الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

ستائر بشطارزي تحتضن البراءة.. المسرح الوطني يغازل وعي الطفل في عيده العالمي

Author
هارون عمري 31 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تحتفل الجزائر، على غرار دول العالم، باليوم العالمي للطفولة المصادف للفاتح من جوان، وهي المناسبة التي تتجاوز البعد الاحتفالي العابر لتتحول إلى محطة سنوية لمراجعة السياسات الثقافية والتربوية الموجهة للجيل الصاعد، وفي هذا السياق، بادر المسرح الوطني الجزائري “محيي الدين بشطارزي” بإطلاق برنامج ثقافي وفني وفكري متكامل يمتد طيلة الأسبوع الأول من شهر جوان، ويسعى هذا البرنامج، المقسم بين العروض المسرحية اليومية والورشات التكوينية المتخصصة، إلى إعادة صياغة علاقة الطفل بالفضاءات الإبداعية الحية، وتوفير بيئة تفاعلية تسهم في بناء شخصيته وتوازنه النفسي والفكري في ظل التحديات المعاصرة التي تفرضها العولمة الرقمية.

ويأتي هذا التحرك الثقافي ليعكس وعيا متزايدا بضرورة استغلال الفنون الحية، وفي مقدمتها المسرح، كأداة تربوية قادرة على محاكاة عقل الطفل وتوجيه طاقاته الكامنة نحو الإبداع والابتكار.

إن الركح الجزائري، بما يملكه من إرث تاريخي وجمالي، يفتح ذراعيه اليوم لجيل الغد عبر توليفة فنية تجمع بين الحكاية الشعبية، والفرجة البصرية، والتعليم التفاعلي، مكرسا دوره كمنصة وطنية تجمع أطفال الوطن حول قيم الانتماء والتعدد الثقافي.

أمين خلفات: الرؤية الثقافية للمسرح تتجاوز الترفيه نحو البناء الفكري والتربوي

في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد أمين خلفات، المكلف بالإعلام لدى المسرح الوطني محيي الدين بشطارزي، أن الاحتفال باليوم العالمي للطفولة لا يقتصر على تقديم عروض ترفيهية للأطفال، بل يندرج ضمن رؤية ثقافية وتربوية تهدف إلى إعادة ربط الطفل بالفضاءات الإبداعية الحية، وفي مقدمتها المسرح.

وأوضح أن الطفل اليوم يعيش وسط حضور مكثف للشاشات والتقنيات الرقمية، غير أن دخوله إلى قاعة المسرح يحدث تحولا واضحا في طريقة تفاعله، حيث يصبح أكثر حضورا وانخراطا في مجريات العرض، بفضل ما توفره الخشبة من تواصل مباشر وحي مع الممثلين والأحداث.

وأضاف أن العروض المسرحية الموجهة للأطفال تساهم في تنمية الخيال والقدرة على التعبير والتواصل، كما تمنح الطفل فرصة لاكتشاف متعة التفاعل الجماعي بعيدا عن العزلة الفردية التي تفرضها الشاشات، وتساعده على تحقيق توازن صحي بين العالم الرقمي والواقع.

وأشار إلى أن فتح الخشبة المركزية للمسرح الوطني أمام إنتاجات قادمة من مختلف ولايات الوطن يتيح للأطفال فرصة التعرف على التنوع الثقافي الجزائري بكل ثرائه، من خلال اللهجات والحكايات والبيئات المختلفة التي تحملها العروض المشاركة.

وأكد أن هذا الانفتاح يرسخ لدى الطفل الشعور بالانتماء إلى وطن غني بتنوعه الثقافي، ويعزز وعيه بهويته الوطنية، كما يشجع على التبادل الثقافي بين مختلف مناطق الجزائر ويزرع فضولا إيجابيا لاكتشاف مكونات المجتمع الجزائري وتعدده.

وبحسبه، فإن المسرح لا يقدم للأطفال الفرجة فقط، وإنما يساهم في بناء شخصية أكثر وعيا وانفتاحا وقدرة على التفاعل مع محيطها الثقافي والإنساني.

كسر العزلة الرقمية: الخشبة كفضاء بديل للتفاعل الحي

تواجه الطفولة المعاصرة تحديا حادا يتمثل في الانغماس المفرط داخل العالم الافتراضي، حيث فرضت الشاشات والتقنيات الرقمية نوعا من العزلة الفردية الصامتة التي تؤثر سلبا على المهارات الاجتماعية والنفسية للطفل.

