، يعيش صادق ظروفًا اعتقالية قاسية في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، وما يرافقها من تجويع وتنكيل واقتحامات مستمرة للغرف والأقسام، وحرمان من زيارة الأهالي. زيارات المحامين لا تطمئن القلوب، وفتات الأخبار لا يبدّد القلق.

ظلّ صادق طوال عشر سنوات وجع العائلة وصبرها، حتى تاريخ (20/11/2025)، حين اعتُقل شقيقه الأصغر مجد، بعد اقتحام المنزل بشكل وحشي، وتخريب محتوياته، والاعتداء عليه وعلى والده بالضرب، ليُضاف ملف ألمه إلى ملف شقيقه صاحب الحكم القاسي.

اليوم يقبع مجد في سجن مجدو، تحت اعتقال إداري بملف سري، دون تهمة واضحة أو سقف زمني محدد. صدر بحقه أمر اعتقال إداري لمدة أربعة أشهر قابلة للتجديد.

مجد أسير في مقتبل العمر، كان يستعد لإتمام مرحلة الثانوية العامة، لكن اعتقاله قطع طريقه نحو مستقبله. لا تتابع العائلة أخباره إلا عبر أسرى محررين أو من خلال محامٍ خاص.

وفوق ذلك، سُحب تصريح عمل والدهم ناصر أبو مازن، الذي تعرّض للاعتقال عدة مرات، كما اعتُقلت والدتهم سابقًا وذاقت مرارة السجن، فيما يتعرض المنزل لمداهمات متكررة.

اليوم، لا تعيش هذه العائلة الألم وحدها. في البيوت الفلسطينية، ساعة الإفطار هي ساعة دعاء لأبناء غائبين خلف القضبان؛ ابن، أو اثنان، أو ثلاثة. صورٌ لشهداء، وطعام بلا نكهة، وقلوب معلّقة بالفرج. وفي السجون، يتعمّد الاحتلال تشتيت الأسرى حول مواعيد الإفطار والصيام، عبر تشغيل الإنارة أو إطفائها في غير وقتها، وتسليمهم إمساكيات بمواعيد خاطئة.

حين يصبح السجود جريمة.. رمضان في ذاكرة أسير محرر

تقرير: إعلام الأسرى

في شهادة مؤلمة تكشف جانبًا من المعاناة الإنسانية داخل السجون، يروي الأسير المحرر الصحفي “محمد قاعود” تفاصيل شهر رمضان كما عاشه خلف القضبان، بين شوقٍ جارفٍ للحرية، وأجواءٍ إيمانية تُصنع سرًا، وسياسات قمعٍ وتجويعٍ ممنهجة، بلغت ذروتها في سجن “سديه تيمان” الذي وصفه بأنه “مسلخ تعذيب” لا سجنًا تقليديا.

انتظار رمضان.. شوق يختلط بالألم

يقول “قاعود” إن نفحات رمضان تبدأ مبكرًا داخل الأسر، منذ دخول شهر شعبان، حيث تتضاعف المشاعر الإيمانية ويبدأ الأسرى في استحضار ذكرياتهم قبل الاعتقال. كان الحديث يدور بين الأسرى عن تفاصيل حياتهم قبل الأسر:

– كيف كانوا يستعدون للشهر الفضيل؟

– كيف كانوا يجتمعون مع عائلاتهم؟

– وكيف كانوا يجهزون بيوتهم لاستقباله؟

ورغم أن الحديث عن تلك الذكريات سهل، إلا أن الشعور بها داخل الزنازين – كما يصف – ليس سهلًا أبدًا. فكل أسير يعيش حالة عزلة داخلية، يسترجع لحظات الحرية ويتخيل نفسه بين أسرته، بينما الواقع يحاصره بقيوده.

أجواء روحانية تُصنع في الخفاء

في الأسبوع الأخير من شعبان، تبدأ أجواء روحانية خاصة داخل غرف السجن. يصف قاعود هذه اللحظات بأنها “من تسالي الله للأسرى”، إذ يشعرون بانجذاب أكبر نحو العبادة.

كان الأسرى يحرصون على ختم القرآن يوميًّا، إلى جانب عقد دروس دعوية وتوعوية حول شهر رمضان. لكن هذه الحلقات كانت تُعقد خفيةً، خوفًا من أعين السجانين، إذ يُمنع أي نشاط تعبدي جماعي، ويُعرض المشاركون للعقوبة إن اكتُشف أمرهم.

صيام تحت التجويع المتعمد

يؤكد قاعود أن الصيام داخل السجن مهمة شاقة، ليس فقط بسبب ظروف الاعتقال، بل نتيجة سياسات تجويع متعمدة. ويروي أن السجانين كانوا يتعمدون اقتحام الغرف قبيل لحظات الإفطار، وسحب الطعام وقذفه في ممرات السجن والدوس عليه. وفي كثير من الأحيان، كان الأسرى يصومون أيامًا متتالية بلا طعام، مكتفين بالماء فقط. هذه الممارسات – بحسب شهادته – لم تكن حوادث فردية، بل سياسة ممنهجة لكسر إرادة الأسرى في أكثر الأوقات روحانية لديهم.

“سديه تيمان”.. حيث لا وقت ولا قانون

يتحدث قاعود عن قضائه شهر رمضان في سجن “سديه تيمان”، واصفًا إياه بأنه “مسلخ تعذيب” لا يشبه أي سجن تقليدي. في هذا المكان – كما يروي – لا يعرف الأسير الوقت، ولا يميز بين الليل والنهار، ولا يعرف من بجواره.

الأسير مطالب بالجلوس على ركبتيه طوال الوقت، معصوب العينين، مقيد اليدين، ومجرد طلب معرفة الوقت يُعد “جريمة”. ويؤكد أن القاعدة السائدة هناك هي: “عذّب بأي طريقة تريدها”. وكانت عمليات القمع شبه يومية، خاصة خلال شهر رمضان.

سحور بعد الفجر.. وحرمان من معرفة المواقيت

من أصعب ما مرّ به الأسرى – وفق قاعود – هو عدم معرفة أوقات الإمساك والإفطار. يروي أنهم كانوا يطلبون إدخال طعام السحور قرابة الساعة الثالثة والنصف فجرًا، فيأتي السجان بالطعام ويقول: “تسحروا بسرعة”، ليكتشفوا لاحقًا أن وقت السحور قد انقضى وأن الفجر قد أذن بالفعل. بهذه الطريقة، كان يُحرم الأسرى من حقهم في معرفة مواقيت عباداتهم، ويُوقعون في حرج ديني متعمد.

العبادة تحت الكاميرات.. “الصلاة برموش العيون”

بعد السابع من أكتوبر، يصف قاعود أن ظروف الاعتقال ازدادت قسوة، خاصة فيما يتعلق بالعبادات. مُنعت الصلاة الجماعية، ودروس الدين، وصلاة الجمعة، وحتى الوضوء، وغرف الأسرى في “سديه تيمان” تخضع لمراقبة بالكاميرات، حيث تُعتبر أي حركة للرأس – يمينًا أو يسارًا أو أعلى أو أسفل – سببًا للعقوبة، ويقول: “كانت صلاة الأسرى في هذا السجن من خلال رموش العيون فقط”.

قصة من العشر الأواخر

يروي قاعود أن أحد الأسرى في العشر الأواخر من رمضان، تأثر بأجواء العبادة والروحانية، فسجد لثوانٍ معدودة. رصد السجان ذلك عبر الكاميرات، فاستدعاه وأجبره على الوقوف لساعات رافعًا يديه للأعلى. بعد وقت قصير، اقتحمت قوات القمع الغرفة ونفذت عملية قمع عنيفة، تعرض خلالها الأسير للضرب المبرح، وتم تجريده من ملابسه وإجباره على السجود في تلك الحالة، في مشهد يعكس حجم الإذلال الذي يتعرض له الأسرى.

رمضان بين الروح والقيد

تكشف شهادة الأسير المحرر الصحفي “محمد قاعود” عن صورة مركبة لرمضان داخل الأسر: روحانية عميقة تتحدى القيود، وإرادة عبادة تُولد من رحم المعاناة، في مقابل سياسات قمع وتجويع ومراقبة مشددة.

ورغم القيد، يصرّ الأسرى – كما يظهر في شهادته – على أن يبقى رمضان شهرًا للثبات والعبادة، حتى وإن كانت الصلاة برموش العيون، وحتى وإن كان الإفطار على الماء فقط. إنها شهادة توثق جانبًا من تجربة إنسانية قاسية، يبقى فيها الإيمان مساحة الحرية الأخيرة خلف القضبان.

رمضان بطعم الحرية المؤجلة.. من ذاكرة الأسير المحرر “خالد السيلاوي”

تقرير مكتب: إعلام الأسرى

في كل عام، يحمل شهر رمضان معاني خاصة لدى المسلمين في أنحاء العالم، غير أن لهذه المعاني وقعًا مختلفًا لدى الأسرى داخل سجون الاحتلال. فبالنسبة لهم، لا يمثل رمضان مجرد موسم للعبادة، بل يتحول إلى مساحة روحية واسعة يتنفسون فيها الأمل، ويجددون فيها عهدهم بالصبر والثبات.. هذا ما عبّر عنه الأسير المحرر “خالد السيلاوي” في حديثه عن تفاصيل استقبال شهر رمضان خلف القضبان، حيث يمتزج الألم بالإيمان، والحنين بالرجاء.

رمضان.. فرصة المغفرة وبوابة الحرية

يقول السيلاوي إن الأسير ينتظر رمضان كما ينتظر الغريق طوق النجاة. فهو يرى فيه فرصة إلهية لتحقيق أمرين أساسيين: المغفرة والحرية. فشهر رمضان، شهر استجابة الدعاء وتبدل الأحوال، لذلك تتضاعف فيه حالة التوجه إلى الله تعالى بطلب الفرج القريب. ويضيف أن الأسير يعيش أجواء رمضان قبل قدومه بأسابيع، فيضع برنامجًا تعبديًّا خاصًا به، يسعى فيه إلى استثمار كل دقيقة، إدراكًا منه أن الوقت هو رأس ماله الوحيد داخل السجن. وفي ظل حرمانه من أبسط مقومات الحياة، تصبح العبادة ملاذًا نفسيًا وروحيًا يعيد له توازنه.

الاستعداد الروحي.. ومنافسة في الطاعة

قبل حلول الشهر بأسبوع تقريبًا، تبدأ حالة التعبئة الروحية داخل الأقسام. تُلقى خطب الجمعة، وتُعقد المحاضرات التوعوية، وتُعمم عناوين إيمانية تحث الأسرى على استقبال الشهر بالتهيئة النفسية والروحية.

يؤكد السيلاوي أن روح المنافسة الإيجابية تسود بين الأسرى خلال رمضان؛ فمنهم من يسعى لختم القرآن مرات عدة، ومنهم من يحرص على قيام الليل، وآخرون يتنافسون في الحفظ والمطالعة الدينية. فالسجن، رغم قسوته، يمنحهم وقتًا طويلًا يستثمرونه في العبادة والقراءة والتثقيف الذاتي.

هذه الروح الجماعية تعززها ثقافة الحركة الأسيرة، التي تستلهم من تجارب قادة أمضوا سنوات طويلة في الأسر، فحوّلوا معاناتهم إلى محطات بناء وصقل للذات.

