الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

سؤال صادم للبنتاغون: هل ينتهي امتياز “الذكر الأبيض” بالتبييض؟

Author
الأيام نيوز 04 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

ادعى البنتاغون الأمريكي أن حقبة الترقيات المبنية على اعتبارات الانحياز الفاضح لـ”الذكر الأبيض” قد طُويت نهائيا، وذلك ردا على تقارير تتحدث عن إقصاء ضابطات – لكونهن إناثا – وضباط – لكونهم من ذوي البشرة السوداء – من صفوف البحرية الأمريكية. وأوضح المكتب الإعلامي للبنتاغون عبر منصة “إكس” أن معايير الجدارة والكفاءة والأداء ستكون المحدد الوحيد للتوظيف والترقية داخل المؤسسة العسكرية، نافيا أي اعتبار للهوية الجنسية أو العرقية في هذا النوع من القرارات، لكن بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني تظل مسافة يصعب تجاهلها، وهو ما يثير جملة من الأسئلة التي لا تكفي التصريحات للإجابة عنها، بل تتطلب ما هو أكثر من ذلك!..

وأشعلت قرارات وزير الدفاع بيت هيغسيث المتعلقة بتجميد ترقية عدد من الضابطات والضباط من ذوي البشرة السوداء في البحرية الأمريكية جدلا متصاعدا بشأن ظاهرة التمييز العنصري داخل المؤسسة العسكرية. وتستند هذه الاتهامات إلى معطيات تفيد بأن أكثر من 60 بالمئة من كبار الضباط الذين طالتهم قرارات الإقالة أو تجميد الترقيات ينتمون إلى فئتي النساء والأمريكيين السود، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة وانتقادات واسعة في الأوساط العسكرية والسياسية الأمريكية.

وفي ظل السجال الذي أثارته هذه القرارات، تفتح “الأيام نيوز” الملف من زاويتين مترابطتين: الأولى تتناول الخلفيات التي جعلت البنتاغون يعتمد لعقود اعتبارات العرق والجنس ضمن سياساته الوظيفية ومسارات الترقية، قبل أن يعلن اليوم التخلي عنها والعودة إلى خطاب يضع الجدارة والكفاءة باعتبارهما المعيار الوحيد للاختيار والتدرج المهني داخل المؤسسة العسكرية.
أما الثانية فتبحث في الاتهامات التي رافقت قرارات وزير الدفاع بيت هيغسيث بتجميد ترقيات ضابطات وضباط من الأمريكيين السود وإقالة عدد من النساء والأمريكيين السود، وما إذا كانت هذه الخطوات تندرج ضمن إعادة هيكلة مهنية للمؤسسة العسكرية أم تعبر عن توجه سياسي يستهدف تقليص حضور النساء والأقليات داخل مواقع القيادة والنفوذ في الجيش الأمريكي.

منير شحادة، عميد متقاعد في “الجيش” اللبناني

وفي قراءته لجذور هذا الجدل، يلفت العميد السابق في الجيش اللبناني منير شحادة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن المناصب العليا داخل الجيش الأمريكي بقيت حتى مطلع التسعينيات تحت هيمنة الذكور البيض، رغم الحضور الواسع للأقليات في المستويات الأدنى من السلم العسكري. ويربط هذا الواقع بعوامل تاريخية ومؤسساتية دفعت واشنطن لاحقا إلى تبني سياسات تستهدف توسيع فرص الوصول إلى مواقع القيادة أمام النساء والأقليات العرقية.

غير أن هذا المسار – وفق شحادة – دخل مرحلة جديدة مع عودة المحافظين إلى السلطة. فبحسب الخبير، ينظر الرئيس دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث إلى هذه البرامج باعتبارها انحرفت عن أهدافها الأصلية وتحولت “من أدوات لتحقيق تكافؤ الفرص إلى وسائل تمنح أفضلية لفئات معينة على حساب معيار الجدارة”. وهو ما تيبب في فضيحة مدوية، دفعت البنتاغون إلى الإعلان رسميا بأن العرق والجنس واللون لن يكون لها أي دور في التوظيف والترقية، وأن الأداء والكفاءة سيشكلان المرجعية الوحيدة للاختيار.

