الإثنين، 12 أكتوبر 2026 — 28 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

سكة الحديد والطرق والموانئ.. الجزائر تبني شرايين جديدة لاقتصاد الجنوب

Author
صبرينة عيلان 21 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تدخل الجزائر مرحلة جديدة في تطوير بنيتها التحتية، عنوانها الأبرز الانتقال من منطق إنجاز المشاريع المتفرقة إلى بناء شبكة متكاملة تربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والموانئ والأسواق الوطنية والدولية.

وتأتي التعليمات الأخيرة التي وجهها وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، والمتعلقة بإطلاق أشغال خط السكة الحديدية الرابط بين الأغواط وغرداية والمنيعة، بالتوازي مع تسريع مشاريع الطرق الوطنية، وتطوير المنشآت المينائية والمطارية، لتؤكد أن قطاع الأشغال العمومية أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة التنمية الاقتصادية، وليس مجرد قطاع تقني يقتصر دوره على إنجاز الطرق والمنشآت.

وفي قراءة لهذا التحول، يرى الدكتور أحمد الحيدوسي، خبير اقتصادي وأستاذ بجامعة الجزائر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن أهمية هذه المشاريع تكمن في كونها تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للبلاد، خصوصًا بالنسبة للمناطق الداخلية والجنوبية التي تمتلك إمكانات كبيرة في الزراعة والصناعة والمناجم والطاقة، لكنها تحتاج إلى شبكات نقل فعالة حتى تتحول هذه الإمكانات إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

ويؤكد الخبير أن خط الأغواط-غرداية-المنيعة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مشروع لنقل المسافرين، وإنما باعتباره محورًا لوجستيًا يمكن أن يربط الهضاب العليا بالجنوب، ويفتح مسارات جديدة أمام نقل المنتجات والسلع والمواد الأولية، ويخفض تكاليف النقل، ويمنح الاستثمارات الموجودة والمبرمجة في هذه المناطق قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق.

الأغواط – غرداية – المنيعة خط حديدي يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للجنوب

ويعتبر الحيدوسي أن إطلاق هذا الخط يمثل خطوة استراتيجية بالنظر إلى الموقع الذي تحتله الولايات المعنية في الخريطة الاقتصادية الوطنية، موضحا أن السكك الحديدية تختلف عن الطرق من حيث قدرتها على نقل كميات كبيرة من البضائع لمسافات طويلة بتكلفة أكثر تنافسية، وهو ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في بناء منظومة لوجستية فعالة.

ويقول إن ربط الأغواط بغرداية والمنيعة سيخلق محورًا جديدًا بين مناطق الهضاب العليا والجنوب، ويمكن أن يخدم حركة المنتجات الزراعية، والمواد الصناعية، والمدخلات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي، فضلًا عن نقل المسافرين.

ويضيف أن أهمية المشروع تتضاعف مع توسع النشاط الفلاحي في الجنوب، وظهور استثمارات كبرى في الصناعات الغذائية والمناجم والطاقة، لأن هذه المشاريع تحتاج إلى منافذ نقل قادرة على استيعاب أحجام كبيرة من السلع والمواد الأولية، وبالتالي، فإن السكة الحديدية تصبح جزءا من سلسلة الإنتاج نفسها، وليس مجرد وسيلة لنقل المنتج بعد خروجه من المصنع أو المزرعة.

ويرى الخبير الاقتصادي أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الاستثمار في المناطق الجنوبية والداخلية يتمثل في تكلفة اللوجستيك، لأن المسافات الطويلة بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والموانئ يمكن أن ترفع تكلفة المنتج وتؤثر على تنافسيته.

ومن هذا المنظور، فإن تطوير السكك الحديدية والطرق لا يمثل إنفاقًا على البنية التحتية فقط، بل هو استثمار في القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
ويشرح الحيدوسي أن نقل الحبوب، والمنتجات الفلاحية، والمواد المنجمية، ومستلزمات الإنتاج، وحتى المنتجات الصناعية، يحتاج إلى شبكة متعددة الوسائط تجمع بين السكك الحديدية والطرق والموانئ والمطارات.

ويضيف أن الجزائر تمتلك ميزة جغرافية مهمة تتمثل في المساحة الواسعة والامتداد من المتوسط إلى عمق الصحراء، لكن الاستفادة من هذه الميزة تتطلب تحويل المسافات الجغرافية من عائق إلى فرصة، وهذا لا يتحقق إلا من خلال شبكة نقل حديثة ومترابطة.

