الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

سألوني عن الجزائر

Author
محمود سيد محمد 07 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

سألني صديق من الغرب: ما الذي تعرفه عن الجزائر؟ فلم أكن لأجيبه بكلمات منمقة، بل بالأرقام والحقائق. فالجزائر التي فجّر ثورتها ملايين الشهداء، تقف اليوم شامخة لا بطولها التاريخي فحسب، بل بما تملكه من ثروات، وما تحققه من أرقام تنطق بإرادة وطن لا يعرف المستحيل. وإليكم الصورة برقمها القاسي والجميل.

أولاً: الحجم والجغرافيا والثروات

الجزائر هي البلد العاشر الأكبر مساحة في العالم، والأولى عربياً وإفريقياً، بمساحة تتجاوز 2.38 مليون كيلومتر مربع. حين نتحدث عن النفط والغاز، تتحدث الأرقام: تبلغ احتياطيات النفط المؤكدة 12.2 مليار برميل، لتحتل المرتبة السادسة عشرة عالمياً، بينما تمتد احتياطيات الغاز الطبيعي لتضعها رابع أكبر دولة عربية في احتياطيات الغاز. ويصل إنتاج الغاز المتوقع إلى 10 مليارات قدم مكعب يومياً خلال 2026. هذه الثروات جعلت الجزائر تحتل المرتبة الرابعة إفريقياً في إنتاج النفط، بعد أن بلغ متوسط الإنتاج نحو 934 ألف برميل يومياً في 2025.

ثانياً: الاقتصاد والناتج المحلي

يستقر الناتج المحلي الإجمالي الإسمي للجزائر عند 317.17 مليار دولار في 2026، مع معدل نمو 3.8%. ويبلغ نصيب الفرد من الناتج 6,628 دولاراً، مرتفعاً من 6,047 دولاراً في 2025. ويطمح الرئيس تبون إلى الوصول بالناتج الإجمالي إلى 400 مليار دولار بحلول نهاية 2026، مع خفض التضخم إلى أقل من 2%.

قطاع الصادرات غير النفطية مصدر فخر وطني، حيث تجاوزت قيمتها 4.3 مليارات دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، بزيادة نسبتها 26%. كما أن الإنتاج المحلي يُغطي الآن حوالي 80% من الاحتياجات الوطنية، مما يعكس نجاح سياسة تقليل الاعتماد على الخارج.

أما قطاع السياحة، فاستقبلت الجزائر نحو 3.55 مليون سائح بنمو 7.77%، مع طموح مضاعفة العدد إلى ثمانية ملايين في السنوات المقبلة. قطاع السياحة الصحراوية وحده استقطب 750 ألف سائح عام 2025.

ثالثاً: القدرة العسكرية والتنمية البشرية

الجزائر دولة لا تُستهان بقوتها العسكرية: خصصت 25 مليار دولار للميزانية العسكرية في 2025 و2026، متضاعفة ثلاث مرات منذ 2021، لتصبح الأكبر في إفريقيا والمغرب العربي. هذا الإنفاق يعكس تحديثاً للقوات المسلحة وتعزيزاً للسيادة والأمن الوطني.

في مؤشر التنمية البشرية، تقدّمت الجزائر 18 مرتبة دفعة واحدة، محققة واحدة من أعلى القفزات على مستوى العالم. وجاءت في المرتبة السابعة عربياً والثالثة إفريقياً، ضمن فئة الدول ذات “التنمية العالية”.

رابعاً: الكرم والرجولة والشجاعة

لكن هناك أرقاماً تحكي قصصاً أعمق. حين نتحدث عن الكرم الجزائري، فإن مؤشرات العطاء تتحدث: تحتل الجزائر مراتب متقدمة عربياً في العمل الخيري والتبرعات، حيث يُقدر حجم التبرعات الفردية والمؤسسية السنوية بمئات الملايين من الدولارات، خاصة في مواسم رمضان والأزمات. وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن أكثر من 70% من الأسر الجزائرية تشارك في مبادرات التكافل الاجتماعي (إفطار صائم، كسوة الشتاء، إكرام الضيف). وتُصنف الجزائر ضمن أعلى الدول العربية من حيث عدد الوجبات المقدمة للمحتاجين في شهر رمضان، حيث تتجاوز 10 ملايين وجبة سنوياً، وفق تقديرات الجمعيات الخيرية المحلية.

