السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
أخبار وتقارير

رمضان في غزة.. شعائر تحت الركام وصمود يتحدى الحصار

Author
إيمان عبروس 26 فبراير 2026
X Facebook TikTok Instagram

شهر رمضان في قطاع غزة محطة روحانية واجتماعية تتجدد فيها الحياة رغم القيود، حيث تزدهر المساجد بالمصلين، وتتعانق فيها أصوات التراويح مع أضواء الزينة التي تملأ الشوارع والأحياء. غير أن رمضان في غزة هذا العام يأتي في سياق إنساني بالغ القساوة، في ظل الدمار الهائل، والنزوح الداخلي، وانهيار الخدمات الأساسية، وسط استمرار تداعيات الحرب والحصار.

الزاوية الأبرز هنا ليست فقط في توصيف حجم المعاناة، بل في رصد التحول العميق الذي أصاب الطقوس الرمضانية نفسها، وكيف أصبح الشهر من مساحة احتفاء جماعي عامر بالحياة إلى مساحة صبر فردي وجماعي تحت ضغط الحاجة وفقدان الاستقرار.
وفي تصريح خصّت به “الأيام النيوز”، كشفت الصحفية الفلسطينية ربا العجرامي عن حجم المعاناة اليومية التي يواجهها أهالي غزة في شهر رمضان، مشيرة إلى أن الواقع المعيشي للغزيين أصبح “غير إنساني ومريض للغاية”، وأن استمرار الحصار والحرب حول المساعدات، والتعليم، والخدمات الصحية جعل من الحياة اليومية تحديا متواصلا.

واقع معيشي يثقل تفاصيل الشهر الكريم

ومع دخول رمضان، يجد مئات الآلاف من سكان غزة أنفسهم في ظروف سكنية غير مستقرة؛ خيام مؤقتة، منازل متضررة جزئيا، أو إقامة مشتركة لدى أقارب في بيوت مكتظة. فالاكتظاظ، شح المياه، ضعف شبكات الصرف الصحي، وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة، كلها عوامل تجعل من أبسط تفاصيل الحياة اليومية تحديا مضاعفا في شهر يُفترض أن تسوده الطمأنينة.

وقالت العجرامي إن أكثر من مليون فلسطيني يقطنون اليوم في الخيام أو منازل متضررة جزئيًا، بينما يستضيف آخرون أقاربهم في مساكن مكتظة، ويضطرون للتزاحم حول الحد الأدنى من المرافق الأساسية. هذا الوضع صعب على أي شعب، وهو قاسٍ بشكل خاص على أهل غزة الذين كانوا معروفين بكرمهم وطيبة أخلاقهم.

            ربا العجرامي

الحصول على الغذاء لم يعد أمرا اعتياديا

فالكثير من العائلات تعتمد على المساعدات الإنسانية أو المبادرات الخيرية المحلية، الطوابير أمام نقاط توزيع الطعام والمياه أصبحت مشهدا يوميا، في صورة مؤلمة لشعب عُرف تاريخيا بروح التكافل والكرم، حيث كانت البيوت تفتح لاستقبال الصائمين، وتُقام موائد إفطار جماعية في الأزقة والساحات.

ولطالما شكّلت المساجد في غزة قلب الحياة الرمضانية، كانت تمتلئ بالمصلين في صلوات التراويح والقيام، وتحتضن حلقات تحفيظ القرآن للكبار والصغار. لكن الأضرار التي لحقت بعدد كبير من دور العبادة، إلى جانب النزوح الواسع، جعلت المشهد مختلفا هذا العام.

وأشارت العجرامي إلى أن اليوم، لم تعد أصوات مكبرات الصوت تعلن عن صلاة التراويح كما اعتاد السكان، ولم تعد الزينة تملأ المآذن والشوارع. بعض التجمعات الصغيرة تُقام في مساحات مفتوحة أو داخل خيام، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الروح الجماعية، لكن الصورة العامة بعيدة عن أجواء الأعوام السابقة.

النزوح.. رمضان في الخيام

كما يتوجب على أكثر من مليون فلسطيني أن يقضوا الشهر الفضيل في مراكز إيواء مؤقتة أو خيام، وفق تقديرات أممية، بينما تستضيف عائلات أخرى أقاربها في مساكن ضيقة.
ففي هذه المساحات المحدودة، يصبح إعداد وجبة إفطار بسيطة مهمة معقدة، في ظل نقص أدوات الطهي والوقود والمواد الغذائية.

كما تتشارك عدة أسر أحيانا مصدرا واحدا للمياه أو دورة مياه واحدة، ما يضاعف صعوبة الحفاظ على خصوصية الشهر وطقوسه.

ومع ذلك، تحاول بعض العائلات خلق أجواء رمزية؛ قطعة قماش تُعلّق كزينة، مصباح صغير يضيء الخيمة، أو دعاء جماعي قبيل الإفطار يعيد شيئا من الإحساس بالمعنى.
وأكدت العجرامي أنه رغم هذه الظروف القاسية، يبذل السكان جهودا للحفاظ على بعض طقوس الشهر، وهو دليل على صمودهم وإصرارهم على المحافظة على هويتهم الدينية والثقافية.

الاقتصاد المنهك.. حين تتلاشى القدرة الشرائية

وقبل الحرب، كان رمضان يشهد حراكا اقتصاديا نسبيا في الأسواق المحلية، رغم القيود المفروضة.
أما اليوم، فقد تراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد نتيجة فقدان مصادر الدخل وتعطل قطاعات واسعة من العمل.
فالكثير من الموظفين والعاملين فقدوا وظائفهم أو مصادر رزقهم، ما انعكس مباشرة على قدرتهم على توفير احتياجات أسرهم.