محاربة اليأس.. بنفحات الإيمان

لا ينكر السيلاوي أن الأسرى يمرون بلحظات قاسية من الإحباط، خاصة مع طول سنوات الاعتقال. غير أن رمضان يأتي، بحسب وصفه، “كماسحة لكل ذرة يأس في قلب الأسير” فالأجواء الإيمانية، وتلاوة القرآن، والدعاء الجماعي، كلها عناصر تعيد بث الروح في النفوس.

وتبرز مشاعر الحنين بشكل أكبر في الفترة التي تسبق رمضان والأعياد، حيث تتجدد ذكريات اللقاءات العائلية والزيارات، في تلك اللحظات، قد تنساب الدموع شوقًا للأهل والأبناء، لكن الإيمان يبقى عامل الثبات الأول.

تنظيم داخلي رغم القيود

يشير السيلاوي إلى أن الأسرى يشكّلون لجانًا داخلية لتنظيم فعاليات الشهر الفضيل، تشمل البرامج الدينية، وتنظيم أوقات العبادة، وترتيب شؤون الحياة اليومية داخل الغرف. هذه اللجان تساهم في خلق أجواء رمضانية، رغم محاولات إدارة السجون سلبهم كل مظاهر الاستقرار.

فالحياة داخل السجن قائمة على عنصر القمع والمفاجآت الأمنية، حيث يبقى حضور السجان عاملًا دائمًا للخوف والتهديد. ومع ذلك، يصر الأسرى على صناعة تفاصيلهم الرمضانية الخاصة، ولو بأبسط الإمكانيات.

العبادة تحت المراقبة والقمع

تحدّث السيلاوي عن مرحلة شديدة الصعوبة أعقبت السابع من أكتوبر، حيث صادرت إدارة السجون معظم الأدوات والكهربائيات، ما صعّب على الأسرى معرفة أوقات الصلاة بدقة. بل وصل الأمر إلى عدم القدرة على تحديد بداية شهر رمضان إلا من خلال الاجتهاد والتخمين.

ويروي حادثة شخصية تؤكد حجم المعاناة؛ ففي ليلة يُعتقد أنها بداية رمضان، اقتحمت وحدة قمع إحدى الغرف واعتدت على الأسرى بالضرب. وخلال الاعتداء، قال أحد السجانين مخاطبًا الأسرى: “هذا أول استقبال لكم لشهر رمضان وصيامكم، وسنرى كيف ستصومون”. ومن هنا أدركوا أن اليوم التالي هو أول أيام الشهر. ورغم ذلك، وبعد انتهاء صلاة التراويح، كان كل أسير يتخذ زاوية صغيرة في الغرفة ليحيي ليله بالعبادة. فالصلاة الجماعية غالبًا ما تكون ممنوعة، وأي محاولة لإقامتها قد تُقابل بالقمع والعقوبات.

بين القيد والإيمان.. صورة الصمود

تعكس شهادة الأسير المحرر خالد السيلاوي صورة مركبة للحياة داخل المعتقلات خلال شهر رمضان؛ صورة تمتزج فيها القسوة بالأمل، والحرمان بالروحانية. فبين جدران ضيقة، وتحت مراقبة دائمة، يصنع الأسرى عالمهم الخاص، ويحوّلون الشهر الفضيل إلى محطة تجديد للعهد مع الله ومع الحرية.

رمضان في الأسر ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل هو صيام عن اليأس، وتمسّك متجدد بالأمل. وفي كل دعاء يرفعه أسير في جوف الليل، تتجسد حكاية إنسان يتشبث بحقه في الحرية، مؤمنًا بأن بعد العسر يسرًا، وأن فجر الحرية، مهما طال الليل، آتٍ لا محالة.

الأسرى الفلسطينيون.. معاناة تتضاعف في شهر رمضان

بقلم: شريف الصباغ

يحلّ شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه معاني الرحمة والسكينة والتكافل، غير أنّ هذه المعاني تغيب قسرًا عن حياة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، حيث تتحوّل أيام الصيام إلى فصول جديدة من المعاناة والقهر. فبدل أن يكون رمضان شهر الطمأنينة، يصبح شهرًا إضافيًا من الصبر القاسي على الجوع والمرض والحرمان.

يعاني الأسرى خلال رمضان من سوء نوعية الطعام وقِلّته، وتأخير متعمّد لوجبات الإفطار والسحور، ما يجعل الصيام عبئًا صحيًا ونفسيًا كبيرًا، خاصة على الأسرى المرضى وكبار السن. كما تُفرض عليهم قيود مشددة في أداء الشعائر الدينية، مثل الصلاة وقراءة القرآن، في انتهاك واضح لحرية العبادة التي تكفلها القوانين الدولية.

ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ يواجه الأسرى سياسات عقابية جماعية تتصاعد في هذا الشهر، كمنع الزيارات، وعمليات التفتيش الليلية، والعزل الانفرادي، والإهمال الطبي المتعمد. وتؤكد تقارير حقوقية صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن ظروف الاحتجاز خلال المواسم الدينية تزداد قسوة، ما يستدعي تدخلاً إنسانيًا عاجلًا.

ورغم كل هذه الظروف القاسية، يثبت الأسرى الفلسطينيون قدرة استثنائية على الصمود، حيث يتقاسمون القليل الذي يملكونه، ويصنعون من الألم أملًا، ومن الصبر عبادة. في رمضان، تتحوّل الزنازين إلى مدارس للصبر، ويغدو الدعاء سلاحًا معنويًا في وجه الظلم.

إن معاناة الأسرى في شهر رمضان تضع على عاتق الأمة مسؤولية أخلاقية وإنسانية، تتمثل في نصرتهم بالدعاء، ونقل قضيتهم إلى العالم، وعدم السماح بأن يمرّ هذا الظلم في صمت. فحرية الأسرى حق، ورمضان يجب أن يكون شهر كرامة وعدل، لا شهر عذاب خلف القضبان.

الأسرى في رمضان تحت التصعيد.. التجويع الممنهج.. وعائلات تعيش على حافة القلق

تقرير: مؤسسة العهد الدولية

يدخل آلاف الأسرى الفلسطينيين شهر رمضان هذا العام في ظل تصعيد غير مسبوق داخل سجون الاحتلال، يتقاطع فيه التجويع مع قمع العبادة، ويُعرض فيه الإذلال على الكاميرا كرسالة سياسية. وخلال الأيام الماضية، شكّل اقتحام سجن عوفر وما رافقه من اعتداءات وتهديدات قبل رمضان محطة مفصلية تؤكد أن ما يجري ليس إجراءات متفرقة، بل سياسة معلنة تتوسع قبل الشهر الفضيل.

اقتحام “عوفر”.. الدوس على الرؤوس وتهيئة التصعيد قبل رمضان

في 13 فبراير/ شباط 2026، اقتحم وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” سجن “عوفر” برفقة مدير مصلحة السجون، وفق ما أعلنه نادي الأسير الفلسطيني في بيان منشور بتاريخ 16 فبراير/ شباط 2026. وأفاد النادي أن “بن غفير” اعتدى على أسرى بالدوس على رؤوسهم خلال اقتحام نفذته وحدات خاصة داخل القسم 26، واستمر قرابة ربع ساعة خلال ما يسمى بالفحص الأمني المسائي، وسط استخدام الكلاب البوليسية وقنابل الصوت.

وبحسب شهادات نقلتها محامية تابعة لنادي الأسير زارت عددا من الأسرى بعد الاقتحام، فإن العملية جرت بتغطية إعلامية إسرائيلية، وظهرت مشاهدها لاحقا على منصات التواصل، حيث بدا الجنود يوجهون أسلحتهم نحو الأسرى داخل غرفهم.

وخلال الاقتحام، وجّه بن غفير تهديدات مباشرة للأسرى، محذرا من أي تحركات خلال شهر رمضان، ومهددا بتشديد العقوبات إلى حين إقرار قانون يسمح بإعدامهم، مكررا خطابه بأن السجون أصبحت سجنا حقيقيا وليست فندقا. هذا الربط بين الاقتحام والتهديدات قبيل رمضان يعكس تهيئة ميدانية وسياسية لتشديد القمع خلال الشهر، لا سيما فيما يتعلق بالصيام والعبادة والتنظيم داخل الأقسام.

من تشديد إداري إلى سياسة ردع معلنة

في 3 فبراير/ شباط 2026، صرّح “بن غفير”، وفق ما ورد في المعلومات المنشورة، أن مسؤولي جهاز الشاباك أبلغوه بأن الفلسطينيين يخشون تنفيذ عمليات لأن سجون “بن غفير” جحيم، حسب زعمه. وعلى المستوى المؤسسي، أعلنت مصلحة السجون في ديسمبر/ كانون الأول 2025 أنه لا نية لتخفيف شروط الاحتجاز، وأن السياسة التي يقودها الوزير ناجعة وتخدم الردع.

هذا التوصيف الرسمي يمنح التشديد صفة السياسة المعتمدة لا التجاوز، ويؤكد أن ما يجري داخل السجون يُقدَّم بوصفه أداة ردع مقصودة، لا نتيجة ظروف طارئة. وبالتوازي، أقر الكنيست في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 بالقراءة الأولى مشروع قانون إعدام الأسرى، الذي يدفع به بن غفير وحزبه، بانتظار القراءتين الثانية والثالثة.

رمضان داخل السجون.. الجوع قاعدة والصلاة مخاطرة

رغم مرور خمسة أشهر على قرار المحكمة العليا “الإسرائيلية”، الذي أقر بعدم كفاية الطعام المقدم للأسرى، تؤكد شهادات محررين استمرار سياسة التجويع، مع تقليص الكميات ورداءة النوعية، وغياب أي مراعاة حقيقية لخصوصية رمضان.

تتحدث الشهادات عن وجبات محدودة، شوربة توصف بأنها ماء ساخن، تقنين للمياه، وتأخير متعمد للطعام في رمضان. بعض الأسرى لجأوا إلى جمع وجباتهم لتناولها دفعة واحدة، لا تعبدا فقط، بل لأن الجوع صار القاعدة اليومية.

إحدى الشهادات تقول: كنا ندخر نصف حصة الخبز ليوم السبت لنشعر بالشبع ولو لمرة واحدة في الأسبوع، نحن لا نشبع أبدا داخل السجون. ويقول أسير محرر آخر “موضوع الأكل، بعد الموضوع الديني، كان الأسوأ. كل الأسرى بدون استثناء، كل واحد منهم نزل على الأقل 25 كيلو. في ناس نزلت أكثر من 45 إلى 50 كيلو.

كانوا يوزعوا: رز بكاسة. شوربة بكاسة. الشوربة مي. ممكن يكون فيها 3 أو 4 حبات حمص. لكن الأكل ما كان يكفي. سألنا أحد الضباط. قال: هذا اختيار المستوى السياسي. في خبيرة تغذية اختارتها الحكومة عشان تعطيكم هاي الكمية عشان ما تموتوا. عشان تعيشوا.

أما فيما يتعلق بالعبادة، فتظهر الشهادات نمطا متكررا من منع الصلاة الجماعية، منع الأذان، ومعاقبة أي حركة قد تُفسر على أنها صلاة”. ممنوع من الصلاة ممنوع من الكلام ممنوع من التنفس ممنوع من الحركة ممنوع من كل شيء. حتى اسمك يصير رقم. كنا نصلي بالعينين لأنه ممنوع تحريك شفايفك. السؤال عن الوقت جريمة. ما بنعرف إذا صلينا الظهر أو العصر. اعتقلت في الأسبوع الأول من رمضان، كنت مخطط أحفظ القرآن. بدل اسمي صار رقم.

