السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

رواية الرواية في “مدينة اللّه” للكاتب “حسام شحادة “

Author
جبر جميل شعث 13 نوفمبر 2024
X Facebook TikTok Instagram

لعل ما ميز الثورة الفلسطينية عن غيرها من الثورات وحركات التحرر العربية وغير العربية، أنها شكلت جبهة ثقافية صلبة منعت أي اختراق للوعي الفلسطيني بموازاة الجبهة المسلحة وبالتزامن معها. لقد كان النضال الفلسطيني عبر الكلمة شاقًّا وكلف أصحابه المتمسّكين به من شعراء وكتاب رواية وقصة قصيرة ومسرح وشعر شعبي أثمانًا دفعوها إما بالأسر أو النفي أو الاغتيال. ينطبق هذا على الكُتّاب في الداخل الفلسطيني (1948) وعلى الضفة والقدس وقطاع غزة. وقد نال بعض الكُتّاب الفلسطينيين نصيبهم من المعاناة والمنع والمطاردة في بعض دول المنافي والمهاجر.

وليرجع من يريد أن يستزيد إلى كِتاب “غسان كنفاني” الريادي في هذا السياق (أدب المقاومة في فلسطين 1948-1966)؛ ليدرك حجم تلك المعاناة التي تكبّدها كُتّاب فلسطين؛ ليؤسسوا جبهة ثقافية راسخة وصلبة؛ لتكون رديفًـا وإسنادا للمقاومة الفلسطينية المسلحة.

ما دعانا إلى هذه المقدمة الموجزة، هو أن أصل الصراع بيننا وبين الآخر الإسرائيلي، ذو طبيعة ثقافية، كونه يسوق ويُسوّق لروايته التي هي نقيض روايتنا الفلسطينية، بادعائه أن هذه الأرض وفي القلب منها القدس هي أرض له، ويستند على ذلك من ضمن ما يستند إليه، على سبب ميثولوجي غيبي لا أساس له تاريخيًّا ولا أركيولوجيا.

ورواية “مدينة الله” للكاتب “حسام شحادة”، تقع ضمن التناول الثقافي، فهي تتصدّى لموضوع “القدس” من منظور ثقافي بحت، فالرواية كانت رواية لروايتنا الفلسطينية الساطعة، التي لا يأتيها الكذب والخداع والتزوير من أي جانب، مقابل رواية النقيض الآخر الغارقة في كل ذلك.

وما يؤكد ما ذهبنا إليه أن أحداث الرواية تبدأ بتكليف الدكتور “وليام تشافيز” لطالبته النجيبة “سارة”  المختصة بعلم الآثار وفكّ الشفرات، بتمثيل دار الدراسات والبحوث التاريخية في لندن، الذي يرأسه، ببحث بعنوان “المعالم التاريخية لمدينة الله”، أو الأصول التاريخية لمدينة داوود، في مؤتمر سيعقد في الجامعة العبرية وخلال أحداث الرواية الكثيرة ومن خلال شخصياتها الأساسية والثانوية المُنمِّيَة للأحداث تكون الموضوعة الرئيسة هي الموضوعة الثقافية من خلال البحوث والبحوث المضادة، بحوث أعدّها رجال دين وأمن وسياسة إسرائيليين؛ لإثبات حقهم التاريخي في القدس، وبحوث مضادة تدحض ذلك من خلال مركز الدراسات برام الله  والمحاضرات والمداخلات والحوارات والسجالات وإبراز بعض طقوس الأماكن والجماعات خاصة منها الدينية كجماعة ناتوري كارتا اليهودية في حي “مياشعاريم” المناهضة لدولة الاحتلال، وتلك التي كانت في قرية “الصرم رداع قدس” اليمنية.. كما أننا لن نغفل عن الطبيعة الثقافية لمعظم شخصيات الرواية.

لقد أخذ الكاتب دور الراوي العليم أو الراوي الخارجي الذي يعلم بكل ما في الرواية دون أن يتدخل فيها ودون أن يكون جزءًا منها؛ من خلال استخدام ضمائر الغيبة، حين سرد الأحداث وإنشاء الحوارات وتوتير المواقف وخلق المفارقات. فقد تجوّل كونه راويًا عليمـا، في عقول الشخصيات وهيكل تفكيرها، وغاص في نفسياتها مُخرجا منها الدر والحصى، ووصفها فيزيائيا واجتماعيا وسلوكيا.. بعبارة أخرى جعل الشخصيات تفكر وتنطق بما يريد هو، وكما يرى، وكما يؤمن، وهذا بالضبط هو بؤرة الرواية.