الأسواق، حيثما تعمل بشكل جزئي، تعاني من نقص في السلع أو ارتفاع في الأسعار نتيجة شح الإمدادات. هذا الوضع يجعل من التخطيط لشهر رمضان – الذي كان يتضمن شراء ملابس جديدة للأطفال وتحضير أصناف خاصة من الطعام – أمرا شبه مستحيل لدى شريحة واسعة من السكان.

كان الشهر الفضيل أيضا موسما للمسابقات القرآنية والأنشطة التربوية داخل المدارس والمراكز الثقافية.
فاليوم، ومع تعطل العملية التعليمية في مناطق واسعة، يعيش الأطفال رمضانًا مختلفًا؛ بلا مدارس، وبلا أنشطة منظمة، وفي بيئة تفتقر إلى الاستقرار.

تحاول بعض المبادرات الفردية تنظيم حلقات صغيرة لتحفيظ القرآن أو أنشطة ترفيهية بسيطة داخل مراكز الإيواء، بهدف دعم الأطفال نفسيًا والحفاظ على ارتباطهم بالقيم الدينية والاجتماعية التي تميز الشهر الكريم.

التكافل الاجتماعي.. من المبادرات الفردية إلى الإغاثة المنظمة
أحد أبرز أوجه رمضان في غزة كان التكافل الاجتماعي، حيث تتسابق العائلات في إعداد موائد إفطار جماعية وتقديم المساعدات للمحتاجين، فاليوم، تحولت هذه المبادرات إلى نمط مختلف يعتمد بدرجة أكبر على جهود الإغاثة المحلية والدولية.
المطابخ الخيرية ونقاط توزيع الوجبات أصبحت مصدرًا أساسيًا للغذاء لكثير من الأسر. ورغم محدودية الموارد، يبذل متطوعون جهودًا كبيرة لتنظيم عمليات التوزيع وضمان وصول المساعدات إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين. هذا التحول يعكس انتقال المجتمع من دور المعطي إلى موقع المتلقي القسري للمساعدة، في ظرف استثنائي فرضته الحرب.

البعد النفسي.. صدمة جماعية وحنين إلى ما كان

لا يمكن فصل الواقع المعيشي عن أثره النفسي. فشهر رمضان يرتبط لدى الغزيين بذكريات الفرح الجماعي والزيارات العائلية والروحانية العالية. غياب هذه المظاهر يخلق شعورًا عميقا بالفقد والحنين، خاصة لدى كبار السن الذين عايشوا عقودا من إحياء الشهر في ظروف أقل قسوة.

الأخصائيون النفسيون يشيرون إلى أن الحفاظ على بعض الطقوس الرمزية، مهما كانت بسيطة، يمكن أن يخفف من وطأة الصدمة الجماعية، ويعزز الإحساس بالتماسك المجتمعي. لذلك، تبدو محاولات إحياء ولو جزء يسير من الأجواء الرمضانية شكلًا من أشكال التكيّف النفسي مع واقع ضاغط.

و في خضم هذه المشاهد، تتشكل صورة بصرية قاسية: طوابير للحصول على الطعام، خيام تمتد على مساحات واسعة، ووجوه مرهقة تبحث عن حد أدنى من الاستقرار. غير أن هذه الصورة لا تختزل تاريخ غزة الاجتماعي ولا هويتها الثقافية.
غزة التي عُرفت بكرمها وحيويتها واهتمامها بالشعائر الدينية، تجد نفسها اليوم في ظرف استثنائي يفرض عليها إعادة تعريف طقوسها الرمضانية. الفارق الجوهري أن التغير لم يكن خيارًا، بل نتيجة مباشرة لواقع أمني وإنساني معقد.

رمضان بين طقوس الوفرة وصمود الإنسانية

التحول الأبرز في رمضان غزة هذا العام يتمثل في انتقال الشهر من مساحة احتفاء اجتماعي واسع إلى مساحة صمود يومي. لم يعد السؤال كيف نزيّن الشوارع أو نُعدّ موائد عامرة، بل كيف نوفّر وجبة إفطار متواضعة، وكيف نحافظ على روح الجماعة وسط النزوح.
هذه الزاوية تكشف أن جوهر رمضان – الصبر، والتكافل، والرجاء – يظهر بأوضح صوره في أوقات الشدة. فحين تتقلص الإمكانات المادية، تتعاظم الرمزية المعنوية للشهر، ويصبح التمسك بالقيم الدينية والاجتماعية فعلا مقاوما للانكسار.

 

رمضان بين الألم والأمل
رمضان في غزة هذا العام يحمل مزيجًا معقدًا من الألم والأمل. الألم في مشاهد الدمار والنزوح وفقدان الأحبة والاستقرار، والأمل في قدرة المجتمع على التماسك والحفاظ على هويته الروحية رغم كل التحديات.
يبقى الشهر الفضيل مناسبة يتشبث بها السكان كنافذة رجاء، وفرصة للدعاء بفرج قريب واستعادة حياة طبيعية تليق بكرامة الإنسان. وبين الخيام والمنازل المتضررة، تستمر محاولات بسيطة لإحياء الشعائر، في رسالة صامتة مفادها أن الروح الجماعية، مهما أثقلها الواقع، لا تزال قادرة على الصمود.

وأكدت ربا العجرامي في حديثها للأيام النيوز: “الظروف صعبة، لكن ما يميز الغزيين هو تمسكهم بروح رمضان، بإحياء الشعائر قدر الإمكان، والحفاظ على قيم الكرم والتكافل، رغم الألم والمعاناة اليومية.