أما الرجولة، فهي في الجزائر ليست مجرد صفة، بل سلوك متجذر في عرف “الرجاجلة” الذي يُحتكم إليه في حل النزاعات وحماية الضعيف. ومن مظاهره: أن الجزائر تحتفظ بواحدة من أدنى نسب الجريمة في القارة الإفريقية، رغم حجمها السكاني الكبير (45 مليون نسمة). ويُسجل مؤشر الأمان في المدن الجزائرية درجات عالية مقارنة بدول الجوار.

أما الشجاعة، فمحكها الأكبر هو ثورة التحرير العظمى (1954-1962). قدمت الجزائر 1.5 مليون شهيد، أي ما نسبته 7% من السكان آنذاك، وهي أعلى نسبة شهداء بين حركات التحرير في القرن العشرين. كما سُجِّل أكثر من 300 ألف أسير تعرضوا للتعذيب، ومليوني لاجئ عبر الحدود. ولا تزال هذه الروح حية: في الجيش الوطني الشعبي الذي يُصنف من بين أقوى 20 جيشاً في العالم، وفي متطوعي الحماية المدنية الذين استجابوا لحرائق الغابات الكبرى (2021-2022) حيث بلغ عدد المتطوعين أكثر من 50 ألف شاب في يوم واحد.

يقول المثل الجزائري: “الجود من الموجود، والرجولة من المفقود”، وكأنهم يدركون أن الكرم والرجولة نادران في العالم، لكنهما في الجزائر موجودان بكثرة.

خامساً: أبرز العلماء والإسهام في النهضة قديماً وحديثاً

إن ما يكشف معدن الجزائر الأنقى هم أبناؤها العلماء. إذا سألتم عنهم فستُبهركم سيرتهم؛ فهذا هو عبد الحميد بن باديس، مؤسس ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي حمل راية الإصلاح في فترة كانت الفرنسة تحاول وأد الشخصية الجزائرية. بجهود 72 عالماً آزروه، لم تكن مهمة الجمعية تعليم القراءة والكتابة فحسب، بل كانت معركة بقاء هوية، فأسّسوا مدارس ربّت الأجيال على حب الوطن.

كان محمد البشير الإبراهيمي رفيق درب بن باديس، ليس كاتباً بارعاً فحسب، بل نموذجاً للعالم الذي لا يكتفي بالنقد. أثبت أن اللغة العربية قادرة على حمل مشروع إصلاحي كامل. كانت كتاباته في “عيون البصائر” بمثابة نبراس للصحافة الوطنية.

لم تقتصر الإسهامات على قطبي الحركة، بل زخرت الجزائر بنماذج عظماء؛ الشيخ محمد بن يوسف أطفيَّش، الذي ترك تراثاً علمياً ضخماً في التفسير والفقه والنحو. أما عبد الرحمن الجيلالي، صاحب “تاريخ الجزائر العام” الشهير (4 أجزاء)، فقد خلّد بطولات الشعب.

لقد أدركوا باكرا أن وعي الشعوب يُصنع في الفصول الدراسية قبل ساحات المعارك. إنهم معلّمو الأجيال وصنّاع الوعي الذين أهدوا أمتهم روح النهضة التي نراها اليوم.

تُرى، أيكون من العجب بعد هذا كله أن يتحول 16 أبريل من كل عام إلى “يوم العلم” في الجزائر، تكريماً لذكرى رحيل بن باديس؟ إنه تكريم للفكرة قبل الأشخاص، تقديراً لمن أيقظوا أمة من سباتها.

خاتمة: إرادة وتحديات

هذه الأرقام وهذه السير ليست مجرد أرقام وحكايات، بل هي ثمرة تضحيات شعب صنع حريته بنضاله، وإرادة سياسية تعمل على بناء دولة قوية.

Author محمود سيد محمد
باحث سياسي، عضو في المؤسسة المصرية للدراسات السياسية الاستراتيجية