الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

“سكيوريكس 2026”.. إفريقيا بين تعزيز الأمن السيبراني وتحديات السيادة الرقمية

Author
ربيعة خطاب 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشكل معرض “سكيوريكس جنوب إفريقيا 2026” في جوهانسبرغ، الذي تنطلق فعالياته خلال الفترة من 2 إلى 4 جوان، منصة إفريقية كبرى تجمع خبراء الأمن والدفاع وحماية البنى التحتية الحيوية، في وقت تتسارع فيه التحولات التكنولوجية المرتبطة بالأمن السيبراني والأنظمة الذكية. ويعكس هذا الحدث اتجاها متناميا نحو دمج الحلول الأمنية التقليدية بالتقنيات الرقمية المتقدمة، وسط اهتمام متزايد من دول وشركات إفريقية ودولية بتعزيز جاهزية الأمن وإدارة المخاطر.

وفي هذا السياق، صرح الباحث في الشؤون الإفريقية، عبد الله فارس قزاز، لـ”لأيام نيوز”، بأن معرض “سكيوريكس جنوب إفريقيا 2026” يعكس مرحلة انتقالية مهمة تشهدها القارة الإفريقية في مجال الصناعات الأمنية والتكنولوجية، غير أنه لا يمثل حتى الآن دليلاً على تحوّل إفريقيا إلى منافس عالمي كامل في هذا المجال. وأوضح عبد الله فارس قزاز أن القارة ارتبطت خلال العقود الماضية بصورة أساسية باستيراد التكنولوجيا الأمنية والاعتماد على الشركات الأجنبية في توفير الحلول التقنية المتقدمة، إلا أن التحولات المتسارعة التي فرضها التطور الرقمي، والارتفاع المستمر في حجم التهديدات السيبرانية، دفعت العديد من الحكومات والشركات الإفريقية إلى الاستثمار بشكل أكبر في بناء قدرات محلية مرتبطة بالأمن السيبراني والحلول الذكية وإدارة المخاطر.

وأضاف عبد الله فارس قزاز أن هذا التحول، رغم أهميته، ما يزال يتم في إطار السوق الإقليمية أكثر من كونه انتقالاً إلى مستوى المنافسة العالمية. فمعظم التقنيات المتطورة والبنى التكنولوجية الأساسية لا تزال مرتبطة بالشركات الدولية الكبرى، بينما يتركز الدور الإفريقي حاليا في تطوير الحلول محليا وتشغيلها وتكييفها مع احتياجات ومتطلبات البيئة الإفريقية. ومن هذا المنطلق، يرى عبد الله فارس قزاز أن المعرض يمثل مؤشرا على نمو منظومة أمنية وتكنولوجية إفريقية أكثر استقلالية وقدرة على الاستجابة للتحديات المحلية، لكنه لا يعكس بعد انتقال القارة بشكل كامل من موقع المستهلك إلى موقع المنتج العالمي لهذه التكنولوجيا.

وفيما يتعلق بالتركيز المتزايد على الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، أوضح عبد الله فارس قزاز أن ذلك لا يعني بالضرورة أن التهديدات الرقمية أصبحت أخطر من التهديدات الأمنية التقليدية داخل إفريقيا. وأشار عبد الله فارس إلى أن القارة ما تزال تواجه تحديات أمنية كبيرة مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة وحالات عدم الاستقرار السياسي والأمني في عدد من المناطق، وهي تحديات لا يمكن اعتبارها أقل خطورة من التهديدات السيبرانية المتنامية.

ولفت عبد الله فارس قزاز إلى أن التوسع الكبير في الخدمات الرقمية والأنظمة الإلكترونية والبنى التحتية الذكية منح التهديدات السيبرانية وزناً استراتيجيا متزايدا خلال السنوات الأخيرة. فالهجمات الإلكترونية لم تعد تقتصر على اختراق البيانات أو استهداف الأنظمة التقنية فقط، بل أصبحت قادرة على التأثير المباشر في قطاعات حيوية تشمل الطاقة والاتصالات والخدمات المالية والنقل. كما أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أوجد أدوات جديدة يمكن توظيفها سواء في تنفيذ الهجمات السيبرانية أو في إدارة حملات التضليل والتأثير المعلوماتي.