ويضيف محرر آخر: في رمضان كانوا يتعمدوا تأخير الأكل. أحيانا وجبة واحدة سيئة جدا لا تكفي طفل صغير. الصلاة كانت ممنوعة، مجرد أنك تحرك شفايفك يعرضك للعقاب. كنا نصلي بالإيماء، أحيانا بالعين فقط.

هذه الشهادات تتقاطع مع ما أعلنته مؤسسات حقوقية بشأن استخدام الجوع كأداة ضغط نفسي وجسدي، وتحويل الممارسة الدينية إلى مساحة عقاب.

الأرقام المحدثة.. شهداء وأسرى واعتقالات

بحسب بيان نادي الأسير الفلسطيني المنشور في 16 فبراير/ شباط 2026، ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة المعلومة هوياتهم منذ بدء الحرب إلى 88 شهيدا، بينهم 52 معتقلا من غزة، قضوا نتيجة التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، إضافة إلى اعتداءات وانتهاكات جسيمة. وأشار البيان إلى أن هذه الفترة تعد الأكثر دموية في تاريخ الحركة الأسيرة، لترتفع حصيلة الشهداء منذ عام 1967 ممن عرفت هوياتهم إلى 325 شهيدا.

كما ارتفع عدد جثامين الشهداء المحتجزة من الأسرى المعلومة هوياتهم إلى 96 شهيدا، بينهم 85 استشهدوا بعد اندلاع الحرب. وتذكر تقارير حقوقية وإعلامية أن عدد الوفيات منذ تولي “بن غفير” وزارة الأمن القومي تجاوز المئة، مع الإشارة إلى أن الرقم قد يكون أكبر بسبب حجب المعلومات واحتجاز الجثامين، غير أن الرقم المرجعي المثبت رسميا في هذا التقرير هو 88 شهيدا وفق بيان نادي الأسير الأخير.

أما عدد الأسرى فيتجاوز 9300 أسير حتى مطلع 2026، بينهم نحو 350 طفلا، و3300 معتقل إداري دون تهمة. ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 سُجل أكثر من 22 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية، في سياق تصعيد ممنهج شمل اقتحامات واسعة قبيل رمضان، وفق بيانات نادي الأسير.

رمضان خارج السجون.. عائلات تعيش على المكالمة القصيرة

في الخارج، تعيش عائلات الأسرى رمضانها على وقع القلق. أم تنتظر مكالمة لن تأتي. أب يحاول أن يفهم من خبر عابر إن كان ابنه فقد وزنه أو تعرض للعقاب لأنه صلى. مقعد يبقى فارغا على مائدة الإفطار، وصورة تتحول إلى الحضور الوحيد.

الحرمان من الزيارات، وتقييد الاتصال، وتحوّل الأخبار الطبية إلى مصدر رعب يومي، كلها تجعل العائلة تعيش شكلا ممتدا من الأسر النفسي. رمضان هنا ليس فقط شهرا روحيا، بل امتحانا يوميا للصبر أمام غياب المعلومة والاطمئنان.

قراءة قانونية

اقتحام سجن “عوفر” وما رافقه من اعتداءات، التهديدات الجماعية قبل رمضان، التجويع الممنهج، منع أو تقييد الشعائر الدينية، الإهمال الطبي، احتجاز الجثامين، وارتفاع أعداد الوفيات، جميعها مؤشرات خطيرة على نمط معاملة قد يرقى إلى المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، بل وإلى جرائم حرب عندما يكون الفعل جزءا من سياسة عامة أو ممارسة واسعة النطاق ضد فئة محمية.

تقديم هذه السياسات بوصفها ناجعة وتخدم الردع، وربطها بتشريع مقترح للإعدام، يعمق المخاوف من تحويل السجن إلى أداة عقاب سياسي خارج حدود المعايير القانونية الدولية.

موقف “العهد الدولي” الخاص بالأسرى

يؤكد العهد الدولي الخاص بالأسرى أن ما يجري داخل سجون الاحتلال، لا سيما في ضوء اقتحام عوفر والتهديدات المرتبطة بشهر رمضان، يستوجب تدخلا دوليا عاجلا.

يطالب “العهد” بفتح السجون أمام رقابة دولية مستقلة، وضمان الحق في الغذاء الكافي والرعاية الصحية، ووقف سياسة التجويع والإذلال، وتمكين الأسرى من ممارسة شعائرهم الدينية دون عقاب، وفتح تحقيق دولي مستقل في ملابسات الوفيات واحتجاز الجثامين، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

في ظل هذا التصعيد، يبقى السؤال مفتوحا، هل يتحول رمضان داخل السجون إلى موسم جديد من العقاب الجماعي، أم يكون لحظة اختبار حقيقية لمدى التزام المجتمع الدولي بحماية من هم خلف القضبان.

رمضان خلف القضبان… شهادات أسرى محررين تكشف تفاصيل الحياة في سجون الاحتلال

تقرير صحفي: ثامر سباعنة

مع حلول شهر رمضان، تتجه الأنظار إلى الأجواء الإيمانية التي تملأ البيوت والمساجد، حيث تجتمع العائلات حول موائد الإفطار، وتتعالى أصوات الدعاء والقرآن. غير أن آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال يستقبلون الشهر الفضيل في ظروف قاسية، تحكمها القيود والعزل وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.

في كل إفطار داخل السجن، يكون غياب العائلة حاضرًا بقوة. موائد البيت التي كانت تجمع الأحبة تتحول إلى ذكرى موجعة، ورسائل الأهل – إن وصلت – تكون قليلة أو ممنوعة، ما يجعل الشوق للأهل والحرية مضاعفًا. “رمضان يمر، لكن الغياب ثقيل”، عبارة تختصر واقع الأسرى، حيث يصبح الاشتياق نارًا لا تنطفئ، ويغدو الصبر زادهم اليومي. في هذا التقرير، نستعرض شهادات ثلاثة أسرى محررين، نقلوا لنا صورة حيّة عن تفاصيل رمضان خلف القضبان.

يقول الأسير المحرر فارس سباعنة من قباطية: “أصعب لحظة في رمضان داخل السجن هي لحظة أذان المغرب. كنت أتخيل والدتي وهي تضع الطعام على المائدة، وأبي يجلس في مكانه المعتاد، وإخوتي حوله. في الزنزانة، كنا نجلس بصمت، ننتظر وجبة بسيطة لا تشبه إفطار رمضان. الغياب كان حاضرًا أكثر من أي شيء آخر”.

ويضيف سباعنة: “كنا نحاول أن نحافظ على روح الشهر، فنقيم صلاة الجماعة ما أمكن، ونتشارك القليل الذي نملكه. أحيانًا كانت الرسائل تُمنع عنا، وأحيانًا تصل بعد شهور. لكننا كنا نحول الزنزانة إلى مساحة ذكر وتلاوة قرآن. رمضان بالنسبة لنا كان مساحة مقاومة معنوية”.

من جانبه، يؤكد الأسير المحرر “مرشد شوامرة”، من رام الله، أن روح الجماعة داخل السجن كانت السند الأكبر للأسرى في رمضان. ويقول: “رغم القيود، كنا نتشبث ببعضنا البعض. نتقاسم التمر إن توفر، ونوزع الطعام بعدل، ونحرص على ألا يشعر أحد بالوحدة. الزنازين كانت تتحول إلى حلقات ذكر وقراءة قرآن. كنا نخلق من ضيق المكان فسحة أمل”.

ويتابع شوامرة: “رمضان في السجن ليس مجرد صيام عن الطعام، بل صيام عن الحرية. هو اختبار يومي للصبر. كنا نقاوم العزل بالإيمان، ونقاوم القهر بالانتماء لبعضنا البعض. كانوا يستطيعون تقييد أجسادنا، لكنهم لم يستطيعوا تقييد أرواحنا”.

أما الأسيرة المحررة (م. ب)، من نابلس، فتصف رمضان في سجون الاحتلال بقولها: “الاشتياق لا ينطفئ، خاصة حين تتذكرين أبناءك وأهلك. في كل إفطار كنت أستحضر وجوههم أمامي. الرسائل كانت قليلة جدًا، وأحيانًا تُمنع بالكامل. ذلك كان أشد ألمًا من الجوع نفسه”. وتضيف:

“كنا نحاول أن نحافظ على صلاة الجماعة وقيام الليل، ونشجع بعضنا البعض. حولنا الزنزانة إلى مساحة إيمان وصمود. رمضان كان يمنحنا طاقة روحية كبيرة، رغم كل شيء. كنا نشعر أن الشهر يمنحنا قوة إضافية على التحمل”.

شهادات الأسرى المحررين تؤكد أن رمضان خلف القضبان ليس شهرًا عاديًّا، بل محطة مضاعفة من الألم والصبر. غياب العائلة، موائد تتحول إلى ذكرى موجعة، رسائل قليلة أو ممنوعة، وشوق متزايد للحرية. ومع ذلك، تبقى روح المقاومة حاضرة، ويظل رمضان بالنسبة للأسرى مساحة إيمان وصمود، تتحول فيها الزنازين إلى ساحات مقاومة معنوية.

رمضان يمرّ، لكن حكاية الأسرى لا تنتهي، والاشتياق لا ينطفئ.

رمضان خلف القضبان… حين يتحوّل الصوم إلى وجعٍ دائم

بقلم: سامي إبراهيم فودة

ليس كلُّ رمضان يأتي بالطمأنينة. وليس كلُّ صائمٍ ينتظر أذان المغرب على مائدةٍ عامرةٍ أو دعاءٍ هادئ. هناك.. خلف أسوار السجون التابعة لـ مصلحة السجون الإسرائيلية، يدخل الأسرى الفلسطينيون شهر رمضان بلا سحورٍ يقيهم جوع النهار، ولا إفطارٍ يُشبه فرحة الغروب. يدخلونه مثقلين بسلسلةٍ أخرى من الحرمان، حيث يتحوّل الصوم من عبادةٍ إلى معاناةٍ مضاعفة، ومن شعيرةٍ روحيةٍ إلى اختبارٍ يوميٍّ للبقاء.

سحورٌ غائب.. وإفطارٌ من فتات

في الوقت الذي تستعد فيه البيوت لاستقبال الشهر الكريم، يظلّ الأسير الفلسطيني في زنزانته الضيّقة، ينتظر وجبةً لا تكفي جسدًا ولا تحفظ كرامة. تفيد شهادات الأسرى المفرج عنهم أنّ كثيرين منهم يُجبرون على الاكتفاء بلقيماتٍ معدودة، وأنّ وجبتي السحور والإفطار غالبًا ما تفقدان أبسط مقومات التغذية السليمة، في ظلّ سياسة تقليص الطعام وحرمانهم من الاحتياجات الأساسية.

رمضان هناك ليس موعدًا مع الشوربة الساخنة ولا التمر والماء، بل هو موعدٌ مع الجوع المستمر، حيث يفقد الأسرى أوزانهم بشكلٍ ملحوظ، وتضعف أجسادهم تحت وطأة نقص الغذاء وسوء الرعاية. صيامهم لا ينتهي بأذان، لأن الجوع لا ينتهي مع الغروب.

