الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

سباق “رؤية 2050”.. الجزائر تدخل رهان السنغال الكهربائي

Author
ربيعة خطاب 04 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تنتقل الشراكة الطاقوية بين الجزائر والسنغال إلى مستوى مؤسساتي جديد، مع توقيع “سونلغاز” وشركة الكهرباء السنغالية “سينيليك”، يوم السبت بالجزائر العاصمة، مذكرة تفاهم تؤطر التعاون بينهما، في وقت تعمل فيه دكار على إعادة بناء منظومتها الكهربائية حول الغاز والطاقات المتجددة وتوسيع وصول السكان إلى الكهرباء، ضمن تحول يحتاج إلى استثمارات وخبرات تقنية متخصصة.

وتعطي طبيعة التحول الجاري في السنغال الاتفاق بعدا أوسع من التعاون التقليدي بين شركتي كهرباء، إذ تراهن دكار على الغاز لتطوير إنتاج الكهرباء وخفض تكلفته، بالتوازي مع توسيع الطاقات المتجددة وتحديث الشبكة. وهنا تلتقي احتياجات “سينيليك” مع خبرة جزائرية تشمل إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها وتسيير منظومتها وصيانة منشآتها.

وأوضح عجال أن مذكرة التفاهم تؤطر نشاطات التعاون بين الشركتين وتدعم مسار العلاقات الثنائية، معتبرا أن البلدين يتجهان نحو بناء شراكات أكثر متانة بين مؤسساتهما. وربط الوزير الاتفاق بالمحادثات التي بدأها الجانبان في أوت الماضي، وبالرغبة في توسيع تبادل الخبرات والتجارب وتحويل الحوار السياسي إلى تعاون مؤسساتي في قطاع الطاقة.

وتملك الجزائر قاعدة كهربائية واسعة يمكن أن تستند إليها هذه الشراكة، إذ تشير بيانات وزارة الطاقة والطاقات المتجددة إلى بلوغ القدرة المركبة لإنتاج الكهرباء نحو 26.1 ألف ميغاواط، مع نسبة تغطية تقارب 99 بالمائة، بينما تتولى فروع “سونلغاز” مهام الإنتاج والنقل والتوزيع وإدارة أجزاء أساسية من المنظومة الوطنية، إلى جانب خبرتها في تنفيذ المشروعات الكبرى.

ويرى الخبير الطاقوي أحمد طرطار أن القيمة التي تستطيع الجزائر تقديمها للسنغال ترتبط بهذه الخبرة المتراكمة عبر مختلف حلقات سلسلة الكهرباء، من الإنتاج إلى النقل والتوزيع وإدارة الشبكات والصيانة والهندسة. وأوضح لـ”الأيام نيوز” أن زيادة قدرات الإنتاج السنغالية تحتاج بالتوازي إلى شبكات قادرة على استيعاب الطاقة الجديدة ونقلها وتوزيعها بكفاءة.

 

“Gas to Power”.. الغاز السنغالي يدخل محطات الكهرباء

وتبرز استراتيجية “الغاز من أجل الكهرباء” (Gas to Power) في قلب التعاون المنتظر، بعدما جدد عجال استعداد الجزائر لمرافقة السنغال في تنفيذها والاستفادة من خبرات المؤسسات الوطنية عبر سلسلة القيمة الطاقوية. وتستهدف الاستراتيجية السنغالية استخدام الغاز الطبيعي في إنتاج كهرباء أقل تكلفة وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد ودعم استقرار الإمدادات على المدى الطويل.

ويرتبط هذا التوجه بدخول السنغال مرحلة استغلال مواردها الغازية وتطوير البنية التحتية اللازمة لاستخدامها. وتخطط دكار في مرحلة أولى للاعتماد على الغاز الطبيعي المسال، قبل زيادة استخدام الغاز المحلي، خصوصا من مشروع “السلحفاة آحميم الكبير” المشترك مع موريتانيا، لتغذية محطات إنتاج الكهرباء وربط الثروة الغازية باحتياجات السوق الداخلية.