صدمة الترقيات في البنتاغون

وفي هذا السياق، اكتسبت القضية بعدا سياسيا وإعلاميا واسعا بعد صدور بيان شديد اللهجة عن قيادات التجمع النسائي الديمقراطي والتجمع الأسود في الكونغرس الأمريكي. فقد وصفت رئيسة التجمع النسائي الديمقراطي تيريزا ليغير فرنانديز ونائباتها، إلى جانب رئيسة التجمع الأسود في الكونغرس إيفيت كلارك، قرار شطب امرأتين وضابطين سود من قائمة الترقيات إلى رتبة جنرال بنجمة واحدة بأنه خطوة “فاضحة وغير مسبوقة”.

ولا تقتصر أهمية هذا الموقف على طبيعته الحزبية، بل لأنه يستند إلى معطيات ميدانية تتعلق بالضباط المعنيين أنفسهم. فبحسب البيان، يمتلك هؤلاء سجلات مهنية امتدت لعقود داخل الجيش الأمريكي، الأمر الذي يدفع منتقدي الإدارة الحالية إلى التساؤل حول الأسباب التي دفعت وزير الدفاع إلى التدخل في مسار ترقياتهم رغم استيفائهم الشروط المهنية المطلوبة.

وتعززت هذه التساؤلات بعد سلسلة من التقارير الإعلامية الأمريكية التي رسمت صورة أكثر تعقيدا للملف. فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن بيت هيغسيث أمضى عدة أشهر وهو يضغط من أجل حذف أسماء أربعة ضباط من قائمة الترقيات إلى رتبة جنرال، في حين رفض وزير الجيش دانيال دريسكول الاستجابة لهذه الضغوط مرارا، مستندا إلى السجلات المهنية للضباط المعنيين.

كما أكدت إذاعة NPR لاحقا أن وزير الدفاع تدخل شخصيا لوقف ترقية عدد من كبار العسكريين، بينهم ضابطان أسودان وضابطتان كانوا على وشك الحصول على رتبة جنرال بنجمة واحدة. ونقلت الإذاعة عن مسؤولين أمريكيين أن هذه الخطوة تمثل تدخلا غير معتاد في المسار التقليدي للترقيات داخل المؤسسة العسكرية.

ولم تتوقف القضية عند هذا الحد، إذ كشفت NPR أن عقيدا أسود وعقيدة من فرع آخر للقوات المسلحة أزيلا أيضا من قوائم الترقية، ما يرفع عدد الترقيات التي أوقفها هيغسيث إلى ست حالات على الأقل. وبالنسبة إلى خصوم الإدارة، فإن تركز هذه القرارات داخل الفئات نفسها يمنح الجدل بعدا يتجاوز حدود الصدفة الإدارية أو المراجعة التقنية للملفات.

ويبرز هنا ما أشار إليه شحادة عندما تحدث عن أن نحو 60 بالمئة من الضباط الذين شملتهم قرارات الإقالة أو تجميد الترقيات ينتمون إلى فئتي النساء والأمريكيين السود، رغم أن تمثيل هذه الفئات داخل القيادة العليا لا يتجاوز 20 بالمئة. ولا يعتبر منتقدو الإدارة هذه المعطيات دليلا قانونيا على وجود تمييز، لكنها بالنسبة إليهم تطرح مؤشرات يصعب تجاهلها عندما تتكرر القرارات في الاتجاه نفسه.

وتذهب قيادات التجمعين النسائي والأسود إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن ما يحدث لا يقتصر على ملفات ترقية محددة، بل يعكس توجها أوسع يستهدف إعادة تشكيل النخبة العسكرية الأمريكية. ولهذا اعتبرت أن استبعاد ضباط يمتلكون سجلات مهنية طويلة يشكل جزءا من مسار يستهدف تقليص حضور النساء والأمريكيين السود داخل مواقع القرار.

التشديد المتكرر يثير الشكوك حول النزاهة

وتزداد قوة هذا الطرح عندما يوضع في سياق أوسع يتعلق بمواقف بيت هيغسيث السابقة من قضايا التنوع داخل الجيش الأمريكي. فقبل توليه وزارة الدفاع، نشر كتبا انتقد فيها المؤسسة العسكرية الأمريكية ووصفها بأنها خاضعة لأفكار “اليقظة السياسية” أو ما يعرف بـ”Woke”، كما اعتبر أن سياسات التنوع والإدماج أضعفت فعالية الجيش وأثرت على أولوياته القتالية.