عامان من الحرمان.. وصبرٌ لا ينكسر

منذ أكثر من عامين، تتصاعد شهادات حول تشديد الإجراءات داخل السجون، سواء في تقليص الزيارات أو التضييق في ظروف المعيشة. وبين الجدران الإسمنتية الباردة، يعيش الأسير حرمانًا شبه كامل من أبسط مقومات الحياة: غذاء كافٍ، علاج منتظم، أو حتى طقوس رمضانية تعيد إليه شيئًا من إنسانيته. الأسير هناك لا يصوم يومًا… بل يصوم عامًا كاملاً. يصوم عن عائلته، عن أطفاله، عن دفء البيت، عن صلاة التراويح في مسجد الحي، وعن صوت أمه وهي توقظه للسحور.

وفي الزنازين، حين يعلو أذان المغرب من بعيد، لا تُسمع إلا همسات الدعاء، وأصوات المعدة الخاوية، وقلوبٌ تزداد يقينًا أن الحرية وحدها هي العيد الحقيقي.

بين القانون والواقع

تكفل القوانين والمواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، حقوق الأسرى في الغذاء والرعاية الصحية والمعاملة الإنسانية. غير أنّ الواقع الذي تنقله شهادات المحررين يرسم صورةً قاسية: نقصٌ في الطعام، اكتظاظ، وقيودٌ تمسّ تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك خصوصية الشهر الفضيل. رمضان في السجن لا يُقاس بالأيام، بل بعدد اللحظات التي يصمد فيها الأسير أمام الجوع، دون أن ينكسر إيمانه أو تسقط روحه.

رسالة إلى العالم

رمضان ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام، بل هو كرامةٌ وعدالةٌ ورحمة. وحين يُحرم الأسير من حقه في وجبةٍ تحفظ حياته، فإن المسألة تتجاوز حدود السجن، لتصبح سؤالًا أخلاقيًا موجّهًا إلى الضمير الإنساني كله.

الأسرى في سجون الاحتلال لا يطلبون امتيازاتٍ خاصة، بل حقهم الطبيعي في معاملةٍ إنسانية تحفظ لهم حياتهم وكرامتهم. يصومون وهم يعلمون أن خلف الجدران شعبًا يدعو لهم، وأمهاتٍ يرفعن الأكفّ كلَّ سحرٍ، وأطفالًا يحفظون أسماءهم كما تُحفظ السور القصيرة.

هناك.. في الزنازين الضيقة، يتجدد معنى الصبر. وهنا.. خارج الأسوار، يتجدد الواجب. رمضانهم جوعٌ ووجع.. لكنّ إرادتهم أكبر من القضبان.

رمضان الشهر الأجمل والأصعب دون “يزن”

بقلم: د. رولا خالد غانم

شهر رمضان جميل بكل تفاصيله، وروحانياته، وذكرياتي معه كثيرة، لا تزال عالقة في ذهني، كان لرمضان نكهة مختلفة وخاصة، فقد ارتبط سابقا بلمة العائلة، وضرب المدفع، والمسحراتي، الذي كنا ننتظره على أحر من الجمر ونجوب معه شوارع الحي ونحن صغار، كنا نشعر بسعادة مطلقة آنذاك ونحس بالأمان في ظل وجود الوالدين، والمسجد الملاصق لبيتنا، الذي ترعرعنا داخل أسواره، رمضان شهر الخير والروحانيات والعبادات منذ زمن وسيبقى، مع أن الظروف التي نعيشها الآن في فلسطين قاسية، وتحرمنا من كثير من الامتيازات، حيث كنا نزور المسجد الأقصى المبارك كل عام، ونصلي ونفطر بباحاته، ونحيي ليلة القدر هناك، شعورنا لا يوصف ونحن في أكناف بيت المقدس، سكينة مطلقة تلفنا من كل جانب وتجرد، وخلاص من كل الهموم، كنا نشعر بأن الله يرانا ويسمعنا ويتقبل دعاءنا على الفور، لكننا لم نتمكن من الزيارة هذا العام، ليس بسبب الذل على حاجز قلنديا فقط، بل لأن الوضع غير آمن، فالجيش والمستوطنون ينتشرون في كل مكان، والحواجز التي لا تعد، تقطع أوصال الوطن، وفي كل مرة نزور بها مدينة القدس نشعر وكأنها المرة الأولى، لشدة دهشتنا من جمالها، كنا نصل باب العمود والقدس تنهض من نومها، نتمتع بسماع الآيات القرآنية التي ترد الروح، وأبواب المحلات التجارية التي كانت تقرع في آذاننا وكأنها ترانيم رائعة، كنا نسير ببطء نتمعن خيرات الأسواق، نشتم عبق رائحة البخور، والبهارات المشكلة، نتأمل التحف الفنية المبهرة، أباريق الشاي المزخرفة، وقدور الفخار الملونة، تلمع أعيننا سرورا وفرحا، نسير نحو سوق العطارين، نرى جنودا مدججين في الأسلحة، فنطبق أعيننا ونحبس أنفاسنا، حتى نمر عنهم بسلام، فنحن لا نحمل تصاريح رسمية تمكننا من الدخول بأمان مدينتنا المقدسة، فلربما يوقفنا جندي، ويتطاول علينا، ويعتقلنا..

كنا نقطع سوق العطارين، نسترد أنفاسنا، نشتري الكعك والفلافل من السوق القريب من باب السلسلة، نزور كنيسة القيامة نرى مزيجا من البشر، ذوي البشرة السمراء والبيضاء والحنطية، نرى الأطفال المتدينين من اليهود بسوالفهم وقبعاتهم السوداء، والمسلمين بلحاهم ودشاديشهم البيضاء، والقسيسين والرهبان بأثوابهم السوداء، نسمع عدة لغات العربية والإنجليزية والآرامية والعبرية، نسمع جرس الكنيسة يقرع، وصوت الأذان، تمازج غريب مسجد، كنيسة، كنيس يهودي، وأجمل الأماكن المسجد الأقصى، بأبوابه المتعددة وباحاته الواسعة، وقبته التي تلمع عن بعد تشد الناظر إليها، فيلهث حتى يصلها، مشاعر متضاربة تتملكنا، فرح ورهبة وسكينة عندما نطأ أطهر أرض، وحزن وشعور بالعجز بسبب الجنود الذين يطوقون عنق المسجد الأقصى، بل يمرحون في ساحاته.

أما على الصعيد الشخصي، فغياب “يزن” للسنة الثانية على التوالي، أثّر بي كثيرا، فلم أعد أستمتع كما السابق، أتجرع مرارة الغياب كلما أجلس على مائدة الإفطار، أتذكر الأطعمة الني كان يحبها، خاصة طبق الحمص الذي كان يشتريه بنفسه، ومقعده المفضل، وصحن الشوربة، أبكي بحرقة يوميا، وأضع صورته على مقعده الفارغ، ولا أستلذ بالطعام وابني الصغير يتضور جوعا خلف القضبان، يفطر على ثلاث ملاعق أرز فقط، ويحرم من الأغذية الضرورية لجسده الذي بات نحيلا جدا، بسبب خسارته أكثر من عشرين كيلو غراما، وبسبب مرض (الاسكابيوس) الجرب والباسور، وافتقاده للعلاج، شأنه شأن كل الأسرى، مع ذلك لم نقنط من رحمة الله، ولم نسمح لليأس أن يتسلل إلى قلوبنا، رغم اللوعة ونار الاشتياق التي تهب باستمرار، لأن لدينا يقين بأن رحمة الله التي وسعت كل شيء ستسعنا، وتلطف بأولادنا وقلوبنا، وبأننا نؤجَر على كل لحظة صبر..

رمضان في قبضة السجّان

بقلم: أمجد النجار (مدير عام نادي الأسير – المتحدث الرسمي)

وضع الأسرى الفلسطينيين في شهر رمضان بعد السابع من أكتوبر لم يكن رمضان يومًا شهرًا عاديًّا في وجدان الأسرى الفلسطينيين. ففي الزنازين الضيقة، كان يتحوّل إلى مساحةٍ للروح، ونافذةٍ يطلّ منها الأسير على أهله، ولو بالدعاء والذكر. كان الشهر يمنحهم معنى مختلفًا للثبات، ويخفف عنهم وطأة السجن بقليل من الجماعة والعبادة.

لكن بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، دخل رمضان على الأسرى مثقلاً بإجراءاتٍ غير مسبوقة، غيّرت ملامح الشهر داخل السجون، في ظل تصعيد واسع في السياسات العقابية، ارتبط باسم وزير الأمن القومي للكيان “إيتمار بن غفير”، الذي تبنّى نهجًا يقوم على تشديد ظروف الاعتقال وتقليص ما سماها “الامتيازات”، وهي في حقيقتها إنجازات وحقوق إنسانية أساسية حققها الأسرى بفعل تضحيات وإضرابات عن الطعام. رمضان هذا العام لم يكن فقط شهر صيام، بل اختبارًا مضاعفًا للصبر داخل قبضةٍ أشد قسوة.

أولاً: الطعام.. من موائد الإفطار إلى سياسة التجويع

كان رمضان في السجن يعني وجبتين ينتظرهما الأسير بشغف: إفطار وسحور. لحظتان تُعيدان ترتيب اليوم، وتمنحان الصائم معنى خاصًا للوقت. أما بعد أكتوبر، فقد وثق نادي الأسير شهادات أسرى ومحامون من تقليص كميات الطعام ورداءته، وحرمان كثيرين من انتظام الوجبات. اختفت التمور، وغابت الشوربة الساخنة، وتحول الإفطار إلى وجبات باردة تُقدَّم دفعة واحدة، بكميات “لا تسمن ولا تغني من جوع”، وفق شهادات منقولة.

في بعض السجون، دخل الأسرى الشهر بلا سحور حقيقي، بينما أصبح الإفطار لحظة وجع بسبب الجوع المتراكم. هكذا تحوّل الصيام من عبادة اختيارية إلى معاناة مضاعفة، يجتمع فيها الجوع المفروض مع الصوم المفروض.

ثانيا: التعتيم على المواقيت.. صيام بلا أذان

من أخطر الإجراءات التي طالت الشهر الفضيل تعمّد إخفاء مواعيد أذاني الفجر والمغرب، ومنع إدخال الإمساكيات، ما حرم المعتقلين من معرفة مواقيت الصيام والإفطار بدقة.

في سجن “عوفر” القريب من رام الله، وجّه أسرى نداءات عبر رسائل نقلها مُحرَّرون، طالبوا فيها أئمة المساجد في القرى المحيطة برفع صوت الأذان عبر مكبرات الصوت، لعلّ النداء يصل إليهم خلف الجدران.

كما أفادت شهادات قانونية أن هذه الممارسات لا تقتصر على سجن واحد، بل تمتد إلى سجون أخرى مثل سجن “جلبوع”، حيث فوجئ أسرى بدخول رمضان دون إبلاغ رسمي. ونُقلت شهادة عن أسير علم ببدء الشهر صدفة أثناء جلسة محاكمته، بعدما ظلّ في عزلة تامة عن أي مؤشر زمني. لم يعد السؤال: متى نفطر؟ بل: كيف نعرف أننا دخلنا رمضان أصلًا؟

ثالثا: العزلة وقطع التواصل.. تفكيك روح الجماعة

كان رمضان يمنح الأسرى جرعة تضامن جماعي؛ صلاة مشتركة، تلاوة قرآن، تبادل أطباق بسيطة بين الغرف، وشعور بالأخوة يخفف عنهم ثقل القيود. “كنا نتقاسم اللقمة، ونتقاسم الدعاء، هذا الشعور بالأخوة كان يمنحنا القوة”، هكذا تصف شهادات سابقة أجواء الشهر خلف القضبان. لكن إجراءات العزل المشددة، وتقليص “الفورة”، ومنع التجمعات، حوّلت كثيرًا من الأسرى إلى أفراد معزولين في زنازين مغلقة، بلا روح الجماعة التي كانت تشكل درعًا نفسيًا لهم.

