الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

“ساكنة في حركة” لـ”سميرة نڨروش”: لكل شاعرة ثورتها.. أنطولوجيا مكثفة بالحياة والحرية

Author
أبوبكر زمّال 22 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

قبل عشرين سنة، حين وقعت الشاعرة سميرة نڨروش كتابها الشعري الأول: La faiblesse n’est pas de dire، الصادر آنذاك عن منشورات البرزخ، بدت خجولة وهي ترى القرّاء يأتون تباعًا للظفر بتوقيعها. كان المنظر، وهي تفعل ذلك، أشبه بطفلة صغيرة مندهشة تمسك لأول مرة بلعبتها، لا لكي تخفيها عن الأنظار بل لتتباهى بها وتمنحها بعفوية وبراءة. تمنحها عن طيب خاطر لمن جاءها، كانت تقول: “هاؤم اقرأوا كتابي”.

وبعد عشرين سنة، كبرت تجاربها الشعرية في الصمت، كما قالت مؤخرا في بودكاست، غير أنها لم تكبر. ظلت وفية للعبة معقدة وصعبة، في جزائر ضاعت معانيها في ليل الإرهاب والخصومات والحسابات والمصالح، والقنوط واللامبالاة والتفاهات، وغيرها من التوترات التي لم تخرج بعد من النفق المنهك والمظلم. في كل هذا، ظلت لعبتها هي هي، أن تكتب دون توقف أو يأس.

حضور شعري دائم

بقيت متواجدة بنصها، لم تغرّد خارجه إطلاقًا، تحبك خيوطه الشفافة بين الحركة والسكون، في لعبة أخرى تتلاوح بالمتضادات والمتناقضات. فجمعت كل العشرين سنة في أنطولوجيا صادرة أيضأ عن منشورات البرزخ أسمتها: J’habite en mouvement، أو كما أفضل أن أترجمها إلى: “ساكنة في حركة”. فبين السكون والسكن علاقة متشابكة، مثيرة كما هي عادة اللغة العربية عندما تحيل وتنزاح، تجرك إلى أكثر من معنى يتقاطع ويندمج وينصهر.. الهدوء، السكينة، الثبات، الاستقرار، فكيف إذا أقامت فيه الشاعرة سميرة، تشعل وتطفئ فيه شرارة الحركة كما شاءت وأينما شاءت؟

هنا سترتجف المعاني، وتهاجر إلى أقاصي المغامرات الشغوفة بالمجاهيل، والتي لا سقف لها ولا حد، مثلما فعل شعراؤها المفضلون رامبو، رينيه شار، ووو… والذين يتجلون في مساحات واسعة من تجربتها، ورؤيتها، وفهمها للحظة الحياة المتقاطعة بسطوع البدايات. تدرك أنها لن تنتهي في نصوصها، بل يظل الإحساس الطاغي وأنت تتجول في جغرافيات هذه المختارات، أن الشاعرة سميرة تتمتع، وهي تدفعك إلى النبع، ثم تقطع سيلانه، ثم تغريك مرة أخرى، لتتقدم حتى تقنعك أنك قبضت على النهايات، فإذا بك تدور وتدور.. وهكذا دواليك، لن تتعبك، بل ستدهشك، وتخبئ لك في الظلال نصوصًا أخرى بمتع متنوعة، كأنك لم تلمسها من قبل، لا بالقراءة، ولا بالذوق.

17 قصيدة تشكل وتختزل منجزها الشعري، متفرعة الرؤى والهواجس، وحتى في أزمنة وأمكنة كتابتها، مختارة بعناية فائقة، كطبيب ينظر إلى مريضه وفي رأسه نوعية الدواء الذي سيشفيه للأبد كي لا يزور الداء مرة أخرى جسد المريض. (وبالمناسبة، الشاعرة سميرة نڨروش تخصصت في الطب، ولكنها لم تكمل الدراسة وتفرعت للكتابة).

كذلك فعلت في هذه الأنطولوجيا، فكي تفهم نصها، كان عليها أن تسأل: إلى أين وصلت؟ وأين ستذهب في المستقبل؟ وأي قارئ سيتعرف عليها من جديد؟ هل هو قارئ مجموعتها الأولى أم الثانية؟ هل تحوّل؟ هل هو نفسه الذي سيمرن عينيه على هذه النصوص وسيتذكر أنها هي التي كتبت: الأوبرا الكونية (2003)، في ظل غرناطة (2006)، وجاز الزيتون (2010)، ورصيف 211 (2019)، آثار (2021)، ومحطات (2023).

ربما راودتها هذه الأسئلة وهي تتأمل كل هذه العشرين سنة من الإبحار في تخوم الشعر، وفي بيئة تكاد تكون لوحدها من بين الشاعرات اللواتي يكتبن بالفرنسية الأكثر لفتًا للانتباه بحضورها الدائم وحركيتها ضمن مسار الكتابة النسوية في هذا المجال، إذ يندر أن تجد شاعرة غزيرة الإنتاج من الشاعرات الفرنكوفونيات – إن صح التصنيف – مثلما هي عليه سميرة. وهذه السمة التي تميزها، وللمفارقة، نجدها بارزة عند الشاعرات اللواتي يكتبن باللغة العربية، فهن منتشرات بكثرة، إما عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال بعض دور النشر القليلة التي تغامر بطباعة أعمالهن الشعرية، على تفاوت في النبرة والمستوى والقيمة.

