الأثنين : 03-10-2022

سخاء خليجي لتنشيط الدور الفرنسي في الشرق الأوسط

عاد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون من جولته الخليجية السريعة وفي جيبه عقد لبيع 80 طائرة من نوع رافال للإمارات العربية المتحدة بمبلغ يفوق 17 مليار يورو، وهي أكبر صفقة لتصدير هذه الطائرات التي وجدت فرنسا صعوبات كبيرة في تسويقها منذ أكثر من عقدين حتى لدى الحلفاء والأصدقاء، كما ستشتري الإمارات 12 طائرة هيليكوبتر من طراز كراكال التي تصنعها شركة إيرباص، لكن ليس هذا فحسب فقد كانت استقالة وزير الإعلام اللبناني جزءًا من خطة فرنسية لحل الأزمة التي عصفت بالعلاقات بين الرياض والدول الخليجية المتضامنة معها من جهة وبيروت من الجهة المقابلة.

صفقة تاريخية

وصف ماكرون صفقة بيع رافال، وهي طائرة مقاتلة فرنسية تنتجها شركة داسو، بأنها إنجاز كبير ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، فالإمارات صارت سادس بلد في العالم يشتري هذه الطائرة التي يقول الفرنسيون إنها أكثر تطورا من الناحية التكنولوجية مقارنة بالمقاتلات الأمريكية، لكن الزبائن الذين طرقت باريس أبوابهم كانوا يَرُدُّون دائما بأن السعر مبالغ فيه، ويكفي للتدليل على صعوبة تسويق هذه المقاتلة التذكير بأن مفاوضات عقد الصفقة مع الإمارات استمرت 13 سنة ألقى خلالها ثلاثة رؤساء فرنسيين بكل ثقلهم في المفاوضات، وهو ما يشير بوضوح إلى أن السلاح جزء من صفقة سياسية أكبر، تأمل من خلالها باريس استعادة التوازن وتحقيق بعض المكاسب في نهاية سنة صعبة للسياسة الخارجية الفرنسية.

يسعى ماكرون إلى تقديم فرنسا كدولة كبرى وكعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، مستعدة لتقديم السند الدبلوماسي للدول الخليجية وللحلف العربي الإسرائيلي في المستقبل، بديلا عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تتجه نحو مزيد من التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادي سعيا منها لكبح صعود الصين.

تمثل الإمارات بالنسبة لفرنسا نقطة ارتكاز أساسية في منطقة الخليج، حيث يتمركز هناك 650 عسكريا فرنسيا يتوزعون على ميناءين وقاعدة جوية وقاعدة للقوات البرية، ويستطيع أحد الميناءين استقبال حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول وإحدى الغواصات النووية، كما يتمركز في القاعدة الجوية الفرنسية سرب من ست مقاتلات فرنسية من نوع رافال، وتعتبر فرنسا الإمارات نقطة تمركز استراتيجية للعمليات في منطقتي المحيط الهندي والهادي، وقد لعبت القاعدة الجوية دورا أساسيا في عملية إجلاء الفرنسيين من أفغانستان الصيف الماضي عندما انسحبت القوات الأمريكية من هناك، ويضاف إلى كل هذا الدور الذي تلعبه الإمارات بتقديم الدعم اللوجيستي للعملية العسكرية الفرنسية في منطق الساحل.

الصفقة بين فرنسا والإمارت وصفتها وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي بأنها تاريخية وستوفر مئات من مناصب الشغل للفرنسيين، غير أنها في حقيقتها قد تمثل بالنسبة لباريس اختراقا على صعيد إيجاد مساحات جديدة على الساحة الدولية التي تشهد صعود لاعبين جدد، فالزيارة الخليجية لماكرون شملت قطر والسعودية، وفي البلدان الثلاثة جرى الحديث عن تعزيز الشراكة العسكرية والأمنية والاقتصادية.

العودة من باب الخليج

عند لقائه ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان تناول ماكرون الملف النووي الإيراني وقال بأن بلاده تشاطر السعودية المخاوف من إمكانية امتلاك طهران السلاح النووي، وأن معالجة الملف النووي الإيراني لا يمكن أن تتم من دون إرساء الاستقرار في المنطقة ودون إشراك أصدقاء فرنسا في المباحثات النووية، وقد تكون هذه أول مرة تتبنى فيها فرنسا مطلب السعودية توسيع المباحثات لتضم دول المنطقة.