وتشمل البنية المرتبطة بهذا التحول منشآت قائمة وأخرى قيد الإنجاز، بينها مصنع الغاز في كاب دي بيش وخط أنابيب بطول 85 كيلومترا يربط مركز مشروع “السلحفاة آحميم الكبير” بمحطة غاندون الكهربائية بقدرة 250 ميغاواط، ضمن مسار يستهدف إدخال الغاز تدريجيا في منظومة إنتاج الكهرباء وتوفير إمدادات أكثر انتظاما للمحطات.

وفي هذا المسار، حدد طرطار عدة مجالات يمكن أن تستفيد فيها السنغال من تجربة “سونلغاز”، من دراسات الشبكات والهندسة الكهربائية ومراكز التحكم وتسيير الشبكة، إلى الصيانة وتأهيل المنشآت وتطوير شبكات النقل والتوزيع وإدماج الطاقات المتجددة. ولفت إلى أن التعاون الجزائري مع دول إفريقية بدأ ينتقل من تبادل الخبرات والتكوين إلى إنجاز مشروعات ميدانية.

وتنسجم هذه المجالات مع اهتمام الجانب السنغالي بالخبرة الجزائرية، إذ أبرز ديوف تجربة الجزائر في إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها وإدارة المؤسسات الطاقوية، مشيرا إلى رغبة بلاده في الاستفادة منها ضمن برامج تطوير القطاع. ويتيح ذلك توجيه التعاون نحو احتياجات تقنية ترتبط مباشرة بالتحول الذي تخطط له دكار في منظومتها الكهربائية.

ولا يرى طرطار التكوين ونقل الخبرة سقفا لهذا التعاون، إذ يعتبر الانتقال إلى تنفيذ مشروعات مشتركة ممكنا إذا حدد الطرفان مشروعات ذات جدوى اقتصادية واضحة، وأعدا الدراسات التقنية والمالية وآليات التمويل والتنفيذ والمتابعة. ويمكن أن يبدأ التعاون الصناعي بخدمات الهندسة والصيانة والتجهيز، ثم يتوسع وفق حجم السوق واستمرار الطلب.

 

الكهرباء للجميع في قلب الرهان السنغالي

وتأتي الشراكة مع الجزائر في وقت تواجه فيه السنغال تحديا مزدوجا يتمثل في زيادة قدرات الإنتاج وتوسيع وصول الكهرباء إلى السكان. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل الوصول إلى الكهرباء بلغ 84 بالمائة، بينما بقي أكثر من 30 بالمائة من التجمعات الريفية خارج الشبكة، ما يبرز حجم الاستثمارات التي يحتاج إليها القطاع لتقليص الفوارق الجغرافية.

وتعمل دكار على معالجة هذا الفارق عبر توسيع الشبكات وزيادة الإنتاج وتنويع مصادر الطاقة، في حين تستهدف الشراكة السنغالية للانتقال الطاقوي رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 40 بالمائة بحلول 2030. وتربط السلطات هذه الأهداف بتحسين موثوقية الإمدادات وخفض تكلفة الكهرباء ودعم النشاط الاقتصادي والصناعي، خاصة مع ارتفاع الطلب المرتبط بالنمو السكاني والحضري.

وتذهب “رؤية السنغال 2050” إلى نطاق أبعد، إذ تستهدف رفع القدرة الكهربائية المركبة من 1945 ميغاواط المسجلة في 2023 إلى أكثر من 12 ألف ميغاواط على المدى الطويل، مع تخصيص أكثر من 40 بالمائة للطاقات المتجددة، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية بشأن الإطار الاستراتيجي السنغالي، وهو ما يتطلب توسعا متزامنا في الإنتاج والشبكات والاستثمارات.

ويظهر حجم التحول المطلوب أيضا في بنية الإنتاج الحالية. وتفيد وزارة الطاقة السنغالية بأن المصادر الحرارية مثلت 72.11 بالمائة من القدرة المركبة سنة 2023، مقابل 27.89 بالمائة للطاقات المتجددة، وهو ما يجعل إدخال الغاز وتوسيع المصادر المتجددة مسارين متوازيين في إعادة تشكيل المزيج الكهربائي للبلاد وتقليل الاعتماد على المنتجات النفطية المستوردة.