وبخصوص تسريع مشاريع الطريق الوطني رقم 1، يؤكد الحيدوسي أن هذا المحور يكتسي أهمية استثنائية، باعتباره من أهم الطرق التي تربط شمال البلاد بجنوبها.
ويقول إن تحسين جاهزية هذا الطريق لا يخدم حركة المرور فقط، وإنما يرفع كفاءة سلاسل التموين والإمداد، خصوصًا بالنسبة للولايات الجنوبية التي تعتمد بشكل كبير على تدفق السلع والمواد من الشمال.

كما أن تحسين الطريق الوطني رقم 1، إلى جانب الطريقين الوطنيين 3 و6، يسمح بتقليص زمن الرحلات وتحسين السلامة المرورية وخفض تكاليف النقل، وهي عوامل تؤثر مباشرة في تكلفة المنتجات والاستثمارات.

ويرى أن التركيز على النقاط السوداء والمقاطع التي تحتاج إلى صيانة أو توسعة يجب أن يكون جزءًا من سياسة مستمرة، لأن جودة شبكة الطرق لا تقاس فقط بإنجاز طرق جديدة، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على الحفاظ على الشبكة القائمة ورفع مستوى جاهزيتها.

ويشدد الخبير على أن الرهان لا ينبغي أن يكون على السكك الحديدية بدل الطرق أو العكس، وإنما على التكامل بين الوسيلتين، فالطرق، حسب تحليله، أكثر مرونة في نقل البضائع من مواقع الإنتاج إلى نقاط التجميع والمخازن والمصانع، بينما تتميز السكك الحديدية بكفاءة أكبر في نقل الكميات الكبيرة لمسافات بعيدة.
ومن هنا، فإن نجاح مشروع السكة الحديدية بين الأغواط وغرداية والمنيعة يتطلب إنشاء شبكة طرق فرعية ومناطق لوجستية تربط المناطق الزراعية والصناعية والمناجم بالمحطات الحديدية.

وهذا التكامل، كما يوضح، هو الذي يسمح ببناء منظومة نقل حقيقية، بدل أن تتحول المشاريع إلى خطوط منفصلة لا يستفيد بعضها من بعض، وينتقل الحيدوسي إلى أهمية تطوير المنشآت المينائية، معتبرًا أن الميناء لا يمكن عزله عن شبكة النقل البرية والسككية.

ويؤكد أن أي توسع في الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو المنجمي يحتاج في مرحلة لاحقة إلى منافذ تصدير فعالة، وهو ما يجعل الموانئ عنصرًا حاسمًا في استراتيجية تنويع الاقتصاد الوطني.

ويضيف أن تطوير الموانئ يجب أن يترافق مع تحسين عمليات الشحن والتفريغ والتخزين وربطها مباشرة بالطرق والسكك الحديدية، لأن الوقت الذي تقضيه السلع داخل الميناء يمثل جزءًا من تكلفة اللوجستيك.

وبالتالي، فإن رفع كفاءة الموانئ يمكن أن يمنح المنتجات الجزائرية قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الخارجية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمنتجات الزراعية والصناعية والمواد المنجمية.

أما تطوير المنشآت المطارية، فيراه الحيدوسي مكملا للمنظومة نفسها، خصوصا بالنسبة للولايات الجنوبية والداخلية، فالطيران لا ينافس النقل البري والسككي في نقل الكميات الكبيرة من البضائع، لكنه يؤدي دورًا مهمًا في نقل الأشخاص، والخبرات، ورجال الأعمال، والمستثمرين، فضلًا عن دعم السياحة الداخلية والدولية.
ويؤكد أن تطوير المطارات في الجنوب يمكن أن يساهم في تسهيل وصول المستثمرين والخبراء إلى مناطق المشاريع، ويعزز جاذبية هذه المناطق للاستثمارات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشاريع تحتاج إلى حركة مستمرة للأطر والكفاءات.

الجلفة وتيسمسيلت.. البنية التحتية كرافعة للتنمية المحلية

ويرى الخبير أن المشاريع المدرجة ضمن البرنامج التكميلي للتنمية في الجلفة وتيسمسيلت تعكس توجهًا آخر مهمًا، يتمثل في توجيه البنية التحتية لخدمة التنمية المحلية.