وبقيت الإجراءات العقابية مستمرة من منع الصليب الأحمر الدولي ومنع زيارات العائلات لأبنائهم، وعرقلة تواصل المحامين مع الأسرى بطمأنة عائلاتهم لتبقى الأمهات أمام موائد الإفطار بكرسي فارغ، وصوتٍ لا يأتي، ورسالةٍ قد لا تصل.

رابعًا: الأسيرات.. رمضان خلف أبواب “الدامون”

نحو 70 أسيرة فلسطينية يقضين شهر رمضان في سجن “الدامون”، بينهن 24 أمًا، في ظروف اعتقال صعبة وحرمان من أبسط الحقوق. تفيد شهادات أسيرات محررات بأن إدارة السجن تمنع إدخال الإمساكيات، وتقدّم وجبات باردة دفعة واحدة، وشوربة “أشبه بالماء”، ومياه غير نظيفة، وكميات طعام محدودة: ثلاث ملاعق من الأرز، بيضة مسلوقة، ست قطع خبز يوميًا، وخضار قد تكون فاسدة. أي اعتراض قد يقابل بعقوبات تصل إلى الحرمان من الطعام.

إلى جانب ذلك، يبرز الإهمال الطبي، خاصة للمصابات بأمراض مزمنة، حيث يُقدَّم دواء واحد لحالات مختلفة، في ظل غياب رعاية صحية ملائمة. معظم الأسيرات معتقلات بتهمة “التحريض”، ومن بينهن صحفيات وطالبات جامعيات وقاصرات، ما يجعل غيابهن في رمضان جرحًا إضافيًا في بيوت عائلاتهن.

خامسا: البعد النفسي.. رمضان تحت ضغط الحرب

رمضان خارج السجن يعني العائلة، المائدة، صوت الأذان من مسجد الحي. أما داخله، فصار يعني قلقًا مضاعفًا على الأهل في ظل الحرب، وأخبارًا متقطعة، وشعورًا بالعزلة الكاملة. الأسرى الذين كانوا يستمدون من رمضان قوة على الصبر، وجدوا أنفسهم أمام واقع أشد قسوة، حيث يتداخل العقاب الجماعي مع التضييق اليومي، في زمن تتكاثف فيه المخاوف والأسئلة.

بين الجدران.. تبقى الإرادة

رغم كل ذلك، يبقى رمضان في وجدان الأسير فعل مقاومة. أن تصوم في السجن، أن تتمسك بصلاتك، أن تقرأ ما تيسر من القرآن، أن تبتسم لرفيقك رغم الألم.. فذلك إعلان صامت بأن الروح لا تُقهر. لقد أُريد للشهر أن يتحول إلى زمن للعقاب، لكن الأسرى يحاولون أن يبقوه زمنًا للثبات.

في الوقت الذي تجتمع فيه العائلات حول موائد الإفطار، يبقى آلاف الأسرى الفلسطينيين خلف القضبان، يواجهون شهر الصبر في عزلة قاسية، متمسكين بما تبقى من طقوسه، ومعلّقين قلوبهم بأمل الحرية.

رمضان هذا العام في قبضة السجّان، نعم. لكن الإيمان الذي يسكن القلوب أوسع من الزنازين، وأقوى من القيود، وأبقى من كل الإجراءات.

رمضان خلف القضبان.. حين يصبح الجوع نظاما يوميا

تقرير مكتب: إعلام الأسرى

تسأل والدةُ أحد الأسرى سؤالًا صريحًا واضحًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات تناقل أخبار السجون؛ تريد أن تعرف كيف يصل خبر إعلان بداية شهر رمضان إلى الأسرى. يجيبها أحد الأسرى المحررين موضحًا: الأسرى في صيامٍ متواصل منذ حرب السابع من أكتوبر، فالصيام لم يعد تقويمًا خاصًا بشهر رمضان في سجون الاحتلال. كنا نصوم كل يوم، لكننا نعلم أن شهر رمضان قد بدأ حين يتغيّر موعد إدخال الوجبات الضئيلة إلينا، أو حين يتكرّم السجّان ويخبرنا بذلك.

شهر رمضان، في الحقيقة، بدأ منذ أشهر طويلة في السجون. الأسرى المحررون يروون أنهم كانوا يعمدون كل يوم إلى تجميع حصص الطعام حتى موعد أذان المغرب بنيّة الصيام، لعلّ جسد الأسير يشعر بشيءٍ ضئيل من الشبع. حبّة الأرز في السجون كنز، وأوعية الطعام يتعامل معها الأسرى كأنها غرضٌ مقدّس. علبة اللبن التي قد تُرمى في سلة المهملات خارج السجن، هي صحنُ الأسير؛ وإن تمزّقت أعاد ترميمها بخيوط يحصل عليها بصعوبة بالغة داخل السجن. الملاعق البلاستيكية – إن توفّرت – والتي لا نلقي لها بالًا، تُعدّ ممتلكاتٍ خاصة وثمينة للأسير، حتى إنه قد يُحدث فيها ثقبًا ويضع خيطًا علامةً لها كي لا تختلط بملعقة أسيرٍ آخر.

الهدايا في السجون بين الأسرى هي وجبات طعام؛ فقد يعلم أحد الأسرى، ممن اعتادوا الجوع، أن أسيرًا جديدًا دخل السجن ولم يعتد بعد قلّة الطعام وشعور الجوع القاتل، خاصة في الليل، فيرسل إليه على عجل وجبته، فيراها الأخير هديةً باهظة الثمن.

كتب المحرر “عامر عرفة” مشهديةً لصورة الأسير في رمضان داخل سجون الاحتلال عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك”، تكاد كلماتها تتحوّل صورًا، إذ قال: يعرف الأسير أن رمضان حلّ، لا لأن صوت المدفع دوّى، ولا لأن المساجد امتلأت، بل لأن وجبة السجن تغيّر وقتها، ولأن الجوع صار أكثر تنظيمًا. الإفطار هنا ليس فرحًا، بل إجراء؛ صحنٌ بارد، كمية أقل، ووقت أقصر، وكأن الجوع يجب أن يُضبط أمنيًا. في هذا الشهر يتضاعف الألم، ليس لأن الصيام أصعب، بل لأن الذاكرة أنشط. رمضان يفتح دفاتر العائلة واحدةً تلو الأخرى: كيف حالهم؟ هل اجتمعوا؟ من جلس في مكاني؟ هل تركوا الكرسي فارغًا احترامًا للغياب، أم اضطروا لملئه كي لا ينكسر المشهد؟

في سجون الاحتلال، لا تحترم الإدارة ولا السجّان قدسية شهر رمضان، ولا تُراعى طقوسه الدينية، ولا تُتاح للأسرى حرية العبادة وممارسة الشعائر، بل تُعرقل ذلك عمدًا، وتفرض قيودًا حتى على قراءة القرآن جهرًا والصلاة الجماعية. فيعاني الأسرى الأمرّين في شهر رمضان، بين الحرمان والشوق والحنين إلى الأهل، وظروف الاحتجاز الصعبة، وما يتعرضون له من تعذيبٍ قاسٍ واعتداءات وضربٍ وتنكيل، إضافة إلى سوء الطعام وقلّته كمًّا ونوعًا، وتردّي الأوضاع الصحية مع استمرار سياسة الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمّد.

الانتهاكات الصهيونية في شهر رمضان

لا أحد أصدق في نقل صورة حيّة لأوضاع السجون والأسرى خلال شهر رمضان من أسيرٍ محرّر عاش تلك الأوضاع، خاصة أولئك الذين عايشوا الشهر الفضيل قبل حرب السابع من أكتوبر وما بعدها. يوضح المحرر المقدسي إسحاق عرفة، المُبعد إلى تركيا في صفقة “الطوفان”: “قبل حرب السابع من أكتوبر كان لشهر رمضان طقوس خاصة داخل الأسر، وكانت الحركة الأسيرة تنظّم جدولًا يوميًا لاستثمار الشهر بالعبادة”.

هذا كان واقع السجون في رمضان قبل الحرب، أما بعدها فهو حكاية أخرى. يوضح إسحاق عرفة: “الأمور أصبحت أسوأ بعد الحرب على غزة، إذ تعمّدت إدارة السجون زيادة انتهاك حقوق الأسرى. كان رمضان الماضي قاسيًا، وأصعب شهر مرّ على الأسرى؛ نصوم ساعات طويلة ونفطر ولا نشبع بسبب سياسة التجويع. الغرف مظلمة طوال الوقت، سحور في العتمة، وطعام فاسد وقليل، وتعمدت قوات الاحتلال مضاعفة أعداد الأسرى داخل الغرفة إلى أكثر من 12 أسيرًا، وسحبت المصاحف والفرش والأغطية وأدوات الطعام البسيطة”.

الأسير المحرر “معمر غوادرة”، المبعد إلى مصر في صفقة “طوفان الأحرار”، من قرية بير الباشا قرب جنين، يشير كذلك إلى أن ظروف الحياة داخل السجون ازدادت قسوة بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر. يقول: “ضاعف الاحتلال معاملته الوحشية، إلى جانب الاقتحامات، وكان يتعمد تأخير الطعام ساعتين أو أكثر بعد موعد الإفطار. لم يكن إفطارًا؛ كان أي شيء إلا طعامًا يصلح للآدمي. طعام قليل وبارد وسيئ وغير مطبوخ، وكل أسير داخل السجون خلال فترة الحرب خسر ما بين 30 إلى 40 كيلوغرامًا من وزنه، وربما أكثر”.

ويبيّن الأسير المحرر “محمد العمصي”، من مدينة غزة، أن الاحتلال مارس ضد الأسرى صنوفًا من التعذيب؛ من اقتحام الغرف والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، إلى الحرمان من الطعام والشراب وحتى الاستحمام. يقول: “كنا لا نجد ماءً للوضوء طوال اليوم إلا ساعة واحدة خلال النهار، وحمامات الغرف لا تتوفر فيها النظافة بسبب شحّ المياه. وكان الأسرى يفطرون بعد موعد الإفطار بنصف ساعة أو أكثر، لعدم توفر الإضاءة في الأقسام المختلفة بشكلٍ مقصود”.

رمضان وأهالي الأسرى

يمرّ شهر رمضان ثقيلًا على منزل الأسير الشبل “حمزة منصور” (17 عامًا) من مدينة نابلس. قبل أيام، كانت والدته تتساءل كيف سيكون شهر الصيام هذا العام في ظل غياب نجلها، تقول: إن الجميع يستعدّ للشهر، لكنها لا تملك رفاهية الاستعداد، فابنها غائب عن المنزل، يحاصره اعتقال إداري بلا سقف منذ تاريخ 9/2/2025. واليوم تعيش الألم ذاته بصورة مضاعفة؛ إذ جرى اعتقالها قبل أيام من منزلها، لتصبح واحدة من بين نحو 62 أسيرة يعشن شهر رمضان في السجون في ظل انتهاكات يومية.