ومن هذه الزاوية، يعتبر طرطار السوق السنغالية فرصة لتطوير نموذج جزائري للتعاون الطاقوي في إفريقيا يقوم على تصدير الخبرة والخدمات والتكنولوجيا. ويربط ذلك بالانتقال نحو حلول متكاملة تشمل الدراسات والهندسة وإنجاز المشروعات والصيانة والرقمنة والتكوين ونقل التكنولوجيا وإدارة الشبكات، مع إدماج التجهيزات الجزائرية القادرة على المنافسة في الجودة والتكلفة والآجال.

ويتطلب بناء هذا النموذج، بحسب الخبير، شراكات مؤسساتية طويلة المدى مع شركات الكهرباء الإفريقية وآليات تمويل ترافق المشروعات، إلى جانب تعزيز تنافسية المؤسسات الجزائرية وقدرتها على العمل في أسواق مختلفة. وربط طرطار التكوين بنقل التكنولوجيا وبناء كفاءات محلية في الدول الشريكة، بما يدعم استمرارية التعاون بعد إنجاز المشروعات.

وفي هذا السياق، وضع عجال التعاون مع دكار ضمن دعم العلاقات جنوب-جنوب والتكامل الإفريقي القائم على التضامن والمنفعة المتبادلة، مجددا استعداد الجزائر لتوفير خبرة مؤسساتها وإطاراتها لمساعدة السنغال على تطوير نظامها الكهربائي ومواجهة التحديات التقنية التي ترافق توسيع قدرات الإنتاج والشبكات، مع التركيز على نقل الخبرة وبناء القدرات البشرية.

 

من مذكرة المؤسسات إلى اتفاق حكومي

ولا يتوقف المسار عند مذكرة “سونلغاز” و”سينيليك”، إذ أعلن وزير الطاقة والبترول السنغالي أن الجزائر والسنغال تتجهان إلى إبرام اتفاقية تعاون حكومية في مجال الطاقة خلال ديسمبر المقبل بداكار، تنفيذا لتوجه البلدين نحو توسيع الشراكة والاستفادة من التجربة الجزائرية في إدارة وتطوير المنظومات الطاقوية، وتوفير إطار أوسع للتعاون بين المؤسسات.

ويؤشر الانتقال من المحادثات التي بدأت في أوت إلى مذكرة التفاهم الموقعة في أكتوبر، ثم الاتفاق الحكومي المرتقب في ديسمبر، إلى مسار تدريجي لبناء إطار تعاون يجمع المستوى الحكومي بالمؤسسات الطاقوية، ويتيح تحديد برامج أكثر دقة في الكهرباء والغاز والتكوين والخدمات التقنية والبنى التحتية، وربط كل مرحلة بأولويات عملية واضحة.

ويرى طرطار أن تجربة السنغال يمكن أن تمتد لاحقا إلى أسواق إفريقية أخرى إذا نجحت الجزائر في بناء نموذج يجمع الخبرة التقنية والهندسة والمعدات والخدمات والتكوين والرقمنة. وأشار إلى أن اختلاف احتياجات الدول يسمح بتكييف هذا النموذج، في ظل الطلب الإفريقي المتزايد على تطوير شبكات الكهرباء ورفع كفاءتها وإدماج الطاقات المتجددة.

ويربط الخبير نجاح مذكرة “سونلغاز” و”سينيليك” بترجمة مجالات التعاون العامة إلى مشروعات محددة تتوفر لها الدراسات والتمويل والجداول الزمنية ومؤشرات المتابعة. وعند بلوغ هذه المرحلة، يمكن للشراكة أن تتحول إلى نشاط اقتصادي وتكنولوجي يدعم حضور المؤسسات الجزائرية في السوق السنغالية، ويؤسس لتجارب مماثلة في أسواق إفريقية أخرى.

وتضمن برنامج زيارة الوفد السنغالي، السبت، جولة في عدد من المنشآت الطاقوية الجزائرية، بهدف الاطلاع عن قرب على الخبرة التي طورتها المؤسسات الوطنية في هذا المجال. وجاء إدراج الجولة ضمن برنامج الزيارة بعد المحادثات الوزارية وتوقيع مذكرة التفاهم، بما يربط التعاون المرتقب بالاطلاع الميداني على القدرات التقنية والتسييرية للقطاع الجزائري.

 

↑