 

تظهر أهمية الفضاء المسرحي هنا كبديل تفاعلي يعيد إحياء حواس الطفل ويعزز تواصله المباشر مع الواقع؛ فالمسرح يعتمد على المشاركة الجماعية الآنية، حيث يتشارك مئات الأطفال في قاعة واحدة الضحك، والدهشة، والتصفيق، ما ينمي لديهم الذكاء العاطفي والقدرة على الانخراط في المجموعات الإنسانية الحية.

إن الحركة فوق الخشبة، وتعبيرات وجوه الممثلين، والمؤثرات الصوتية والضوئية المباشرة تصنع تجربة حسية متكاملة تختلف تماما عن المشاهدة السلبية عبر الشاشات المسطحة.

يتعلم الطفل من خلال حضور العرض المسرحي كيف يستمع، وكيف يحلل المواقف، وكيف يعبر عن مشاعره بحرية وتلقائية، وهو ما يمنحه فرصة ذهبية لاكتشاف متعة الحضور الجسدي والذهني في فضاء مشترك، ويسهم بشكل مباشر في تحقيق توازن صحي يحد من هيمنة التكنولوجيا على حياته اليومية.

بانوراما الخشبة المركزية: جولة العروض المسرحية عبر ولايات الوطن

يتضمن البرنامج الفني للمسرح الوطني لهذا الشهر شبكة من العروض المسرحية الموجهة للأطفال، والتي جرى استقطابها من مختلف التعاونيات والجمعيات الثقافية عبر ولايات الوطن لتقديم عروضها على قاعة “مصطفى كاتب”.

تنطلق الفعاليات يوم الإثنين الأول من جوان بعرض ترفيهي لفرقة “بادي” بساحة محمد توري في تمام الساعة الواحدة زوالا، يليه في الساعة الثالثة ظهرا عرض مسرحي بعنوان “أنا والكشاف” من إنتاج التعاونية الثقافية “المشعل” لولاية سيدي بلعباس، وهو عمل من نص بوبريس وإخراج صديق بن جراوة، يسلط الضوء على قيم العمل الجماعي والحركة الكشفية.

وتتواصل العروض يوم الثلاثاء الثاني من جوان بمسرحية “هاري وفاري والألوان” من إنتاج الجمعية الثقافية “قطار الفن”، وهي من نص عبد القادر الإخراج وفارس عبد الكريم. وفي يوم الأربعاء الثالث من جوان، يضرب الأطفال موعدا مع مسرحية “تايه في الشبكة” لفرقة فايزة مليكشي وإخراج فوزي بايت، وهو عمل يطرح بشكل رمزي معالجة درامية لضياع الطفولة في شبكات التواصل الاجتماعي.

ويليه يوم الخميس الرابع من جوان عرض “صراع الألوان” من إنتاج تعاونية “النهضة للمسرح” لبرج منايل، ومن نص وإخراج براهيم تضاف. وتختتم السلسلة يوم الجمعة الخامس من جوان بمسرحية “لؤي والعوالم الخفية” لجمعية “اتفاق القلوب الثقافية” لولاية المسيلة، من سينوغرافيا وإخراج بورڤعة علاء الدين، وهي عروض تعكس بمجملها حركية مسرح الطفل في الجزائر وثراءه الجغرافي.

ورشة “الحكواتي الصغير”: صناعة مبدعي المستقبل وتنمية مهارات التعبير والارتجال

إلى جانب الفرجة المسرحية، أفرد المسرح الوطني مساحة هامة للتكوين والتطبيق من خلال إعلان ورشة “الحكواتي الصغير” التي تقام بمناسبة عيد الطفولة من الأول إلى السابع من جوان.

تستهدف هذه الورشة الأطفال الراغبين في استكشاف عوالم السرد والأداء، وتتحول إلى فضاء مفتوح للإبداع، الحكاية، التعبير، والمرح.

يتضمن برنامج الورشة تدريبات عملية مكثفة في فن الحكي والسرد، وتنمية الخيال والابتكار، بالإضافة إلى مبادئ التعبير المسرحي وصناعة الشخوص، مدمجة بألعاب تربوية وترفيهية تكسر الجمود وتطلق العنان لطاقات الطفولة.