عتبات الخيال والكتابة

في نصوصها، يلد كل شيء يمكن أن تلتقطه وهي تكتب، إن كان حسيًا أو مجردًا، ملموسًا أو محسوسًا، بسيطًا أو عميقًا، عبثيًا أو جدّيًا، بياضًا أو سوادًا، عابرًا أو ثابتًا، حاضرًا أو غائبًا. لا تقف عند أي هاجس إلا ووراءه أكثر من معركة تأخذها إلى ذاكرة بكر أو أرض أخرى. المهم أن تذهب إلى الذروة، امتثالا لوصايا متخيلة لرامبو.

قال لي رامبو:

نحن أطفال أسطورة تعبرنا

حيث تدمغنا مأسي شعوبنا

نحن ظلال ميتة لمعركة قادمة.

أو كما ترك لها الشاعر الجزائري الراحل جمال عمراني، الأب الروحي للشاعرة، وصية واحدة لمسلك واحد عليه أن تتخده: “قال لي جمال عمراني: لكلٍ ثورته”.

رسم جمال عمراني وآرثر رامبو، بعض من المغامرة الشعرية لسميرة، حتى لا نقول دلاّها على هذه الحكاية الجميلة. اندست فيها ولم تغادرها رغم سيطرة الخوف والخراب والقلق والجراح والألم والفقد، على ذكرياتها الموشومة والمشروخة التي غدت عندها أصواتًا ضد العتمة والظلام والنكوص وإرهاقات الأوقات العقيمة: “لو أنك تعرف كم من الوقت يعبرني، وأنا أعبرك”.

هكذا، بشيء من الإنتباه النادر، تركا لها حرية الغوص في كل شيء، تصغي وتشرح وتفتل بين أصابعها لغةً شعريةً محمولةً بكل الصفات والمقامات، من العادي إلى المدهش، إلى السوريالي، إلى الصوفي. تنقلها بيسر من حالة إلى أخرى، وبالكثير من التأمل. تأتي إليها مطواعة، وإن أرادت إعادة بنائها، فلن تشعرك أنها تتعثر في جملة أو حرف أو صورة. لذا، لا تتكرر لديها القصائد، فمجمل هذه الأخيرة داخل هذه الأنطولوجيا لا تسير على نمط واحد، وفي مسطرة معنى واحد، بل تتعدد وتتفرد.

فسواء نزلتْ إلى “ذاكرة الأب”، أو حاورتْ في “سبع مونولوغات زهرة الياسمين”، أو أرتشفتْ على مهل “قهوة بدون سكر”، أو أسمعتْ الـ “جاز” لشجر الزيتون”، أو توقفتْ عند “الأثار”، وهي بعض عناوين الأنطولوجيا، فإننا بصدد مشاهد حية منذورة لنصوص تصنعها كحرفية، تسبكها، وتستعير لها ما تريد: قبعةً، موسيقى، رائحة، ولونًا، وترابًا، وماءً: “أريد أن أدخل إلى الأرض عبر الماء. وفي الماء عبر أثر الماء”.

كما تكتب سميرة، تعيش في الخيال؛ لا فرق بينهما – الكتابة والخيال -، مشتعلان برأسها، وراغبان في جسدها. كثّف الخيال من فورة كتاباتها الشعرية، وزركشت الكتابة خيالها وثورتها، وحلت بين الحالتين لا بوصفهما دوافع للدوام على أرض تتحرك وتبتلع، وينظر ساكنوها إلى الشعراء كفائض معنى في الوجود و”سقط متاع” هائمين وحالمين. فما بالك بشاعرة مقتنعة تمامًا بجدوى الشعر، وأنه جعلها تطلق الطب وهمومه، وتبوصل حياتها كلها باتجاه الترحال الشعري هنا وهناك، تهمي في عالم تعرفه وتستكشف غيره الذي لا تعرفه، ولو كان ذلك في الجنوب البعيد، “من على كرسي عالمي وبقلب يخفق”، كما قال الشاعر التشادي نمرود في تقديمه للأنطولوجيا. كل هذا من أجل أن تقرأ نصها أو تترنم بنوتة موسيقية نادرة، أو تشرد في تأمل لوحة فنية تضفي على حروفها الضوء والنور.

يحسب أيضا للشاعرة سميرة نڨروش علاقاتها المتشعبة بشعراء وشاعرات من فضاءات لغوية أخرى، العربية خاصة، حيث ترجمت ووقفت على العديد من المشارب والتجارب، وهو ما منحها مساحة أخرى للسكن في عوالم متحركة لا تهدأ مثلما دوما تحلم وستظل تحلم.