وأكد عبد الله فارس قزاز أن القراءة الأقرب إلى الواقع تتمثل في أن التهديدات الرقمية لم تحل محل التهديدات التقليدية، بل أصبحت متداخلة معها بشكل متزايد. فالكثير من الفاعلين غير الحكوميين باتوا يستخدمون الأدوات الرقمية لدعم أهداف أمنية أو سياسية تقليدية، وهو ما أفرز ما يمكن وصفه ببيئة تهديدات هجينة تجمع بين البعدين المادي والرقمي في الوقت نفسه.

وأشار عبد الله فارس قزاز إلى أن التهديد الرقمي أصبح واقعا ملموسا في بعض المناطق الإفريقية، وليس مجرد احتمال نظري. واستشهد بامتلاك بعض الجماعات الإرهابية الناشطة في منطقة الساحل والصحراء لتقنيات اتصال متقدمة مثل “ستارلينك” قبل أن تتمكن بعض الدول الإفريقية من الاستفادة منها بصورة واسعة، وهو ما يعكس حجم التحولات التي يشهدها المجال الأمني. واعتبر عبد الله فارس قزاز أن هذا الواقع يفرض على الدول الإفريقية العمل بشكل عاجل على تعزيز بنيتها التحتية الرقمية وتطوير قدراتها التقنية، خاصة أن الأمن الرقمي بات مرتبطاً بشكل وثيق ببنى تكنولوجية ما يزال جزء منها خاضعاً لتأثير الدول الكبرى والشركات العالمية.

وأضاف عبد الله فارس قزاز أن هذا البعد يتجلى أيضا في محدودية الضغوط الدولية المفروضة على بعض الشركات التكنولوجية لوقف أو تقييد خدماتها في سياقات معينة، حيث غالباً ما يتم تبرير استمرار هذه الخدمات باعتبارات إنسانية أو إغاثية، وهو ما يختلف عن حالات أخرى شهدت قيوداً أكثر صرامة، مثل بعض التطبيقات المرتبطة بالطائرات المسيّرة في النزاعات الدولية.

وعن التحدي المتعلق بالتوازن بين تعزيز أمن البنى التحتية الحيوية والحفاظ على الحقوق والحريات الرقمية، أوضح عبد الله فارس قزاز أن هذه الإشكالية تعد من أكثر القضايا حساسية في النقاشات العالمية حول مستقبل الأمن الرقمي. فالتحديات المتزايدة التي تواجه المنشآت الحيوية تدفع الحكومات والشركات إلى تبني أنظمة متقدمة للمراقبة والتحليل والاستجابة للمخاطر، غير أن هذا التوسع يثير في الوقت ذاته تساؤلات ومخاوف تتعلق بالخصوصية وإدارة البيانات وحدود استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني.

ويرى عبد الله فارس قزاز أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في كيفية إدارتها والأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم استخدامها. فكلما ارتبطت الأنظمة الأمنية بضوابط قانونية واضحة وآليات رقابة ومساءلة فعالة، تراجعت المخاوف المرتبطة بإساءة استخدام هذه التقنيات أو التوسع غير المنضبط في المراقبة الرقمية.

وأكد عبد الله فارس قزاز على أن مثل هذه المعارض والفعاليات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد منصات لعرض أحدث التقنيات الأمنية، بل يجب أن تتحول إلى فضاءات للنقاش حول نماذج الحوكمة الأمنية الملائمة للمرحلة المقبلة. فالتحدي الحقيقي أمام الدول الإفريقية، بحسب عبد الله فارس قزاز، لا يتمثل فقط في امتلاك أدوات أمنية أكثر تطوراً، وإنما في ضمان توظيفها ضمن إطار متوازن يحافظ على متطلبات الأمن والاستقرار، دون أن يتحوّل ذلك إلى مدخل لتوسيع نطاق الرقابة الرقمية بما يتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة.