الخميس : 06-10-2022

زيارة الرئيس الجزائري إلى تونس.. ممانعة ثنائية لدرء التدخلات الخارجية

يبدأ الرئيس الجزائريّ عبد المجيد تبّون زيارة رسمية إلى تونس تدوم يومين، وأفاد بيان الرئاسة الجزائرية أن الزيارة تأتي في سياق “تمتين علاقات الأخوّة المتجذرة بين الشّعبين الشقيقين وتوسيع مجالات التعاون والارتقاء بها إلى مستوى نوعي يجسد الانسجام التام والإرادة المشتركة لقيادتي البلدين وشعبيهما”.

وأضاف بيان الرئاسة الجزائرية أن هذه الزيارة ستعمل على ترجمة “الديناميكية التي شهدتها علاقات البلدين منذ تولي الرئيسين عبد المجيد تبون وقيس سعيد رئاسة البلدين في توقيت زمني واحد”.

أما بيان الرئاسة التونسية فقد أكد على أن زيارة الرئيس الجزائري “ستشكّل مناسبة متجدّدة لمزيد تعزيز روابط الأخوة التاريخية وعلاقات التعاون والشراكة وترسيخ سُنة التشاور والتنسيق القائمة بين القيادتين في البلدين حول القضايا الإقليمية والدولية الراهنة”.

جارٌ مثاليّ

وسبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن أعلن أن هذه الزيارة لن تتم سوى “بحضور كامل وزراء حكومته”، ما يبرز الأهمية التي يوليها المسؤولون الجزائريون لتونس، إذ استبقت الجزائر زيارة تبون إلى تونس بزيارة “تحضيرية”، قادها رئيس الحكومة الجزائرية أيمن بن عبد الرحمن، الذي صرّح بعد لقائه بالرئيس التونسي أن حكومته “تعمل على تكريس هذه التوجهات حتى نتمكن من توجيه هذه العلاقة إلى الأفاق المسطر لها، من إندماج وتكاملية خاصة في التعاملات وتعميق في كل المجالات التبادلات بين البلدين”.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيد قد اختار الجزائر كأول وجهة له بعد انتخابه، حيث قام بزيارة رسمية في فبراير/ شباط من العام 2020، أكد فيها “التطابق التام والمطلق في وجهات النظر بين البلدين على كل المستويات”.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر البروفيسور إدريس عطية إن “دلالة الزيارة الرئاسية تأتي بعد مرور سنتين على انتخاب الرئيسين تبون وسعيد، ومباشرتهما لإصلاحات شاملة، وتشكيل كتلة ممانعة أمام الدول التي انخرطت في التطبيع مع الكيان الصهيوني”.  

ويضيف البروفيسور عطية أن “الزّخم الدبلوماسي الذي يعرفه محور الجزائر تونس، والدعم التونسي اللامتناهي للمقاربة الجزائرية لحل الأزمة الليبية على اعتبار الدولتين تتقاسمان حدودا مشتركة مع ليبيا، سيُلقي بثقله للدفع من أجل حلّ سياسي في ليبيا، وإنجاح الموعد الإنتخابي ليوم الرابع والعشرين من ديسمبر كانون الأول”.

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أطلق تصريحات غير مسبوقة حول تونس في تشرين الأول من العام الماضي قال فيها إن “ما يمس تونس يمس الجزائر، وأن من تسول له نفسه المساس بأمن تونس سيجد الجزائر بالمرصاد”، وأضاف الرئيس الجزائري أنه يعتبر تونس ” جارا مثاليّا للجزائر” في إشارة إلى حالة الوفاء والإحترام والتقدير التي تطبع العلاقات بين الدولتين وبين الشعبين.

وأضاف تبون في لقائه مع الصحافة المحلية “الذي يمس تونس يمسنا، إننا نحرم على أنفسنا التدخل في أمور تونس الداخلية، ومن يهدد أمنها سيجدنا بالمرصاد”، وشدّد الرئيس تبون على أن بلاده “لا تقبل الضغط على تونس من قبل أطراف خارجية”.

وبالنسبة للمحلل السياسي البروفيسور إدريس عطية فإن “الجزائر رافعت من أجل سيادة الجارة تونس وسيادة ليبيا وسيادة جميع دول منطقة الساحل الأفريقي، وضرورة تكريس مبدأ الندية في التعاملات الدبلوماسية لدرء أخطار التدخلات الخارجية السافرة كما كان يحدث في الماضي، والأمر نفسه بالنسبة لتونس فقد أشار الرئيس التونسي أن أمن تونس من أمن الجزائر”.