لا يمكن أن نقفز عن مكون المكان في الرواية، كيف ونحن بصدد قراءة رواية المكان، وليس أيّ مكان إنها القدس أو يبوس أو إيلياء أو بيت المقدس أو دار السلام.. إنها المدينة الأكثر إشكالية في الدنيا، المدينة التي يتناوشها أصحاب الديانات السماوية الثلاث، وكل منهم يدّعي وصلا وصلة وثقى بها أكثر من الآخر وهذا موضوع نتركه للتاريخ ولعلم الآثار والحفريات وما تبقى من وثائق جلدية أو حجرية أو كتابية؛ ليحكم عليه، ولكننا نظن أنه قد حكم لصالح روايتنا على الأقل من جانبنا، نحن المسلمين.

لقد تنقّلت شخصيات الرواية وأحداثها في أماكن عديدة: لندن، القدس، “تل أبيب”، رام الله، الناصرة، القاهرة، عدن، قرية يمنية بمحافظة تعز اسمها “صرم رداع قدس”… وكل مكان من هذه الأماكن بصرف النظر عن قدر ارتباطه وفعاليته في أحداث الرواية وصراع الشخصيات، شكّل سهما يشير إلى المكان/ المحور “مدينة الله”.

يُقال إنّ الوصف روح السّرد، وقد وعى كاتبنا هذا  ووظّفه بدقة وحذق في وصف الشخصيات والأماكن والشوارع والأحياء، وقد كان وصفه للقدس وبعض ضواحيها وأبواب المسجد الأقصى، وصفا دقيقا اقترب في بعض منه من التوثيق.

وإذا ما ذكرنا مكوّن الزمان في الرواية، فهو زمن قصير غير ممتد، يبدأ من لندن فالقدس، فرام الله، مرورا بالقاهرة وانتهاء بتعز اليمنيّة، فالأحداث التي دارت في تلك المدن وغيرها لم تشغل حيزا كبيرا من الوقت.

ولكن يمكن أن نعدّ زمن الرواية زمنا ممتدا لآلاف السنين، إذا ركزنا في خطوط الرواية الخلفية، من جهة التاريخ، وما ارتبط بمدينة القدس من أحداث في التاريخ القديم والوسيط والحديث.

ونحن نقرأ في رواية “مدينة الله”، ونركز في الشخصيات وما تميّزت به من مواقف واجتهادات واستقصاءات، واجتراح أجوبة لأسئلة كثيرة غامضة محيرة، تذكرنا شخصيات  روايات المترجم والروائي الفلسطيني “أحمد عمر شاهين” (1940-2001)، سيما المركزية منها، فقد كانت شخصيات بعض رواياته تنتمي إلى الحقل الثقافي أيضا بتنوعاته وعنواناته المختلفة، غير أننا وجدنا، أو هكذا رأينا، أن الشخصيات لدى “أحمد عمر شاهين” لم تتمتع بحركية ثقافية فاعلة، في حين أن شخصيات رواية “مدينة الله” امتازت بتلك الحركية الثقافية الفاعلة، الباحثة المنتجة.

لقد قسّم “تودورف” السّارد إلى ثلاثة أقسام: سارد يعرف أكثر مما تعرف الشخصية (الرؤية من الخلف)، وسارد يعرف ما تعرفه الشخصية (الرؤية المصاحبة)، وسارد يعرف أقل مما تعرف الشخصية (الرؤية الخارجية). وقد مزج الكاتب بين الحالتين الأولى والثانية وربما لجأ إلى ذلك؛ لينطق شخصياته بقناعاته، وبما يؤمن به، سيما حين يرتبط الموضوع بالجدل والسجالات حول “مدينة الله”، كأنه يرمي إلى إثبات وتوطيد روايته، وترسيخها في نفس ووجدان المتلقي.

قلنا إن شخصيات الرواية، الثانوية والنامية والرئيسة كلها اتحدت في كتلة واحدة لتحريك الأحداث الكثيرة المثيرة، وتوجيهها نحو الحدث المركزي للرواية.

ولقد تبدّى النوع الأول للسارد، الذي يعرف أكثر، في تدخل الكاتب حين جعل بعض شخصيات روايته تقوم بمهمة الهجمات البحثية، كردٍّ ناف وداحض لرواية الآخر النقيض.

في حين تبدَّى النوع الثاني في المعلومات الشائعة التي يعرفها الكاتب، ويعرفها مواطنوه الفلسطينيون وأشقاؤه وإخوانه  من العرب والمسلمين، وهي التي باتت تشكل قناعات راسية، متوجة بهالات من القداسة والتنزيه عن كل ريب.