فالمناطق الداخلية لا تحتاج فقط إلى طرق تربطها بالعاصمة، وإنما إلى شبكة تسمح لها بالاندماج في الاقتصاد الوطني، وربط الإنتاج المحلي بالأسواق ومراكز التوزيع.
ويؤكد أن تطوير الطرق والمنشآت الأساسية يمكن أن يكون عاملًا لجذب الاستثمارات نحو هذه الولايات، لأن المستثمر لا ينظر فقط إلى توفر العقار أو التحفيزات، وإنما يهتم أيضًا بتكلفة النقل والطاقة وسهولة الوصول إلى الأسواق.

وفيما يتعلق بمشاريع تخفيف الضغط المروري في الجزائر العاصمة، يرى الحيدوسي أن القضية لا ترتبط فقط براحة المواطنين، وإنما تحمل بعدًا اقتصاديًا مباشرًا.
فالاختناق المروري يؤدي إلى ضياع الوقت وارتفاع استهلاك الوقود وزيادة تكاليف النقل والخدمات، كما يؤثر على إنتاجية العمال والمؤسسات.
ويؤكد أن أي مشروع يهدف إلى تحسين انسيابية حركة المرور داخل العاصمة يمكن أن ينعكس على النشاط الاقتصادي، خصوصا إذا تم ربط المشاريع الجديدة بإعادة تنظيم حركة النقل الجماعي وتطوير المحاور الرئيسية.
ويعتبر الحيدوسي أن الجانب الرقمي في تعليمات قطاع الأشغال العمومية لا يقل أهمية عن المشاريع المادية نفسها، فإطلاق مشاريع بمئات الملايير أو بمبالغ ضخمة لا يضمن وحده تحقيق النتائج، ما لم تكن هناك آليات دقيقة لمتابعة نسب الإنجاز والتكاليف والآجال وجودة الأشغال.

ومن هنا، فإن رقمنة متابعة الاستثمارات وتحيين البيانات بشكل مستمر يمكن أن تسمح للإدارة بالحصول على صورة دقيقة عن وضعية كل مشروع، وتحديد التأخرات مبكرًا، والتدخل قبل تحولها إلى مشاكل يصعب علاجها، كما أن توحيد البيانات بين المديريات والمصالح المختلفة يمكن أن يحسن عملية اتخاذ القرار ويقلل من التأخر الناتج عن تداول المعلومات بطرق تقليدية.

ويشدد الخبير الاقتصادي على أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على التنفيذ الفعلي، لأن نجاح سياسة البنية التحتية لا يقاس بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بعدد المشاريع التي تدخل الخدمة في آجالها وبالمواصفات المطلوبة.

ويعتبر أن احترام الرزنامة الزمنية، ومراقبة الجودة، والتحكم في التكاليف، وتفادي التأخرات، كلها عناصر يجب أن تكون في صلب المتابعة، كما أن الصيانة لا ينبغي أن تكون مرحلة ثانوية، لأن الاستثمار في شبكة الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات يجب أن يترافق مع برامج دائمة للحفاظ على المنشآت ورفع عمرها التشغيلي.

الجنوب أمام فرصة لتحويل موقعه الجغرافي إلى قوة اقتصادية

ويؤكد الدكتور أحمد الحيدوسي أن ما يجري في قطاع الأشغال العمومية يتجاوز فكرة تطوير وسائل النقل، ليعكس إعادة بناء تدريجية للخريطة الاقتصادية الجزائرية، فربط الأغواط بغرداية والمنيعة بالسكك الحديدية، وتسريع الطرق الوطنية، وتطوير الموانئ والمطارات، ورقمنة متابعة المشاريع، كلها حلقات يمكن أن تصب في هدف واحد تحويل البنية التحتية إلى محرك مباشر للاستثمار والإنتاج والتصدير.

مضيفا أن الجنوب الجزائري يمتلك إمكانات كبيرة في الفلاحة والمناجم والطاقة والصناعة، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى ثروة مستدامة يتطلب شبكة لوجستية قادرة على نقل الإنتاج بسرعة وكلفة تنافسية.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي للجزائر خلال المرحلة المقبلة، وفق هذا التصور، هو الانتقال من بناء الطرق والمنشآت باعتبارها مشاريع منفردة إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة، تكون فيها السكة الحديدية والطرق والموانئ والمطارات أدوات لربط مناطق الإنتاج بالأسواق، وتعزيز الاستثمار، ودعم التنمية المتوازنة بين الشمال والجنوب والهضاب العليا.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