أظهرت الخلافات مع بريطانيا وإلغاء صفقة الغواصات مع أستراليا هشاشة الموقف الفرنسي على الساحة الدولية، بما يجعل منطقة الشرق الأوسط بديلا جيدا لدور فرنسي أكثر نشاطا

والحقيقة أن “إسرائيل” هي الأخرى ظلّت تطالب بتوسيع المباحثات النووية مع إيران، وصيغة “أصدقاء إسرائيل” التي استعملها ماكرون يمكن أن تضم “إسرائيل” إلى جانب الدولتين الخليجيتين الأكثر تشددا في التعامل مع إيران وهما السعودية والإمارات، كما أن الاختراق الذي حققته “تل أبيب” من خلال ما يسمى”اتفاقات إبراهام” التي وقعت صيف سنة 2020، فتح الباب أمام إخراج حلف جديد في المنطقة يضم العرب المناهضين لإيران تحت قيادة إسرائيلية، وهذا الحلف كان قد اجتمع على موقف واحد في السابق وهو رفض الاتفاق النووي الذي توصّلت إليه إدارة أوباما مع إيران سنة 2015 ووقّعت عليه أطراف أخرى من ضمنها فرنسا.

قصة المفاوضات الشاقة التي امتدت على سنوات قبل التوصل إلى اتفاق عام 2015، كشفت الدور الفرنسي في تلك المفاوضات والذي كان في معظم الأحيان يتمثل في تبني المطالب الإسرائيلية، وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق من جانب واحد بقرار من الرئيس السابق دونالد ترامب، التزمت الدول الأوروبية بحماية الاتفاق لكنها فشلت أمام سطوة العقوبات الأمريكية التي كانت تهدد الشركات التي تتعامل مع إيران، وقد كانت فرنسا الطرف الأكثر استثمارا في إيران بعد رفع العقوبات عنها ضمن الإجراءات التي نص عليها الاتفاق، وبعد استئناف المفاوضات مع استلام جو بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة، عادت فرنسا، وضمن محور أوروبي، إلى تبنِّي نفس المواقف

المتشددة التي تُعبِّر في المقام الأول عن المطالب الإسرائيلية ومن ضمنها إدراج البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي لإيران في جدول أعمال المفاوضات، كما أنها لعبت دورا أساسيا في رفض المقترحات الإيرانية الأخيرة ما أدى إلى تجميد المفاوضات وفتح الباب أمام التلويح بالحرب رغم أن ماكرون أشار في ندوته الصحفية في جدة في ختام جولته الخليجية إلى أنه لن يكون هناك تصعيد في المنطقة على المدى القصير.

استخلاف أمريكا

يسعى ماكرون إلى تقديم فرنسا كدولة كبرى وكعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، مستعدة لتقديم السند الدبلوماسي للدول الخليجية وللحلف العربي الإسرائيلي في المستقبل، بديلا عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تتجه نحو مزيد من التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادي سعيا منها لكبح صعود الصين، كما أنها تدفع بالناتو وأوروبا إلى محاصرة روسيا شرقا، وقد أظهرت الخلافات مع بريطانيا وإلغاء صفقة الغواصات مع أستراليا هشاشة الموقف الفرنسي على الساحة الدولية، بما يجعل منطقة الشرق الأوسط بديلا جيدا لدور فرنسي أكثر نشاطا، خاصة وأن العلاقات التاريخية لفرنسا مع المنطقة تحفظ لها بعض البريق.

الدور الذي لعبه ماكرون في دفع وزير الإعلام اللبناني إلى الاستقالة، والورقة التي منحته إياها الرياض بالإعلان عن التزام سعودي بتجاوز الأزمة مع لبنان وإعادة العلاقات التجارية والاقتصادية إلى وضعها الطبيعي، هو في الحقيقة جزء من التجاذبات الإقليمية التي تجري على الساحة اللبنانية حيث تتم المواجهة مع إيران، وسواء تعلّق الأمر بصفقات بيع السلاح أو بالأوراق الدبلوماسية، فإن ما حصل عليه ماكرون خلال جولته الخليجية الخاطفة يُظهر الرهان على إبقائه في السلطة إلى غاية سنة 2027، بما يسمح لأصدقاء فرنسا بضمان دعم قوة دولية تبحث عن نفسها في عالم يُعاد تشكيله بمعزل عنها.