ويستحضر منتقدوه كذلك مواقفه من بعض الشخصيات العسكرية البارزة. فقد أقال هيغسيث الجنرال تشارلز كيو براون، ثاني أمريكي من أصل إفريقي يتولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة، كما أقال الأدميرال ليزا فرانشيتي، أول امرأة تصل إلى أعلى منصب عسكري في البحرية الأمريكية. وفي الحالتين لم تقدم وزارة الدفاع تفسيرات تفصيلية للرأي العام حول أسباب الإقالة.

ويضيف خصوم الوزير أن هيغسيث سبق أن أثار جدلا واسعا عندما تساءل في أحد مؤلفاته عما إذا كان براون وصل إلى منصبه بسبب كفاءته أم بسبب اعتبارات مرتبطة بعرقه. ويرى هؤلاء أن هذا النوع من التصريحات يمنح منتقديه مبررات إضافية للربط بين قراراته الحالية وقناعاته السابقة تجاه برامج التنوع.

كما يربط الديمقراطيون في الكونغرس بين ملف الترقيات وبين إجراءات أخرى اتخذها الوزير منذ وصوله إلى البنتاغون، من بينها إنهاء أو تقليص برامج مرتبطة بالمرأة داخل المؤسسة العسكرية، والدفع نحو إلغاء برنامج “المرأة والسلام والأمن”، فضلا عن إبعاد عدد من القيادات النسائية من مواقع بارزة داخل هرم القيادة العسكرية.

ومن هذا المنطلق، اعتبرت قيادات التجمع النسائي الديمقراطي والتجمع الأسود أن ما يجري “لا يمثل حادثة معزولة”، بل يندرج ضمن “استراتيجية منسقة ومستمرة تستهدف تقويض النساء وذوي الأصول غير البيضاء ومحو حضورهم”. كما ذهبت إلى القول إن الإدارة الحالية تسعى إلى “محو القيادة السوداء والنسائية وتاريخها”، في تعبير يعكس حجم المخاوف التي أثارتها القرارات الأخيرة داخل الأوساط الديمقراطية.

وفي المقابل، ترفض وزارة الدفاع بصورة قاطعة هذه الاتهامات. فقد وصف المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل التقارير الإعلامية المتداولة بأنها “أخبار كاذبة”، مؤكدا أن الترقيات العسكرية في عهد هيغسيث تمنح فقط لمن يستحقها. وأضاف أن “نظام الجدارة الذي يحكم هذه الوزارة نظام غير سياسي وغير متحيز”، في إشارة إلى أن جميع القرارات تستند إلى الأداء والكفاءة المهنية دون أي اعتبار للعرق أو الجنس.

ويلاحظ شحادة أن هذا التحول لا يعني بالضرورة اعترافا بأن الترقيات السابقة لم تستند إلى الكفاءة. فبحسب قراءته، يرى مؤيدو الإدارة الحالية أن بعض سياسات التنوع منحت وزنا أكبر من اللازم لاعتبارات التمثيل الديموغرافي، بينما يتمسك معارضوها بفكرة أن تلك السياسات لم تلغ معيار الجدارة، بل حاولت معالجة اختلالات تاريخية أعاقت وصول كفاءات مؤهلة إلى مواقع القرار.

ومن هنا يضع الخبير العسكري جوهر السجال في سؤال مركزي يتعلق بما إذا كانت سياسات التنوع تعالج اختلالا قائما أم أنها تتحول إلى شكل من أشكال التمييز الإيجابي؟ ومع انتقال الإدارة الأمريكية إلى سياسة معاكسة تقوم على إلغاء هذه البرامج، ظهر سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تمثل الإجراءات الحالية تصحيحا لمسار سابق، أم أنها تفتح الباب أمام اختلال جديد من نوع مختلف يقوم على تضخيم الأرقام للتقليل من خطر الاتهام؟

محسن الشوبكي – خبير أمني

هذا السؤال رد عليه – ولو من زاوية مختلفة – الخبير الأمني محسن الشوبكي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، حين لفت إلى أن التشديد المتكرر على الجدارة والكفاءة يأتي بالتزامن مع إجراءات طالت نساء وأمريكيين سودا داخل المؤسسة العسكرية، الأمر الذي يفتح الباب أمام الشكوك حول ما إذا كانت المؤسسة العسكري في واشنطن تقوم بمراجعات حقيقية أم أنها تحاول التغطية على الواقع فقط، ذلك أن شعار الكفاءة يستخدم اليوم لتبرير إعادة تشكيل القيادة العسكرية على أسس تتأثر بالاعتبارات السياسية والفكرية السائدة داخل الإدارة الجمهورية.