الأسيرة “سلام منصور”، والدة الأسير حمزة، روت قبل اعتقالها لمكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال اقتحم منزلها ذات مرة، وكان نجلها البكر معتقلًا، وحمزة الأصغر معتقلًا، ونجلها الثالث ذاق الاعتقال أيضًا، وأب العائلة اعتُقل. فقالت للجنود المقتحمين دفء منزلها: من تبقّى لتعتقلوه؟ لم يبقَ سوى أن تعتقلوني أنا؟ واليوم، أصبحت سلام منصور معتقلة أيضًا، ليكون منزلها قد ذاق ساكنوه مرارة الاعتقال جميعًا. وغاب طيف حضورها عن وقفات التضامن، ممسكة صورة ابنها كأنها تحتضنه. اليوم غابت الصورة، وغاب الجسد، وغاب الصوت.

جلّ أهالي الأسرى يعيشون حرب أعصاب، خاصة في ظل عدم تمكنهم من زيارة أبنائهم أو الاتصال بهم. عائلة الأسير معاذ أبو تيم من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة تعيش، منذ بداية الحرب، فصولًا من المعاناة فقط للحصول على خبر عن ابنهم الذي يقضي حكمًا بالسجن 13 عامًا ونصف. تتواصل العائلة مع المؤسسات العاملة في مجال الأسرى، والصليب الأحمر، وعدد من المحامين، لكن مطلبها واحد: أن تعرف إن كان بخير. كيف يصوم؟ كيف يفطر؟ هل يسمع أذان المغرب؟ تقول العائلة: “المؤسسات المعنية لا تستطيع أن تنقل لنا أخبار أسرانا، فمن يفعل؟”.

المحامي “خالد محاجنة”، الناشط في الدفاع عن الأسرى في الداخل الفلسطيني، يؤكد أن جميع الصائمين في العالم يفطرون مع أذان المغرب، إلا أسرى سجون الاحتلال، إذ تمنع إدارة السجون إنارة الأقسام، ما يضطر بعضهم إلى تأخير إفطارهم لعدم تمكنهم من الإفطار في الأقسام المعتمة.

ويقول “أمين شومان”، رئيس الهيئة العليا لشؤون الأسرى في رام الله، إن الاحتلال يستغل الصمت الدولي لمواصلة ارتكاب جرائم وانتهاكات خطيرة بحق الأسرى الفلسطينيين في غياب أي رقابة، مشيرًا إلى أن ما يجري في السجون لم يحدث في أي مكان في العالم، وأن الاحتلال ينفذ جرائمه بعيدًا عن المساءلة.

عائلة الأسير الموقوف “سليمان محمود” كميل (18 عامًا)” من بلدة قباطية في جنين، المعتقل منذ 2/7/2025، بدأت شهر رمضان بثقل نفسي كبير، حين ظهر ابنهم في أحد فيديوهات القمع الذي تعرض له الأسرى في سجن “عوفر” خلال اقتحام “بن غفير” قبل أيام. أظهرت المشاهد أن إدارة السجون لم تُراعِ وضعه الصحي؛ فهو يعاني من كسور في الفقرتين الثالثة والرابعة، وآثار دهس جيب عسكري له عام 2024 سببت تمزقًا في الأوتار في الجهة اليسرى، وتهتكًا في الأعصاب. وقبل اعتقاله كان يتناول أدوية يومية، ويلزمه مشدّ خاص لإصابته في ظهره، لا يستطيع ممارسة حياته بدونه.

تؤكد العائلة أنها تعرّفت عليه في الفيديو رغم تغيّر ملامحه. وحين سُئلت والدته كيف عرفته، قالت: “قلب الأم عرفة”. وأكد محاميه أنه كان من بين الأسرى الذين تعرضوا للقمع، وهو يعاني من نقص حاد في وزنه، وآلام في أسفل ظهره، وتورم في قدميه، وآلام في الخاصرة نتيجة تكلسات في الكلى، إضافة إلى صداع حاد بسبب سوء التغذية ومشكلات الظهر والكلى.

وفي “بيت فوريك”، في منزل الطفلة “إيلياء مصعب مليطات”، لا أجواء رمضانية؛ فالأم والأب قيد الاعتقال، والابنة تنتظر منذ أشهر عودتهما. لعلّ رمضان يمضي بقربهما، لكن الانتظار طال. يعتقل الاحتلال والدتها، الأسيرة “أسيل عبد الكريم مليطات”، منذ 3/6/2025، وصدر بحقها أمر اعتقال إداري لمدة أربعة أشهر، فيما يعتقل والدها، الأسير “مصعب مليطات”، منذ 21/9/2025 رهن الاعتقال الإداري أيضا.

مركز فلسطين لدراسات الأسرى”.. أكثر من 9500 أسير لا يعرفون موعد الإفطار أو السحور

أكد “مركز فلسطين لدراسات الأسرى” أن الأسرى البالغ عددهم (9500) أسير يقضون رمضان الثالث في ظل ظروف قاسية ومحرومين من كافة حقوقهم الانسانية والاساسية بعد تشديد ظروف اعتقالهم وتصاعد الجرائم بحقهم منذ السابع من أكتوبر 2023 بتعليمات مباشرة من الوزير المتطرف “بن غفير”.

وأوضح مركز فلسطين أن الأسرى في العديد من السجون لا تقدم لهم الإدارة وجبه السحور، ويقدم لهم طعام سيء وقليل خلال النهار يضطروا لتأخيره حتى موعد الإفطار ويكون بعضه قد فسد لا يصلح للأكل أو تغير طعمه لمرور ساعات طويلة على إنضاجه.

مدير مركز فلسطين الباحث، رياض الأشقر، قال إن شهر رمضان كان يُعد قبل سنوات من أفضل الشهور لدى الأسرى وينتظرونه بفارغ الصبر ويعدون برامج خاصة له، ويزينون الغرف بما توفر من قماش وأوراق ملونه، ويستغلونه في قراءة القرآن الكريم وقيام الليل والتقرب إلى الله، بينما بعد السابع من أكتوبر حول الاحتلال السجون إلى مسالخ يمارس فيها كل أشكال التعذيب والتنكيل والإهانة للأسرى، وأصبح شهر رمضان أداة للتعذيب والتنكيل والتجويع والتضييق على الأسرى.

وأضاف الأشقر أن إدارة السجون تمتنع في العديد من السجون عن إبلاغ الأسرى بمواعيد الإفطار والسحور مما يربك صيامهم ويؤخر إفطارهم للتأكد من دخول الوقت الصحيح، كذلك يتلاعب الاحتلال في مواعيد تقديم الطعام وكميته ونوعيته، بعد أن حرم الاحتلال منذ عامين ونصف الأسرى الأمنيين من العمل في مطابخ السجون، وإعداد طعامهم بأنفسهم وإحالة الأمر إلى الأسرى الجنائيين الذين يتحكمون في كميه الطعام ونوعيته.

وأكد الأشقر أن الأسرى قبل شهر رمضان كانوا يعانون من سياسة تجويع متعمدة، وقد تضاعفت هذه السياسة مع دخول شهر رمضان، حيث ما يقدم للأسرى على الإفطار لا يكفي لنصف عددهم، وفي بعض السجون لا يقدم الاحتلال وجبه السحور مما يضطر الأسرى إلى رفع بعض من طعام الإفطار إلى وجبة السحور.

وكشف الأشقر أن الاحتلال ومن ضمن إجراءات التنكيل بالأسرى في رمضان حرمتهم من أداء الصلاة بشكل جماعي ومن صلاة التراويح، كذلك يمنع الاحتلال توفير مصاحف للأسرى لقراءة القرآن الكريم بعد أن قام بسحب كافة المصاحف بعد إعلان حالة الطوارئ في السجون عقب حرب الإبادة على قطاع غزة.

وبيَّن الأشقر أن الاحتلال يتعمد زيادة عمليات الاقتحام للغرف والأقسام بهدف إرهاق الأسرى وإذلالهم وإشغالهم عن العبادة في هذا الشهر المبارك، والاعتداء عليهم بالضرب والسحل، وإبقائهم مقيدين على الأرض لساعات، وأحيانا يمتد القمع إلى ساعات بعد موعد الإفطار. وطالب مركز فلسطين المؤسسات الحقوقية والإنسانية بالتدخل لوقف اعتداءات الاحتلال على الأسرى ومراعاة حرمة هذا الشهر الفضيل وتوفير الطعام الكافي والمناسب، وإطلاق حرية العبادة والصلاة الجماعية في كافة السجون، والعمل على توفير حقوق الأسرى التي نصت عليها الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

كثيرٌ من الأسرى لا يعرفون أن رمضان قد بدأ

بقلم: عبد الناصر فروانة

إدارة السجون لم تحترم يوما قدسية شهر رمضان، أو تراعِ طقوسه الدينية، وكثيرا ما تعمدت عرقلة حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية، وفرض عقوبات جماعية وتنفيذ اقتحامات واعتداءات، وعمليات قمع وتنكيل. هذا بالإضافة إلى سوء الطعام كما ونوعا.

ومع ذلك، كان يدرك الأسرى أن الحياة يجب ان تستمر داخل السجن، لذا كانوا يحاولون تناسي ما بهم، فكانوا يتعالون على آلامهم، ويكظمون ما بهم، ليستطيعوا ان يستقبلوا شهر رمضان الفضيل بما يليق بفضيلته.

أما اليوم فيبدو شهر رمضان مختلفا تماما عن سابقيه، ولا يُشبه أبدا ما قبله من مواسم، خصوصا منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى حد جعلت الكثيرين منهم لا يعرفون أن شهر رمضان قد بدأ، نتيجة ظروف العزل والانقطاع عن العالم الخارجي، ومن يعلم منهم بقدومه يجهل مواقيت الإفطار والسحور، حيث تمتنع إدارة السجون في العديد من السجون إبلاغ الأسرى بمواعيد أذان المغرب أو الفجر.

لقد اشتدت الظروف قساوة داخل سجون الاحتلال خلال حرب الإبادة، وباتت حياة الأسرى جحيما داخل السجون التي وصفتها مؤسسات حقوقية بأنها “جهنم على الأرض”.

تصاعد القمع والتجويع والمرض في سجن “عوفر”.. شهادات توثق استمرار واقع الإبادة داخل السجون

نشر “نادي الأسير الفلسطيني” إحاطة خاصّة عن أبرز ما وثقّته الطواقم القانونية خلال الزيارات التي أجرتها لعشرات الأسرى في سجن “عوفر” خلال شهري يناير وفبراير 2026، والتي تضمنت مجددا التأكيد على تفاصيل الواقع الراهن الذي يعيشه الأسرى منذ بدء الإبادة الجماعية.

وعكست الإفادات مجددا التصاعد المستمر بعمليات القمع الممنهجة، إلى جانب استمرار جريمة التجويع، والحرمان من الحق في العلاج، وعمليات الإذلال والتنكيل اللحظية التي يعيشونها، إلى جانب حالة الاكتظاظ، عدا عن استمرار معاناة الأسرى من انتشار الأمراض الجلدية وتحديدًا مرض (الجرب – السكابيوس) الذي تحوّل إلى واحد من أبرز الأدوات لتعذيب الأسرى وإنهاكهم جسديا ونفسيا، من خلال الإبقاء على الظروف والعوامل المسببة له قائمة.

