الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

سباق الكهرباء.. الجزائر أمام اختبار تحويل الطاقة إلى قوة اقتصادية

Author
إيمان عبروس 02 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تدخل الكهرباء قلب المنافسة الاقتصادية العالمية، بعدما أصبحت وفرتها واستقرارها وتكلفتها عوامل حاسمة في التصنيع والاستثمار والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي

ومع بلوغ الطلب الوطني مستويات قياسية، تواجه الجزائر اختبارا استراتيجيا يتمثل في تأمين قدرات كهربائية تواكب توسع الاقتصاد، بالتوازي مع تطوير إنتاج أكثر كفاءة ونظافة وتنافسية.

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، أن الاقتصاد العالمي يدخل تدريجيا عصر الكهرباء، بعدما تحوّلت الطاقة الكهربائية إلى بنية تحتية استراتيجية تحدد قدرة الدول على الإنتاج والتصنيع والتحول الرقمي وخفض الانبعاثات.

وأوضح هادف أن القوة الكهربائية تقاس بقدرة الدولة على توفير إمدادات مستقرة وتنافسية، وتعبئة قدرات إضافية تواكب حاجات القطاعات الاقتصادية الجديدة، خصوصا الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

الكهرباء.. عنصر جديد في معادلة القوة الاقتصادية

وفي هذا السياق، يرى هادف أن المقارنة بين الصين والولايات المتحدة تكشف التحوّل الذي تشهده معادلة القوة الاقتصادية، مع توسع القدرات الكهربائية وارتباطها المتزايد بالصناعة والتكنولوجيا.

وتوظف الصين قدراتها الكهربائية في دعم الصناعة والسيارات الكهربائية والبطاريات وسلاسل القيمة التكنولوجية، فيما يرتفع الطلب في الولايات المتحدة بفعل توسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وتبرز من هذه الديناميكية قاعدة اقتصادية جديدة مفادها أن القدرة على توفير الكهرباء أصبحت جزءا من القدرة على الإنتاج.

فالصناعة الحديثة، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتنقل الكهربائي، تحتاج إلى إمدادات وفيرة ومستقرة، ما يجعل الطاقة عنصرا مؤثرا في قرارات الاستثمار والتوسع الصناعي.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الطلب

وأشار هادف إلى أن مراكز البيانات تمثل أحد أبرز مصادر الطلب الجديد على الكهرباء، مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

وتتطلب هذه المنشآت إمدادات مستمرة وعالية الموثوقية، ما يجعل تطوير القدرات والشبكات الكهربائية جزءا من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.

ويرتبط هذا التحوّل أيضا بمفهوم السيادة الرقمية، إذ تحتاج الدول إلى تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل بنيتها التكنولوجية، وإدماج احتياجات الاقتصاد الرقمي ضمن التخطيط الطاقوي طويل المدى.

الكهربة تدعم التحول المناخي

ويمثل التحوّل نحو اقتصاد منخفض الكربون محركا رئيسيا لتسارع الكهربة، مع توسع استخدام الكهرباء في الصناعة والنقل والمباني ومختلف التطبيقات الاقتصادية.

ويربط هادف نجاح هذا المسار بمصدر الكهرباء، حيث تمنح الطاقات المتجددة الكهربة قدرة أكبر على خفض الانبعاثات ودعم التحول المناخي.

ويحتاج هذا المسار إلى منظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج المتجدد، والشبكات الحديثة، والتخزين، والمرونة، والكفاءة الطاقوية والرقمنة.

الطلب القياسي يضع الجزائر أمام مرحلة جديدة

وتظهر أهمية هذا التحوّل بوضوح في الجزائر، مع الارتفاع المتواصل للطلب على الكهرباء بفعل التوسع العمراني، واستخدام أجهزة التكييف، والنشاط الصناعي والفلاحي، وتحلية مياه البحر، وتطور البنى التحتية الرقمية.

وسجل النظام الكهربائي الوطني في 19 أوت المنصرم ذروة قياسية بلغت 21.828 ميغاواط، مقابل 20.628 ميغاواط سنة 2025.

ويعكس هذا التطور توسع احتياجات الاقتصاد والمجتمع، ما يجعل التخطيط للقدرات الكهربائية المستقبلية جزءا من التخطيط للنمو الاقتصادي.

فالطلب القادم يرتبط بالمنازل والمؤسسات والمصانع ومشاريع تحلية المياه ومراكز البيانات والمنشآت الرقمية، وهو ما يرفع أهمية الاستثمار الاستباقي في الإنتاج والشبكات.

الطاقة الشمسية.. فرصة اقتصادية للجزائر

ويؤكد هادف أن الإمكانات الشمسية الكبيرة التي تمتلكها الجزائر تمنحها فرصة لبناء قاعدة متجددة تدعم أمن الكهرباء وتفتح مجالات اقتصادية جديدة.

وتكتسب الطاقة الشمسية قيمة أكبر عندما ترتبط بالصناعة والاستثمار، إذ يمكن للكهرباء المتجددة دعم التنقل الكهربائي والبطاريات والهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات، إلى جانب خفض البصمة الكربونية للمنتجات الجزائرية.

ويمنح هذا المسار الطاقات المتجددة دورا يتجاوز إنتاج الكهرباء إلى تعزيز التنافسية الصناعية وجذب الاستثمارات، خصوصا في القطاعات التي تتجه عالميا نحو خفض الانبعاثات.

15 جيغاواط.. الهدف يحتاج إلى شبكة أكثر مرونة

ويشكل هدف الوصول إلى 15 جيغاواط من قدرات الطاقات المتجددة بحلول 2035 محطة مهمة في مسار تنويع إنتاج الكهرباء، فيما يرتبط تحقيقه بقدرة الشبكة على استيعاب القدرات الجديدة.

ويضع هادف تحديث شبكات النقل والتوزيع، وتطوير التخزين، وتعزيز المرونة، وتحسين إدارة الطلب، ضمن الشروط الأساسية لإنجاح التحول الطاقوي.

فالطاقات الشمسية والرياح تحتاج إلى منظومة قادرة على التعامل مع تغير الإنتاج، وضمان استقرار الإمدادات، وتوجيه الكهرباء بكفاءة نحو مناطق الاستهلاك.

الكهرباء تدخل صلب السياسة الصناعية

ونوه الخبير إلى أن الكهرباء أصبحت عاملا مؤثرا في السياسة الصناعية، خصوصا مع توجه الاستثمارات العالمية نحو الصناعات التكنولوجية وكثيفة الاستهلاك للطاقة.

وتحتاج الجزائر إلى ربط التخطيط الكهربائي بخريطة الاستثمار والصناعة، وتوجيه القدرات الجديدة نحو المناطق والمشاريع ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.

كما يمكن لتوفر كهرباء تنافسية ومنخفضة الكربون أن يعزز جاذبية الجزائر أمام المستثمرين، خصوصا المؤسسات التي تضع تكلفة الطاقة والبصمة البيئية ضمن معايير اختيار مواقع الإنتاج.

الكهرباء النظيفة.. ورقة في تنافسية الصادرات

ويجمع هادف بين التحوّل نحو الكهرباء النظيفة ومستقبل الصادرات الجزائرية، في ظل توجه الأسواق الدولية نحو تشديد المعايير المرتبطة بالانبعاثات.

ويمكن لانخفاض البصمة الكربونية للمنتجات الجزائرية أن يدعم قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية، خصوصا مع تنامي أهمية المعايير البيئية في شروط النفاذ إلى الأسواق.

ومن هنا، يصبح الاستثمار في الكهرباء المتجددة جزءا من سياسة تنويع الصادرات ورفع القيمة المضافة للمنتج الوطني.

من أمن الإمداد إلى أمن الكهرباء

وتفرض التحولات الاقتصادية والتكنولوجية توسيع مفهوم الأمن الطاقوي ليشمل أمن الكهرباء وقدرتها على مواكبة الطلب وتوفير إمدادات مستقرة وتنافسية.

فالاقتصاد الحديث يعتمد على الكهرباء في الصناعة والاتصالات ومراكز البيانات وتحلية المياه والخدمات الأساسية، ما يجعل استقرار المنظومة الكهربائية عاملا مباشرا في استمرارية النشاط الاقتصادي.

ويحتاج هذا المسار إلى توقع الطلب المستقبلي وربطه بمشاريع الصناعة والاستثمار والرقمنة، بما يسمح بتطوير القدرات قبل وصول المنظومة إلى مستويات ضغط مرتفعة.

الكهربة.. سياسة اقتصادية متكاملة

وشدد هادف على أن الكهربة أصبحت قضية اقتصادية متعددة القطاعات، ترتبط بالصناعة والاستثمار والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والهيدروجين والتنقل الكهربائي.

وتكمن الأولوية في بناء منظومة متكاملة تربط إنتاج الكهرباء بالشبكات والتخزين وإدارة الطلب، وتربط هذه المنظومة بدورها بخريطة التنمية الاقتصادية والاستثمارية.

فكل قدرة كهربائية إضافية يمكن أن تتحوّل إلى قدرة إنتاجية جديدة، وكل شبكة أكثر كفاءة ترفع جاذبية الاستثمار، وكل زيادة في الكهرباء النظيفة تدعم تنافسية المنتج الوطني.

الرهان الحقيقي.. تحويل الكهرباء إلى قوة اقتصادية

وتقود هذه التحولات إلى رهان واضح أمام الجزائر تحويل الكهرباء من خدمة أساسية إلى رافعة للنمو والتصنيع والاستثمار والتحول الرقمي.

ويفرض ارتفاع الطلب تطوير القدرات والشبكات والتخزين بالتوازي مع تسريع الطاقات المتجددة، حتى تواكب المنظومة احتياجات الاقتصاد وتستوعب القطاعات الجديدة.

كما تمنح الإمكانات الشمسية فرصة لبناء ميزة تنافسية قائمة على كهرباء أكثر نظافة، قادرة على دعم الصناعات الجديدة وتحسين جاذبية الاستثمار وتعزيز قدرة المنتجات الجزائرية على دخول الأسواق الخارجية.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أكد عبد الرحمان هادف أن تحدي الجزائر اليوم هو تحويل ارتفاع الطلب على الكهرباء من ضغط على المنظومة إلى رافعة للصناعة والاستثمار والتنافسية، وبذلك تتجه معادلة القوة الاقتصادية نحو ارتباط أكبر بين القدرة الإنتاجية والقدرة الكهربائية، لتصبح الكهرباء الموثوقة والتنافسية والنظيفة إحدى ركائز التحول الاقتصادي المقبل في الجزائر.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.