تسعى هذه الورشة إلى تحويل الطفل من مستهلك للمادة الثقافية إلى منتج وصانع لها؛ حيث يتعلم المشاركون كيفية صياغة الحكايات الشفوية المستمدة من التراث أو من نسج خيالهم الخاص، وإلقائها أمام الجمهور بثقة وثبات.

يسهم هذا النوع من التكوين المبكر في اكتشاف المواهب الناشئة وتوجيهها نحو المسارات الفنية الصحيحة، انسجاما مع الشعار التربوي المرفوع للورشة: “لأن الطفل المبدع اليوم هو صانع المستقبل غدا”، ما يجعل من المسرح الوطني حاضنة حقيقية للاستثمار الثقافي في الرأسمال البشري منذ الصغر.

الفنانة المسرحية كلثوم
الفنانة المسرحية كلثوم

شخصية الشهر: الاحتفاء بالفنانة القديرة “كلثوم” كرمز للمرجعية الثقافية والوفاء

ضمن الوعي بأهمية ربط الأجيال الجديدة بذاكرتها الفنية، اختار البرنامج الثقافي للمسرح الوطني الاحتفاء بالفنانة الجزائرية القديرة “كلثوم” كشخصية للشهر بالتزامن مع أيام الطفولة.

يمثل هذا الاختيار خطوة هامة لترسيخ الوفاء للرموز الثقافية التي صنعت مجد الفن الجزائري، وتعريف الأطفال بالأسماء الوازنة التي وضعت اللبنات الأولى للمسرح والسينما في البلاد بعد الاستقلال.

إن تقديم سيرة فنانة بحجم “كلثوم” للأطفال يسهم في صياغة مرجعية فنية تقتدي بها الناشئة، وتجعلهم يدركون أن الإبداع هو مسار ممتد يتطلب العطاء والاستمرارية.

ويتحول هذا الاحتفاء داخل أروقة المسرح إلى جسر معرفي يربط الماضي بالحاضر؛ حيث يتعرف الأطفال من خلال الملصقات والمواد التعريفية على المحطات التاريخية لـ”كلثوم” وأدوارها الخالدة على خشبة المسرح الوطني.

يساعد هذا الربط التاريخي في بناء شخصية الطفل وتوسيع أفقه الثقافي، ليدرك أن الفضاء الذي يقف فيه اليوم هو إرث وطني عريق حافظت عليه أجيال من الفنانين والمثقفين، ما يعزز لديه قيم الاحترام والتقدير للمنجز الثقافي الوطني ويثير فضوله المعرفي لمتابعة الفنون الجادة والراقية.

أفق الاستثمار الثقافي: زرع الفضول الإيجابي وترسيخ الهوية الوطنية

تتعدى أبعاد هذا البرنامج المتكامل حدود الأسبوع الاحتفالي لتصب في أفق استراتيجي طويل المدى يتعلق بصناعة إنسان المستقبل وتحديد ملامح الهوية الوطنية لدى الأجيال الصاعدة.

إن فتح الخشبة المركزية أمام حكايات ولهجات قادمة من المسيلة، وسيدي بلعباس، وبرج منايل، وغيرها، يمنح الطفل فرصة نادرة لمعاينة ثراء بيئته الجزائرية وتنوعها الجغرافي والثقافي تحت سقف واحد، ما ينمي لديه شعورا عميقا بالانتماء والاعتزاز بوحدته الوطنية القائمة على التعدد الثقافي الخصب.

يسهم المسرح، من خلال هذه التوليفة المدروسة، في زرع فضول إيجابي يدفع الطفل نحو استكشاف مكونات مجتمعه وفهم تعقيداته الإنسانية بوعي وانفتاح.

إن الاستثمار في مسرح الطفل ومرافقة نموه الفكري هو الضمانة الحقيقية لبناء مجتمع متوازن، قادر على التفاعل الإيجابي مع التحولات العالمية دون فقدان جذوره الأصيلة.

ويبقى المسرح الوطني الجزائري، عبر هذه المبادرات المستمرة، وفيا لدوره التاريخي كمنارة تنويرية لا تكتفي بتقديم المتعة البصرية والفرجة، بل تقود قاطرة البناء التربوي، الأخلاقي، والجمالي لصنّاع مستقبل الجزائر.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"