وفي ضوء الإفادات التي حصل عليها نادي الأسير، يؤكّد أنّ منظومة السجون تعد أبرز الأجهزة، التي عملت على فرض واقع الإبادة في السجون، حتى تحوّلت إلى ميدان أساسي لقتل الأسرى، وتدميرهم جسديا ونفسيا، فآلاف الأسرى في السجون يعانون اليوم من مشاكل جسدية ونفسية بدرجات متفاوتة، جرّاء واقع “التعذيب اللحظي” الذي يواجهونه.

تصاعد عملية القع في سجن “عوفر” واستمرار تفشي مرض الجرب

جميع الأسرى، الذين تمت زياراتهم في سجن “عوفر”، أكّدوا على أن عمليات القمع تحوّلت إلى إجراء يومي، وتحديدا في الأوقات المتزامنة مع إجراء العدد (الفحص الأمني)، الذي يشكّل محطة تعذيب وتنكيل يومية بحقّ الأسرى، إلى جانب تفشي واسع لمرض الجرب بين صفوف الأسرى، مع حرمانهم من العلاج، وتجويعهم.

– إحدى عمليات القمع تمت بسبب عثور سجان على مسمار في زنزانة، وأخرى بعد أن مشاهدة الأسرى يضعون “البشاكير” على رؤوسهم بسبب شدة البرد.

– أسحلة جديدة يتسع دائرة استخدامها خلال القمع منها سلاح يسبب حروق في الجسم. فقد أشار الأسير (ر. ي): “أن القمعات والاعتداءات تحدث بشكل مستمر، وتحديدا خلال وقت (العدد – الفحص الأمني)، حيث تجري عملية القمع بمرافقة الكلاب البوليسية، واستخدام الأسلحة، منها القنابل الصوتية والرصاص المطاطي، عدا عن الاعتداءات بالضرب المبرح، وغالباً فإن جميع القمعات تخلف إصابات ما بين رضوض وكسور وإصابات بالرصاص المطاطي”.

كما أشار الأسير (أ. ر): “الأوضاع في السجن، بالغة الصعوبة، من كافة النواحي، فالطعام قليل جدا، ولا يوجد أي نوع من العلاج، وهناك نقص كبير في الملابس، والاعتداءات مستمرة، ولفت إلى أنه ومنذ خمسة شهور يعاني من الإصابة من مرض الجرب، ويرافق ذلك حرمان من العلاج، مشدداً على أنّ هناك العديد من الأقسام تعاني من انتشار واسع للمرض، بسبب استمرار حالة الاكتظاظ، إلى جانب عمليات النقل المستمرة، وانعدام ظروف النظافة، والتهوية الجيدة”.

وفي إفادة للأسير (ي، ق): “في تاريخ 15/1/2026، تعرض قسم (16) لعملية قمع واسعة، خلالها تم رش إحدى الغرف بالغاز، وقد تعرض أحد الأسرى للضرب المبرح، ومن شدة الضرب، بقي الأسير لمدة أسبوعين غير قادر على الحركة”. وفي إفادة أخرى للأسير (أ. ن): “عملية قمع واسعة جرت في 14/12/2025، وقد تعرض للضرب المبرح، مما تسبب بإصابته، بشعر في الكتف، ولم يتم تزويده بأي نوع من العلاج”. وهذا ما أكده الأسير (ل.خ): “لا يوجد يوم بدون عمليات قمع، أو اعتداءات، وتفتيشات، ففي الأسبوع تجري عمليات قمع ما يزيد عن أربع مرات، وفي كل اقتحام، يترافق إدخال الكلاب البوليسية، واستخدام القنابل، ففي أواخر شهر يناير جرى اقتحام إحدى الغرف – زنزانة، بسبب ادعاء أحد السجانين، بأنه تم العثور على مسمار، واستمرت عملية القمع نحو عشرة دقائق، ولم تكتف إدارة السجن بعملية القمع، بل قامت بسحب الفرشات من الأسرى القابعين في الغرفة، وتلا ذلك اقتحام آخر حيث أصيب خلال عملية الاقتحام بجروح، عندما حاول الأسير إنزال رأسه لتفادي الضرب، إلا أن يده ارتطمت في الكمامة الحديدية التي تغطي فم أحد الكلاب، (لوحظ خلال الزيارة إزرقاق في أصابع يد الأسير)”.

وأشار الأسير (ع.ع): إلى أنّ قوات القمع تستخدم مؤخرا نوعا جديدا من الأسلحة إلى جانب قنابل الصوت والغاز والمطاطي، والذي يسبب بعد إطلاقه على الأسرى بإصابتهم بحروق جلدية، وبحسب الأسير فإن الوحدات التي استخدمت هذا السلاح هي وحدة “كيتر”.

وفي إفادة أخرى حول عمليات القمع قال الأسير (ف. و.): أنه وفي تاريخ 6/10/2025، تعرض القسم الذي يقبع فيه لعملية قمع، وخلالها أصيب الأسير برصاص المطاط في منطقة الفخذ، ونتيجة حرمانه من العلاج، بقي لمدة شهيرين لا يستطيع الوقوف على قدميه، ومع ذلك كان السجانون يجبرونه خلال فترة (العدد – الفحص الأمني) على الركوع، هذا إلى جانب إشارة الأسير أنه واحد من الأسرى الذين يعانون من الإصابة بمرض الجرب منذ عدة شهور.

ووصف الأسير (ع. ي) كيف تتم عملية القمع، حيث أشار أن قوات القمع تجبر الأسرى الجلوس على ركبهم طيلة فترة التفتيش، التي تمتد في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثة أرباع الساعة، ثم يجبرونهم على الاستلقاء على الأرض على بطونهم وصدورهم لوقت طويل، وخلالها يتم إدخال الكلاب إلى الزنازين لترهيب الأسرى.

وأشار أسرى آخرون إلى أنّ عملية قمع بعد أن شاهد السجانون الأسرى يغطون رؤوسهم بالبشاكير بسبب البرد، واستمرت عملية القمع لمدة نصف ساعة، حيث أصيب عدد من الأسرى برضوض. كما لفت الأسير مجدداً إلى انتشار مرض الجرب بشكل واسع بين صفوف الأسرى، مع الحرمان الكلي من العلاج.

في سجن “عوفر” كما في السجون كافة، تم رصد التزايد في أعداد الأسرى المرضى، بسبب ظروف الاعتقال القاسية، وانعدام الشروط الصحية داخل الزنازين، إضافة إلى الجوع الذي يخيم على الأسرى، والذي أدى إلى ضعف مناعتهم، وإصابتهم بالعديد من الأمراض.

فالأسير (م. ي) أفاد أنه وقبل اعتقاله كان يعاني من كسر في الظهر بسبب حادث تعرض له قبل الاعتقال، وخلال عملية اعتقاله تعرض للضرب المبرح مما تسبب بإصابته بكسر في الأنف، ولم يقدم له أي علاج، كما واشتكى الأسير من عدم مقدرته على النوم بسبب الآلام، واستمرار انخفاض وزنه نتيجة الجوع، حيث فقد من وزنه نحو 26 كلغ.

أما الأسير (ب.ج) يواجه جريمة طبية ممنهجة، تسببت بتفاقم وضعه الصحي جرّاء اعتقاله وانقطاعه عن العلاج، فهو يعاني من تجلطات في شرايين الكبد، والأمعاء الدقيقة، والمعدة، والسكري، وتكسر في صفائح الدم، وهو بحاجة إلى متابعة صحية حثيثة، وبحسب إفادة الأسير، فإنه تعرض للضرب عند إدخاله للسجن مما تسبب بفقدانه لأسنانه المركبة، ومنذ ذلك الوقت لم يقدم له أي علاج، ومعاناته تتضاعف.

كما أفاد الأسير (د. ن)، وهو أحد الأسرى الجرحى، الذين أصيبوا خلال عملية اعتقالهم عام 2024، فالأسير تعرض لإطلاق الرصاص وأصيب في يده اليمنى والبطن، والحوض، وبقي في حينه ينزف على الأرض، كما ومنعوا في حينه سيارة الإسعاف من الوصول إليه، وبعدها مكث في المستشفى لمدة 18 يوما، وجرى نقله لاحقا إلى الرملة لمدة ستة شهور، واليوم يعاني الأسير من حرمان من العلاج اللازم، ويواجه صعوبة في المشي، وأوجاع شديده في الحوض، ومشاكل تتعلق بالإخراج نتيجة اعتماده على “برابيش” لإخراج البول، بسبب إصابته بضرر كلي للمثانة، واستناداً للأسير فإن الأطباء أبلغوه أنه لا يوجد علاج له حالياً.

أما الأسير (ع.ع) فقد فقدَ السمع في أذنه اليسرى نتيجة لتعرضه لاعتداء، حيث تعرض بحسب وصفه لعملية اعتداء جماعي بالضرب المبرح، مما تسبب فقدانه السمع في أذنه اليسرى.

يجدد “نادي الأسير” مطالبته بالتدخل العاجل لوقف جريمة الإبادة المتواصلة داخل السجون، والعمل على تمكين المنظمات الدولية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من زيارة الأسرى والاطلاع على ظروف اعتقالهم القاسية، والسماح لعائلاتهم بزيارتهم، إلى جانب السعي لفرض عقوبات واضحة على الاحتلال وقادته، ووقف سياسة الإفلات من العقاب التي شكّلت عاملاً مركزيا في استمرار الكيان الصهيوني بارتكاب جرائمها على مرأى ومسمع من العالم.

شهادات قاسية لأسرى محررين.. معارك الصيام والعبادة في سجون الاحتلال

تقرير: القدس – خاص

لم يكن حلول شهر رمضان المبارك داخل سجون الاحتلال مجرد تبدل في التقويم الزمني، بل تحول إلى مواجهة يومية قاسية بين إرادة الأسرى وسياسات التنكيل الممنهجة. يروي أسرى محررون كيف ينسلخ المعتقل عن عالمه الخارجي، حيث تغيب المظاهر الروحانية والاجتماعية، ليحل محلها عزل تام يهدف إلى كسر الروح المعنوية وتجريد الشهر من قدسيته.

أفادت مصادر حقوقية بأن العديد من الأسرى لا يعلمون بدخول الشهر الفضيل إلا بعد مرور أيام على بدايته، نتيجة العزل المطبق ومنع وسائل الاتصال أو الاطلاع على التوقيت. هذا الغياب لليقين الزمني دفع المعتقلين إلى ابتكار طرق بدائية لتقدير الوقت، معتمدين على الإجماع والتقدير الشخصي لتعويض غياب المعلومات الرسمية من إدارة السجون.

في ظل غياب الساعات، باتت حركة الشمس والظل هي المرجع الوحيد لتحديد مواقيت الصلاة؛ حيث تُعرف صلاة الظهر بتعامد الظل من نافذة الزنزانة، بينما يُستدل على المغرب باختفائه التام. وتعد صلاة الفجر التحدي الأكبر للأسرى، إذ يضطر الكثيرون للسحور قبل النوم أو الامتناع عنه تماماً خشية الوقوع في خطأ التوقيت في ظل انعدام الضوء.

تستخدم سلطات الاحتلال سلاح التجويع كأداة ابتزاز سياسي ونفسي، وتزداد وطأة هذا السلاح خلال أيام الصيام عبر تقديم وجبات رديئة النوعية وقليلة الكمية. وأكد محررون أن إدارة السجون تتعمد تأخير توزيع الطعام، وأحياناً تجبر الأسرى على تناول وجباتهم والنهار لا يزال قائماً تحت تهديد الضرب المبرح والتنكيل الجسدي.