تونس تتنفس برئتين جزائريتين

وتزامنت التصريحات الجزائرية مع الأزمة العاصفة التي عاشتها تونس بعد قرار الرئيس سعيد تجميدَ عمل مجلس النواب ورفع الحصانة عن كل أعضائه وعزلَ رئيس حكومته هشام المشّيشي وتوليه السلطة التنفيذية، بعد صيف ساخن شهد احتقانا شعبيا كبيرا جراء انهيار المنظومة الصحية التونسية في أعقاب الصعود الصاروخي لعدد ضحايا جائحة كورونا بسبب انعدام مكثفات الاوكسيجين.

وسارعت الجزائر حينذاك لنجدة التونسيين، حيث أقامت وزارة الصحة الجزائرية خطّا بريا من صهاريج الأوكسيجين لتغطية عجز المشافي التونسية، ومرّرت الحكومة الجزائرية عشرات الشاحنات الضخمة الحاملة لمولدات الأوكسيجين.

 وكتب الإعلامي التونسي ذائع الصيت سمير الوافي مشيدا بالخطوة الجزائرية: “شكرا للشقيقة التي لم تخذلنا في زمن الاختناق…تونس تتنفس بِرِئَتينِ جزائريّتين” وأضاف الوافي: «تدفّق مادة الأكسجين يوميا من الشقيقة الجزائر أنقذ الناس، حيث بلغت الكميات ملايين الليترات، في كل الظروف وعبر كل المنافذ وبسرعة وتسهيلات، ودون مساومة وانتهازية واستغلال للوضع رغم أنها المادة الأولى المطلوبة عالميا، آلاف التوانسة تم إنقاذهم وإسترجعوا حياتهم بأوكسيجين جزائري وبمحبة الأشقاء وتضامنهم وكرمهم ووفائهم للعهد وللتاريخ”.

وهي تغريدة لقيت انتشارا كبيرا في كبرى الصحف والمواقع والمنصّات الإلكترونية بالبلدين الشقيقين.

300 مليون دولار من الجزائر لتونس

تنطوي زيارة الرئيس الجزائري إلى تونس أيضا على بُعد إقتصادي بالغ الأهمية، فتونس التي تعيش وضعا اقتصاديا خانقا مقابل وضع أقل صعوبة بالنسبة لجارتها الجزائرية، تعوّل كثيرا على الدعم الجزائري لها، خصوصا وأن البلدين مرتبطان باتفاقية تجارية تفضيلية منذ العام 2008.

وسبق للرئيس الجزائري أن تعهّد بالتوقيع على كافة الاتفاقيات المجمّدة مع الجانب التونسيّ حالما يتمّ تشكيل الحكومة التونسيّة.

وعقد الطرفان خلال الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الجزائري أيمن بن عبد الرحمن حلقة مشاورات معمّقة في قطاعات اقتصادية كالمالية، والتجارة وترقية الصادرات، الطاقة والصناعة والمناجم وكذا الأشغال العمومية.

 والثلاثاء أعلنت السلطات التونسية أنها حصلت على قرض جزائري يتجاوز ربع مليار دولار، وتضمّنَ العدد الأخير من الجريدة الرسمية التونسية أمرًا رئاسيّا تونسيا ينصّ على “الموافقة على البروتوكول المالي المبرم بتاريخ 9 ديسمبر 2021 بين حكومتي البلدين، وينص على منح قرض لفائدة الجمهورية التونسية بمبلغ 300 مليون دولار أمريكي”.

ويرى الكاتب الصّحفي المتخصّص في الشّأن التّونسي عثمان بوعبد الله أن “الخطوة الجزائرية هاته تأتي لتقطع الطريق أمام الدول التي تناور من أجل استغلال الهشاشة الاقتصادية التي تمرّ بها تونس، لاستباحة سيادتها، والجزائر كما هو معروف دولة لا تميل إلى الابتزاز ولا تتاجر بالأزمات”.

وعن أهميّة هذا الدعم المالي الجزائري للشعب التونسي صرّح بوعبد الله للأيام نيوز أنّ “الجزائر تدرك جيّدا صعوبةَ الموقف الاقتصادي التونسي، وحالةَ الانكماش المسجّل بعد تراجع مداخيل القطاع السياحي الذي يعوَّل عليه كأهم رافد لدعم الموازنة العامة للدولة التونسية”.

وتشير تقارير إعلامية تونسيّة أن الزيارة الرئاسية الجزائرية ستكون فرصة لتعميق الإندماج الاقتصادي بين البلدين، وتعزيز الشراكة لتنمية المناطق الحدودية سيما في الجانب التونسي حيث تعاني من تأخر تنموي كبير.