نزعم أننا متابعون مثابرون لما يصدر من روايات في فلسطين، وبدرجة أقل في الوطن العربي، ومن مخرجات هذه المتابعة، وجدنا أن بعض كُتّاب الرواية على الأقل في قطاع غزّة، لا يميّزون بين السّرد الحكائي والسرد الروائي، فيستخدمون الأول، فينتج عنه حكاية أو (خريفة) كتلك التي تحكيها الجدات للأطفال، أو كتلك التي قرأناها في “ألف ليلة وليلة”، أو في السير الشعبية المختلفة، بنية سردية هشّة مهلهلة كثوب قديم بال. ولقد نجا كاتبنا “حسام شحادة” من هذا المطبّ الفني حين استخدم وعن وعي تام السرد الروائي في روايته، الأمر الذي متّن تقنيات السرد الفني لديه.

اشرنا فيما سبق إلى شخصيات “أحمد عمر شاهين” فيما يخص سمات الشخصية الثقافية، مع تسليمنا أن الكاتب لم يتأثر بتلك الروايات، وهذا بخلاف تأثر الكاتب من باب الإفادة، بالكاتب الأميركي “دان براون”، خاصة في روايتيه “شفرة دافنشي” و”الأصل”، وبدا تأثير “براون” في دقة وصف الأماكن وفضاءاتها المتعددة، وفي عنصر التشويق، وكذلك في إشاعة أجواء البوليسية، التي تمثلت في “مدينة الله” بالاختباء والتمويه والبحث والتحري والمطاردة، وتجلّى ذلك بشخصية دكتور “يعقوب”، الذي تعرض للتجسس والملاحقة والمطاردة من قبل رجال دين وأمن وسياسيين إسرائيليين.

أما فيما يتعلق بتخطيط الرواية، وهندستها، فلن يجد المتلقي المتابع الحذق كثير عناء في اكتشاف تأثير الشاعر والروائي السوري “سليم بركات” في رواياته المدهشة كافة.

أضفى الكاتب بعض الأجواء الغرائبية على بعض الشخصيات الثانوية، غير النامية ، كالرجل الخمسيني والستيني اللذين اختفيا، أو تبخرا  في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة بعد حديث غريب غامض مع “سارة”، حول المخطوطة وسرها الذي لم يكتشف، وكذلك العجوز اليمنيّة التي سقطت عن عصاها واختفت أو ماتت. ونحن نرى أن تلك الأجواء الغرائبية التي أضفاها الكاتب، لم تكن لتؤثر على مسار الرواية الفني العام، لو لم تكن.. ولكن في الوقت نفسه، نجد أن الأجواء الغرائبية التي أضفاها الكاتب على مسيرة الخارطة والمخطوطة، ومسيرة الأرواح الطاهرة، وحراس المدينة وطريق البخور، ومغارة سلوان وكهف الجبل اليمني، وحتى الانفجار الأخير الذي شكّل النهاية المفتوحة القابلة لأكثر من تأويل، قد ساهمت في تنكيه مذاق الرواية الفني العام.

مع أن الكاتب قد خاض في أحداث تاريخية عديدة وظواهر اتخذت من الدين ستارا، كظاهرة فرسان المعبد وموقف الكنيسة منهم عبر تاريخ مديد، ومع أنه كاد أن يقع في شرك التوثيق لبعض تلك الظواهر والأحداث، سيما إذا تعلق الأمر بالمكان وبعض طقوس الجماعات الدينية، إلا أننا قد نوقع ظلما كبيرا على الكاتب إذا حشرنا روايته في زاوية التاريخ أو التوثيق، فالرواية قد تحققت أدبيتها، من خلال ثيماتها الفنية التي اصطبغ بها السرد، حتى كادت أن تغطيها كلها.

قلنا ونقول وسنظل نقول: ليست الكتابة ترفًا، أو لقتل الوقت والتسلية، فالكاتب شاعرا كان أو ناثرا يكتب مُنطلِقا من رؤيا أو موقف أو فكرة، أو فلسفة ما؛ ليوصل رسالته إلى المتلقّي من خلال منتجه الإبداعي. وهكذا كان كاتبنا في روايته، فهل استطاع إيصال ما يريد إيصاله لنا كمتلقِّين للرواية؟

ونحن نزعم أنه استطاع ذلك، ولعل عتبة الرواية الأولى (العنوان) كانت أول إشارة لما يروم الكاتب قوله؛ فالقدس “مدينة الله” والله للجميع من أصحاب الديانات السماوية، وهي مدينة ذات طابع روحي بحت، وذات خصوصية دينية وحضارية وثقافية، وذات سحر جاذب، لا يضاهيها في ذلك أية مدينة في كون الله اللامحدود، وعلى ذلك اشتغل الكاتب على فكرة الرواية المركزية، وهي التي كانت مكتوبة في المخطوطة التي تم فك شفرتها في نهاية الرواية: “إنها للسكنى وليست للتّمليك”.

صدرت الرواية عن “دار سمير منصور” في غزّة وتمّت الطباعة في القاهرة لظروف الحرب.