الثلاثاء، 19 مايو 2026 — 1 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

سأغنّي من أجل بعوضة تتراقص أمام عيني!

Author
وحيد حمود 02 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

لا يمكن أن أكون متلوّنًا كالحرباء. منذ صغري، إمّا أن أذهب بكلّي أو أبقى بكلّي. لقد حاولَت الدنيا جاهدةً أن تقضي عليّ، أن تقايضني، أن تمنحني بعض الهدوء من أجل حياةٍ آمنة، كنت أسمعها تهمس في أذني: ابقَ مطأطئ الرأس من أجل أن تحمي نفسك، كلّ الرؤوس التي رُفعت قُطِعت.

لكنني لن أحيد، هذا أنا ومتى كُتب لهذا الرأس أن يُقطع سيُقطع، لن أفاوض من أجله، سأغنّي من أجل بعوضةٍ تتراقص في ليالي البرد أمام عينيّ ولن أقتلها، فصوتها يسلّيني في الليل، وسأرمي كلبًا بحصى إذا ما علا نباحه فأزعجني، وربّما سأحضنه مرة ثانية لكي أعتذر منه، ولكن لن يفرض عليّ أحد كيف أكون ومن أكون.

لأجل كلّ الذين خافوا أن يكتبوا حرفًا، أو يخطّوا كلمة، وجدتني أكتب. لأجل كلّ الذين ماتوا ولم يعترف بهم أحد قرّرت أن أكتب، شدّتني الأوراق من يدي ومنحني الله حبرًا ودسّت الملائكة أقلامًا في جَيبي، وقلت: لأجل أن أكون صوت كلّ المهمّشين سأكتب.

الحرب لا تشكّل مرحلةً تمرّ فوق جلدنا، وتترك وشمًا نتفاخر به أمام الآخرين أو ندبةً نُظهرها لكي نوصف بالشجعان، الحرب أعظم من ذلك، إنّها تسري في عروقنا لكي تعود إلينا إنسانيتنا، ليس إنسانًا من لم يترك الاصطفافات كلها جانبًا ويقف إلى جانب أخيه الإنسان، هكذا كما خلقه ربه، عاريًا من اسمه، ودينه، وبيئته ومجتمعه.

فكّروا معي، ماذا حصلنا من الحروب؟ مدارس أدبيّة تعلّمنا أن نقف فنفكّر فيما سوف نخطّه، ولكنّها تنسى أن تعيدنا إلى أصولنا الحقيقية، أصولنا البشرية، نحن آدميّون، نبكي من أجل غصن شجرةٍ قُطع بآلةٍ حادّة، فكيف نسكت عن أطفالٍ تُباد في أيّ مكان؟ كيف نرى النساء يُغتصبن ولا تحلّ بنا شرارة السخط من الشياطين الذين يشعلون الحروب من أجل البقاء؟

وهمٌ كبير كلّ ما تفعله الحروب بشكلها المباشر، أما الشكل الباطني المخيف فهو تجريدنا من إنسانيتنا، وإن فقدناها فقد صرنا أقرب إلى الحيوانات ولن ينظر إلينا الله إلا كالبهائم التي لا عقل يُرشدها.

أكتب في الحرب عن الحرب، لأنّني لا أستطيع أن أوقف نزيف شريان العالم، ولا أستطيع أن أضمّد جراح الكون أجمع، ولذلك أكتب عن إنسانيتنا التي تستنجد بنا، أنا وأنت وأنتِ وكل من يحمل في جيبه يراعًا، نحن معنيّون في أن نكون بشرًا فقط، أن نحكي الحقيقة كما هي، وأن نلعن الظلام والظلّام، وأن نعرف أن عدوّنا الأوحد هو الشيطان الذي يعبث فيغتصب أراضينا ونساءنا وأطفالنا في لبناننا الحبيب وفي فلسطين الأبية وفي كل مكان يُذبح به طفلٌ وتُسبى فيه امرأة حرّة.

يا معشر الكتّاب، قولوا كلمة الحق وقفوا إلى جانب الإنسان، واعلموا أنّ الحروب إلى زوال، وأنّ الحق منتصرٌ مهما طال الأمد.