تتحدث الشهادات عن أساليب سادية يتبعها السجانون، منها تعمد شواء اللحوم بالقرب من غرف التحقيق وتوجيه الروائح نحو الأسرى المحرومين من الغذاء لشهور طويلة. ويهدف هذا السلوك إلى انتزاع اعترافات ملفقة من المعتقلين عبر استغلال لحظات الجوع الحاد، وعرض أصناف الطعام أمامهم مقابل التنازل عن مواقفهم أو الإدلاء بمعلومات.

على الصعيد الروحاني، يواجه الأسرى حربا شرسة تستهدف عقيدتهم، حيث يُحرم المعتقلون في كثير من السجون من اقتناء المصاحف بشكل كامل. وفي حال توفر نسخة واحدة لمجموعة كبيرة، فإنها تظل عرضة للتمزيق أو التدنيس خلال عمليات الاقتحام المفاجئة التي تنفذها الوحدات القمعية التابعة لإدارة السجون.

في معسكر “سدي تيمان” سيئ السمعة، تتحول الصلاة إلى مخاطرة كبرى قد تؤدي بالأسير إلى التعذيب الفوري بمجرد تحريك شفاهه بالدعاء. وتراقب الكاميرات أدق حركات المعتقلين، مما يضطرهم لأداء العبادات سراً تحت الأغطية أو داخل المرافق الصحية، مستخدمين “رخصة فاقد الطهورين” للتيمم خفية في ظل منع الوضوء.

أكدت مصادر في نادي الأسير الفلسطيني أن ما ينقله المحررون يمثل صورة متكررة وموثقة لسياسة “الصيام القسري” الناتجة عن رداءة الطعام وقلته. وتقتصر وجبة السحور في كثير من الأحيان على لقيمات بسيطة من اللبنة والمربى، بينما يتكون الإفطار من ملاعق قليلة من الأرز غير الناضج وحساء يفتقر لأدنى المقومات الغذائية.

لا تكتفي إدارة السجون بالتضييق الغذائي، بل تتعمد إجراء تنقلات واقتحامات تفتيشية قبيل موعد الإفطار لإرباك الأسرى المنهكين جسدياً ونفسياً. هذه الإجراءات تهدف إلى منع المعتقلين من الشعور بأي لحظة طمأنينة، وتحويل وقت العبادة إلى موسم مكثف من القمع والترهيب باستخدام الغاز المسيل للدموع والعزل الانفرادي.

رغم كل هذه القيود، يبتكر الأسرى حيل التخفي لأداء صلاة الجمعة جماعةً، حيث يلقي الخطيب خطبته وهو جالس بصوت خافت جداً بينما يتوزع البقية في الغرفة للتمويه. يتظاهر بعضهم بالمشي أو القراءة أو النوم لخداع كاميرات المراقبة، في مشهد يجسد معركة الإرادة التي يخوضها الأسير للحفاظ على هويته الدينية.

يروي الأسير المحرر “عماد الإفرنجي” أن البعد النفسي كان الأقسى، حيث تزداد الهواجس حول مصير العائلات في الخارج ومدى توفر الأمان لهم في ظل العدوان المستمر. وتصبح لحظة الإفطار، رغم بساطتها وقسوتها، مساحة للدعاء المتبادل بين الأسرى وعائلاتهم، كحبل نجاة روحي يمنع الانهيار أمام جبروت السجان.

من جانبه، شدد المحامي “خالد زبارقة” على أن هذه الممارسات تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف المتعلقة بمعاملة الأسرى. وأشار إلى أن الاحتلال يحول المناسبات الدينية إلى فرص لمضاعفة العقوبات الجماعية، عبر سلب الحقوق الأساسية ومنع العلاج الطبي والإهمال المتعمد لصحة المعتقلين.

تظل شهادات الأسرى المحررين وثيقة إدانة لسياسات الاحتلال التي تحاول تحويل الصمود الروحي إلى معاناة جسدية ونفسية لا تطاق. ومع ذلك، يؤكد المحررون أن هذه الضغوط لم تزد الأسرى إلا تمسكا بحقوقهم، حيث تتحول الزنازين في رمضان إلى ساحات للصبر والمقاومة السلبية التي تفشل أهداف السجان.

إن ما يحدث داخل سجون الاحتلال خلال شهر رمضان يعكس عقلية انتقامية تتجاوز الإجراءات الأمنية إلى استهداف الكرامة الإنسانية. ويبقى نضال الأسرى من أجل أداء شعائرهم أبسط حقوقهم، صرخة في وجه المجتمع الدولي للتدخل ووقف هذه الانتهاكات التي تتنافى مع كافة القيم والأعراف البشرية.

سجون الاحتلال ووسائل التعذيب بحق الأسرى الفلسطينيين.. قراءة حقوقية وقانونية

إعداد الناشط الحقوقي: أ. شريف الصباغ

تُشكّل سجون الاحتلال الصهيوني أحد أخطر أوجه منظومة القمع الاستعماري الممنهج الذي يُمارَس بحق الشعب الفلسطيني، إذ تحوّلت هذه السجون إلى فضاءات مغلقة لانتهاك الكرامة الإنسانية، ومختبرات مفتوحة لتجريب شتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، في خرق صارخ وممنهج لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان، وكافة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف الأربع.

ويقبع في هذه السجون آلاف الأسرى الفلسطينيين، من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، في ظروف احتجاز قاسية ولا إنسانية، تُدار وفق سياسات رسمية مُعلنة أحيانًا، وخفية في كثير من الأحيان، هدفها كسر الإرادة الوطنية الفلسطينية، وردع المجتمع بأكمله عبر معاقبة أفراده.

أولا: سياسة الاعتقال التعسفي والجماعي

تنتهج سلطات الاحتلال سياسة الاعتقال التعسفي كأداة مركزية للسيطرة والقمع، حيث تُنفّذ حملات اعتقال جماعية دون احترام للحد الأدنى من الضمانات القانونية. وغالبًا ما تتم عمليات الاعتقال خلال مداهمات ليلية عنيفة، تتخللها أعمال تخريب للمنازل، وبث الرعب في صفوف العائلات، وخاصة الأطفال.

ويُعدّ الاعتقال الإداري من أخطر هذه السياسات، إذ يُحتجز الفلسطيني دون توجيه تهمة واضحة، أو عرض على محاكمة عادلة، استنادًا إلى ما يُسمّى “ملفًا سريًّا” لا يُكشف للأسير ولا لمحاميه. ويُمدَّد هذا الاعتقال مرات متتالية، ما يحوّل الاحتجاز إلى عقوبة مفتوحة الأمد، في انتهاك صارخ لمبدأ الشرعية، وقرينة البراءة، والحق في الحرية والأمان الشخصي.

ثانيا: أساليب التعذيب الجسدي المحظورة دوليا

يتعرض الأسرى الفلسطينيون منذ لحظة اعتقالهم، وخلال فترات التحقيق، إلى أنماط متعددة من التعذيب الجسدي، تم توثيقها بشهادات حية وتقارير حقوقية دولية، ومن أبرزها: الضرب المبرح والمتكرر باستخدام الأيدي، والهراوات، وأدوات صلبة. الشبح لفترات طويلة، عبر تقييد الأسير في أوضاع مؤلمة ومُهينة. الحرمان المتعمد من النوم لأيام متواصلة، بهدف إنهاك الجسد والعقل. التكبيل العنيف بالأصفاد المعدنية الضيقة التي تُسبّب آلامًا حادة وإصابات دائمة. الاحتجاز في زنازين ضيقة، مظلمة، سيئة التهوية، تفتقر لأبسط الشروط الصحية والإنسانية.

وتُمارَس هذه الأساليب في خرق فاضح للحظر المطلق للتعذيب، الذي يُعدّ من القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، والتي لا يجوز تبرير انتهاكها تحت أي ظرف.

ثالثا: التعذيب النفسي وكسر الإرادة الإنسانية

لا يقل التعذيب النفسي خطورة عن الجسدي، بل يُستخدم كأداة ممنهجة لكسر إرادة الأسير وتحطيم توازنه النفسي، ومن أبرز مظاهره: التهديد باعتقال أو إيذاء أفراد العائلة، بما في ذلك الزوجة والأطفال. العزل الانفرادي لفترات طويلة، قد تمتد لأشهر، في ظروف قاسية تُفضي إلى اضطرابات نفسية خطيرة. الإهانات اللفظية والعنصرية المتعمدة، والمسّ بالكرامة الوطنية والدينية. التحقيق المطوّل والمتواصل، دون مراعاة لعمر الأسير أو حالته الصحية أو النفسية.

وتُعد هذه الممارسات شكلاً من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، المحظورة صراحة بموجب القانون الدولي.

رابعا: الإهمال الطبي المتعمّد كوسيلة قتل بطيء

يعتمد الاحتلال سياسة الإهمال الطبي الممنهج بحق الأسرى، حيث يُحرَمون من حقهم الأساسي في العلاج والرعاية الصحية. وتتمثل هذه السياسة في:

– المماطلة المتعمدة في تشخيص الأمراض الخطيرة.

– تأجيل أو منع العمليات الجراحية الضرورية.

– حرمان الأسرى من الأدوية والعلاجات اللازمة.

– احتجاز المرضى في ظروف تزيد من تدهور حالتهم الصحية.

وقد أدّت هذه السياسة إلى استشهاد عشرات الأسرى داخل السجون، ما يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة، ويرقى إلى جريمة قتل غير مباشر تتحمل سلطات الاحتلال مسؤوليتها القانونية الكاملة.

خامسا: استهداف الفئات الضعيفة والمحمية دوليا

لم تستثنِ سياسات القمع الصهيونية الفئات الأكثر ضعفًا، حيث يتعرض الأطفال الفلسطينيون للاعتقال والتحقيق والترهيب، في انتهاك صارخ لاتفاقية حقوق الطفل. كما تُحتجز الأسيرات الفلسطينيات في ظروف قاسية تمس كرامتهن وخصوصيتهن الإنسانية، وتخالف المعايير الدولية الخاصة بمعاملة النساء المحتجزات.

سادسا: التكييف القانوني للانتهاكات

استنادًا إلى الوقائع الموثّقة، وشهادات الأسرى، وتقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، فإن الممارسات التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين تُشكّل:

– انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

– جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقًا لما ورد في: اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا سيما المواد (27، 31، 32، 76)، اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، التي تحظر التعذيب حظرًا مطلقًا دون أي استثناء. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، ولا سيما المواد (7، 9، 10)، نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة المواد (7) و(8).

مسؤولية دولية.. وواجب المساءلة

إن ما يجري داخل سجون الاحتلال لا يمكن توصيفه على أنه تجاوزات فردية أو ممارسات معزولة، بل هو سياسة رسمية ممنهجة تتحمل عنها دولة الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة، بما يشمل المسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين والمنفذين، والمسؤولية الدولية للدولة القائمة بالاحتلال.

وعليه، فإن المجتمع الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، والمحاكم الدولية، مطالبون بتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، عبر فتح تحقيقات مستقلة، وضمان عدم الإفلات من العقاب، واتخاذ تدابير عاجلة وفعّالة لحماية الأسرى الفلسطينيين، ووضع حد فوري لهذه الجرائم المستمرة.

رابط دائم
https://elayem.news/swhlq